|
زخرت الحقبة التي مرت بها "قدس برس" منذ تأسيسها عام 1992 بجملة من التحديات التي صقلت خبرت العاملين فيها، ومنحت الوكالة قدرة على التخطيط والإعداد والتقويم، وأتاحت الفرصة الملائمة لرصد التحديات على اختلاف مستوياتها والتصدي لها بما يزيد العمل مضاء وثباتاً واندفاعاً نحو الأمام.
وإذا كانت مرحلة التأسيس تزامنت مع بداية حقبة جديدة يعيشها الإعلام العربي في ظل تغيرات دولية ميزتها الهيمنة الخارجية أحادية القطب، وارتفاع وتيرة الغزو الخارجي، وانحسار الصوت الإعلامي غير الرسمي، وبداية تحرك جديد لتفكيك القضية المركزية للأمة، فإن تلك الحالة السياسية القاتمة التي تلت أزمة الخليج، كانت تمثل التحدي الأبرز لحالة إعلامية ناشئة، سعت إلى أن تشكل إضافة نوعية لإعلام عربي مستقل يحتفي بالمهنة، وينهض بالآمال، ويحرك الطموحات، ويخالج المشاعر المختزنة.
ولعل مستقرئ التاريخ والمحلل لحلقاته يلحظ أن صعوبة المرحلة عكست آلام الولادة، وأن كثافة الغزو زادت من عِظم التحدي، وأن هيمنة الخارج المتمكن وضعت الوليد الناشئ في احتكاك مباشر مع ظروف وأوضاع لم تكن مواجهتها بالأمر الهين.
ومن خلال رصد معالم الحقبة الأولى لنشأة الوكالة ومسارها يمكن رصد التحديات التي مرت بها ممثلة في الجوانب التالية:
التحدي السياسي:
ويتمثل في واقع قاتم أساسه اختلال التوازن المعلوماتي، حيث يعتمد الوطن العربي على الخارج في استقاء ما نسبته 90 - 95 في المائة من المعلومات على اختلاف طبيعتها، وتعتبر المصادر الأجنبية المغذي الرئيس للمعلومة في بلادنا، ويشكل التحكم بالمعلومة مفتاحا أساساً لرسم الأفكار وتوجيهها، والتحكم في مسار الرأي العام، وصياغة المواقف السياسية للحكومات والأحزاب والمؤسسات الأهلية.
وقد دفع إدراك تلك الحقيقة والوقوف على تداعياتها بالوكالة، إلى أن تولي الجانب المعلوماتي في خدماتها الإخبارية أهمية خاصة، والاهتمام النوعي بجانب التوثيق والتحري في نقل المعلومات وضخها للمتلقي، وحظي هذا الجانب بعناية من لدن العديد من الكتاب والمؤلفين العرب الذين بدأوا في استقاء معلوماتهم من البث الإخباري لوكالة "قدس برس" وتضمينها مقالاتهم أو كتبهم وأبحاثهم.
ويُضاف إلى ذلك، في مجال التحدي السياسي نفسه، أن الوكالة لم تكن تملك ما يمكن وصفه عادة بـ "مظلة الحماية السياسية" التي توفرها عادة حكومات مقتدرة، أو المؤسسات متعددة الجنسية، أو رأس المال المتنفذ، والتي تمنع في العادة قوى الهيمنة والضغط والسياسي من النفاذ إلى المؤسسات الناشئة وشلّ مناعتها، وتقويضها في نهاية المطاف.
ويعتبر ذلك من أهم الجوانب الذي تُعنى به الهياكل الإعلامية التي تنشط على مستوى إقليمي أو دولي، نظراً لأن طابع المنافسة لا يتسم بالنزاهة في الغالب، ولأن الأطراف المهيمنة تتمتع بنفوذ غالب، وقدرة واسعة على التحكم، لا تتيح لجهات غضّة من ناحية الإمكانية والخبرة قدرة الولوج إلى ميدان المنافسة والبقاء فيه فترة طويلة. وغني على القول إن استمرار الوكالة وما حظيت به من اهتمام وعناية في الأوساط الإعلامية والثقافية والسياسية، ونمو أدائها، وانفرادها بقوالب مهنية وإخبارية خاصة، كفيل بالتأكيد على القدرة في مواجهة هذا التحدي وتجاوز مثالبه، بحيث باتت الوكالة في الغالب رقماً مهماً في غالبية الساحات التي نشطت فيها، وصوتاً معبراً عن مواقف كافة الجهات في لحظات الأزمة، وناقلاً موثوقا للمعلومة والخبر، وراصداً متمكناً للحدث وتداعياته.
