|
«إسرائيل..لا تسهم في عملية السلام، وتقوم بقتل النساء والأطفال من دون تمييز، تهدم منازل الفلسطينيين، ولا يمكن تفسير أعمالها هذه إلا باعتبارها إرهاب دولة»، هذا ما قاله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في مقابلة هي الأولى من نوعها مع وسيلة إعلامية إسرائيلية، في أعقاب التوتر الذي طرأ على العلاقات التركية- الإسرائيلية، إثر العمليات الوحشية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في رفح، ونشرت هذه المقابلة جريدة «هآرتس».
الحكومة التركية تقوم بتوجيه انتقادات لاذعة وغير مسبوقة لإسرائيل، إذ أن هذه الحكومة المتوازنة على إثر تحسن العلاقات بينها وبين العالم العربي، أرادت أن تقول لإسرائيل، أنه طفح الكيل يا كيال، فسياستك ضد الفلسطينيين لا يستطيع أحد أن يتحملها، أو المرور عنها مرور الكرام، أما الأهم، فإن هذا التوجه التركي الرسمي كان من بين أسبابه، ضغوط الرأي العام التركي الذي جلبها للحكم والالتزامات التي قطعتها الحكومة التركية لشعبها، فالشارع التركي يتحفظ على الشراكة الاستراتيجية القائمة بين تركيا وإسرائيل، فرئيس البرلمان التركي على سبيل المثال، وصف ما جرى في رفح بالمجزرة والعمل غير الإنساني، والنائب التركي عن حزب «العدالة» مصطفى نوري اكيولوط، قدم استقالته من عضويته في جمعية الصداقة البرلمانية التركية- الإسرائيلية، تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وفي بيانه أكد أن إسرائيل تمارس أبشع أنواع المذابح في التاريخ بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، أما وسائل الإعلام التركية المقروءة والمسموعة والمرئية، فإنها تقوم بشن حملة غير مسبوقة ضد إسرائيل، بسبب سياستها ضد الفلسطينيين، فالقدس وفلسطين تعنيان الكثير بالنسبة للشعب التركي.
لقد أشهرت تركيا بطاقة صفراء في وجه إسرائيل، وإسرائيل تفهم جيدا معنى استدعاء أنقرة سفيرها في تل أبيب «للتشاور» كما أن إسرائيل تفهم مغزى ما يعنيه رفع مستوى قنصلها العام في القدس الشرقية المكلف بمتابعة الشؤون الفلسطينية، وترفيعه إلى رتبة سفير، وإذا ما أضفنا ماذا يعني اعتذار رئيس الوزراء التركي ووزير خارجيته عن تلبية دعوة رسمية لزيارة إسرائيل، ففي اللقاء الذي تم مؤخرا في أنقرة بين وزير البنى التحتية الإسرائيلي يوسف بريتسكي مع رئيس الوزراء التركي أردوغان، انتقد أردوغان بشدة تصرف الجيش الإسرائيلي الذي لا يعرف اللياقة الدبلوماسية، حين أوقف أعضاء البرلمان التركي لدى زيارتهم إلى الضفة الغربية على أحد حواجز الجيش الإسرائيلي، فأجابه الوزير الإسرائيلي: إن إسرائيل لا تستطيع مراقبة كل غبي في جيشها، فرد عليه أردوغان: يتضح أنكم لا تستطيعون أيضا مراقبة طائراتكم أثناء قصفها للفلسطينيين.
تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي اعترفت بإسرائيل فور ولادة الدولة العبرية عام 1948، وكان هذا الاعتراف بفعل ضغوط ونفوذ اللوبي الصهيوني، الذي كان متواجدا في تركيا، والمعروف بيهود «الدونمه» الذين كانوا يشغلون مراكز مهمة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية داخل تركيا ففي شهر كانون الثاني عام 1950 تم إقامة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل، وفي صيف عام 1951 عقدت اتفاقيات أمنية بين البلدين، تم بموجبها تزويد إسرائيل لتركيا بمعلومات عن منظمات المعارضة التركية وخاصة من الأكراد والأرمن، إضافة إلى النشاط اليوناني في منطقة البحر الأبيض المتوسط، باعتبار اليونان عدو تركيا التقليدي، وفي شهر آب 1958 تمت زيارة أول رئيس حكومة إسرائيلية لتركيا هو دافيد بن غوريون، وبعد حرب عام 1967، شهدت العلاقات التركية- الإسرائيلية بعض النفور، خصوصا مع تصاعد المصالح التركية في العالم العربي، غير أن حرارة العلاقة بين البلدين تحسنت بعد اتفاقية «كامب ديفيد» عام 1978، وبخاصة في المجالين التجاري والأمني، ووصلت هذه العلاقات ذروتها في نيسان 1996، بتصديق رئيس وزراء تركيا «أربكان»، على اتفاق التعاون العسكري بين البلدين، كان رئيس وزراء تركيا «مسعود يلماز» قد وقعها في عام 1995، ومنذ ذلك التاريخ زاد التعاون وزيارات رؤساء البلدين وقادتهما السياسيين والعسكريين، ويعتبر الجنرال «دافيد عبري» مدير عام وزارة الدفاع، ومستشار رئيس الوزراء في حينه بنيامين نتنياهو مهندس وعراب العلاقات الإسرائيلية-التركية.
على جانب آخر، فقد تبلورت العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، في إطار مجموعة من الاتفاقات، مما أدى إلى تغيير في الميزان العسكري الإقليمي في المنطقة، وتبادل المعلومات الأمنية والمخابراتية، وحصول تركيا على صور أقمار التجسس الإسرائيلية والأمريكية، ونشاط المنظمات «الإرهابية» مثل حزب العمال الكردستاني، والمنظمات والحركات الإسلامية في المنطقة، في المقابل فإن ما يهم إسرائيل هو متابعة أنشطة منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية لا سيما حزب الله والجهاد الإسلامي، وعلاقتها مع المنظمات الأخرى في العالم العربي، وخاصة تنظيم القاعدة.
وتوسعت العلاقات بين البلدين لتشمل إقامة مراكز إنذار وتنصت إسرائيلية داخل الأراضي التركية للتجسس على إيران وسورية والعراق، وتواجد طائرات مقاتلة إسرائيلية في الأراضي التركية، فإسرائيل هي المستفيدة من علاقاتها مع تركيا في المجال الاقتصادي أيضا، إذ أنها تبيع لتركيا الأسلحة والصواريخ والمعدات القتالية، وصيانة وتحديث الطائرات العسكرية والدبابات التركية، إضافة إلى مشاريع مشتركة، تصل الاستفادة الإسرائيلية منها الى مليارات الدولارات.
بعد هذا الاستعراض يأتي السؤال: لماذا هذا التحول في السياسة التركية؟ هل هي جادة؟ أم أنها مرحلية؟ ومع أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وما يجري في الأراضي الفلسطينية من مذابح، خاصة ما جرى في رفح، ألهب مشاعر الرأي العام التركي، فالحكومة التركية لا تستطيع تجاوز الأعمال الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، لكن هناك أسبابا لا تقل أهمية منها: تعزيز إسرائيل علاقاتها مع الأكراد شمال العراق، التي أغضبت تركيا مع أن هذه العلاقات تعود إلى عشرات السنين الماضية، وقول رئيس الوزراء التركي بأن شارون دفن عروض تركيا للوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين واعتبرها إهانة لتركيا، وهناك أسباب أخرى تتعلق بالطابع الإسلامي للحكومة التركية الجديدة، وبعلاقتها الدافئة مع الدول العربية، ومع ذلك، وبدلا من قيام إسرائيل بالاعتراف بخطأ سياستها، فإنها أعربت عن أسفها للبيانات والتصريحات التركية.
إن لإسرائيل اهتمامات كبيرة في علاقاتها مع تركيا، هذه العلاقات التي يعتبرونها استراتيجية وحيوية للغاية بالنسبة لإسرائيل، فإسرائيل تريد امتصاص حملة الغضب التركية، طالما أن هذا الغضب لا يصل إلى درجة قطع العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين، وهناك من يعتبر ان الموقف التركي الجديد من إسرائيل، يمتاز عن مواقف دول عربية عديدة، وفي أحسن الأحوال، فإن الموقف التركي يعتبر رسالة موجهة إلى الحكومة الإسرائيلية بهدف دفعها لتغيير سياستها الظالمة بالنسبة للشعب الفلسطيني، فإن أحدا لم يعد يتحمل سياسة إسرائيل الحمقاء حتى من قبل دول صديقة لإسرائيل، فهل أن إسرائيل ستفهم الرسالة التركية؟ |