إن تجاوز "التحدي السياسي" استند إلى جملة معطيات، أبرزها إقامة شبكة من العلاقات والمنافع على المستويات كافة، تعنى بالمصالح المشتركة، وتوفر مُناخاً من القناعات المشتركة بأهمية وجود إعلام عربي يخدم المعلومة، ويعنى بالحقيقة، ويستنهض التاريخ، ويمحص الواقع، ويستشرف المستقبل، مستنداً إلى مبدأ هام، طالما تبنته الوكالة منذ لحظة ولادتها، وهو قراءة واقعنا والفضاء العالمي من خلال "عيون عربية" متيقظة ومبصرة. وإلى جانب ذلك أقرت الوكالة مبدأ هاماً للغاية تمثل في الحكمة في التعاطي مع الآخر دون تقديم أي تنازل يمسّ مبادئ المهنة وأسسها كما أدركتها وأقرتها، واستقلالية التمويل بما يحول دون السماح لقوى الهيمنة في التحكم وبسط إرادتها، إضافة إلى التدرج في النمو ، والبناء الهادئ لحلقات العمل ومفاصله بما يتيح ربط عناصره بعضها ببعض بشكل قوي ومتين.
التحدي المهني:
لقد شكل هذا التحدي عنصرا ضاغطا على الوكالة منذ تأسيسها، نظراً لأن الميدان الذي ولجت إليه، لم يكن مقفراً، بقدر ما كان خاضعا لنفوذ قوى متحكمة، لها من الدراية والخبرة والإمكانية ما أفسح لها المجال لفرض نوع من الاحتكار القاسي في مجالي المعلومة والتوجيه، حيث تتحكم جهات معدودة للغاية في مجال رحب وواسع، وتستخدم "نظرية الإغراق" لإحكام سيطرتها على الساحة العربية بامتداد واقعها الجغرافي والسياسي، ولا تجد تلك الأطراف أي تحدٍ حقيقي من جانب الأطراف الوطنية والإقليمية لأسباب عديدة، من أبرزها جمود الوضع السياسي وحالة الشلل التي تصيب مفاصل العمل العربي عموماً، والهزال الذي اكتنف مسار الدولة في بلادنا، وأدى إلى فساد مهامها، وابتعادها عن آمال الجماهير وأشواقها.
إن هيمنة قوى دولية على سوق الوكالات في العالم، وما تتمتع به تلك القوى التي تحظى بإسناد جدي من قبل الجهات التي توفر لها مظلة الحماية السياسية، إلى جانب الامتداد الزمني الطويل، والذي يزيد لدى بعضها عن قرن ونصف، أتاح لها ابتكار صيغ وقوالب مهنية أرغمت من يعتزم دخول هذا الميدان في مستوياته المتاحة، على الاستعارة والاقتباس، بله التقليد والنسخ.
ولعل ذلك، بالتحديد، ما كان على الوكالة أن تتحاشاه، وتنأى بنفسها عنه، وأن تصرف اهتمامها باتجاه الابتكار والتحديث، بما ينسجم مع رغبة الإعلام العربي في التعبير عن الذات، والحاجة لإنشاء قوالب مهنية جديدة تساعد على انسيابية المعلومة والإفادة منها ضمن أطر متنوعة، استناداً إلى القفزات النوعية التي شهدها عصر التقانة، والتي سمحت في جانب منها بنشوء قوى تحديثية في مواقع جغرافية شتى.
لقد سارت منهجية الوكالة في التصدي لهذا التحدي في اتجاهين، الأول: العناية بالتعبير والمصطلح، بما يساعد على تكوين لغة خاصة للوكالة في قراءة الحدث ونقل معالمه ومعطياته. والثاني: ابتكار قوالب إخبارية ومهنية لم يكن بعضها مألوفاً فيما سبق، مما سمح بإبداء قدر من التميز والتأكيد على رفض التقليد وتجنب النقل غير المبصر لتجارب الآخرين، دون أن يعني ذلك عدم دراستها أو تمحيصها والإفادة منها.
إن الوكالة تجد نفسها، بعد مضي اثنتي عشرة سنة على تأسيسها، حاضرة وظاهرة، من ناحية الابتكار المهني، وخصوصية التعبير، بشهادة خبراء المهنة، ومتابعيها من الإعلاميين، وهي معنية في الوقت ذاته بالاستمرار على النهج ذاته والعناية به، وإيلاء مسألة التحديث المهني والإخباري، وصقل المصطلحات وتعميمها أهمية خاصة، نظراً لما يشكله ذلك من معطى أساسي وهام في المجال الإعلامي والفكري.
التحدي البشري (الكفاءات)
إن أي متابع للحال العربي الراهن يدرك تمام الإدراك بأن العالم العربي لا يفتقر إلى الكفاءات المطلوبة في أي مجال، غير أن ما يعاني منه يتمثل في هجرة تلك الكفاءات إلى البلدان والأقاليم الأخرى، وعدم الإفادة الفعلية والجدية من الكفاءات المتوفرة في بلادنا، وانزواء بعضها بعيداً عن تخصصاتها، إلى جانب عدم العناية بمسائل التدريب والتأهيل، مما يجعل الأعمال على اختلافها مجالاً للركود العقلي والفكري، ومسرحاً للتفكك الداخلي والفساد الاجتماعي.
ولعل الوقوف على تلك الحقيقة يستدعي من أي عمل ناشئ إيلاء مسألة الكفاءات الناهضة عناية خاصة، وإبداء قدر أرحب من العناية بقطاع الشباب بما يكتنزه من فاعلية وحيوية وتطلع نحو المستقبل، وجهوزية للأداء والمنافسة والتحدي.
لقد شكل الشباب الناشئ، إلى جانب الكفاءات المميزة، الجسم الرئيس لبنيان الوكالة الداخلي، وأدى ذلك إلى أن تعنى إدارة الوكالة بمسائل الإعداد والتأهيل الداخلي، وتداول الخبرة، على الرغم مما يقتضيه ذلك من صبر وأناة وانتظار لجني الثمار في قابل الأيام، وتحمل لاندفاع البعض تحت ضغط الواقع، وسعيهم للقفز فوق عوامل التطور الطبيعي الذي يقتضي التدرج الهادئ، والنمو السليم.
إن صعوبة التحدي الذي واجهته الوكالة في هذا المجال تمثل في أمرين اثنين، الأول: الحاجة إلى وقت زمني ليس بالقصير لإعداد الكفاءة وتفعيلها والإفادة الحقيقية منها. والثاني: ظاهرة تسرب الخبرات بعد إعدادها، بسبب عوامل المنافسة ولجوء غالبية المؤسسات الإعلامية العربية إلى "استيراد" الكفاءات الجاهزة والمدربة، وعدم التطلع لمسائل التأهيل والإعداد، إلى جانب أن عدم توفر تجارب سابقة للفرد في مجال العمل قد يدفعه أحياناً للتطلع إلى خوض غمار مجالات جديدة بغض النظر عن طبيعتها.
إن معالجة ذلك، تنبع من زاويتين مهمتين، أولهما أن قضية الإعداد والبناء للخبرات والكفاءات، يجب أن تبقى أولوية متقدمة لدى أي مؤسسة إعلامية، مضافاً إليها الحاجة للبحث المستمر والدؤوب عن المواهب واستقطابها. وثانيهما، الحد من ظاهرة التسرب، بما يجعلها ضمن حدود معقولة لا تؤدي إلى إلحاق ضرر بالعمل ذاته، آخذين بعين الاعتبار أن تلك الظاهرة تعتبر مستشرية في السوق الإعلامية على المستويين العربي والدولي بسبب قساوة المنافسة، ودخول مؤسسات جديدة ميدان العمل بين حين وآخر.
التحدي المالي:
إن أي مؤسسة إعلامية تسعى إلى أن تكون إضافة نوعية وعامل تحديث وتجديد، يجب أن تنأى بنفسها عن الوقوع تحت تأثير التمويل الرسمي، الذي يعيق أداءها ويحولها إلى واحدة من المؤسسات الراكدة التي تزخر بها حلبات الأنظمة، إلى جانب ما يعنيه ذلك من انحسار للمصداقية، وتآكل للثقة التي يجب أن يوليها الجمهور للأداة الإعلامية المعبرة في الأساس عن آماله وآلامه.
وإذا كانت المؤسسات، غير الحكومية، تنأى بنفسها عن التمويل الرسمي، المباشر وغير المباشر الذي يقوّض قدرتها على الأداء المتوازن والفاعل، فإن ذلك يجعلها في مواجهة مباشرة وحادة مع قضية التمويل، نظراً للتكاليف العالية التي يتطلبها العمل الإعلامي، والحاجة المستمرة للتوسع والتحديث التقني والفني، إضافة إلى أهمية القدرة المالية في ثبات المؤسسة ورسوخها بما يحول دون تأثرها أمام منافسيها.
إن ثمة اعتقاداً واسعاً بأن دخول رأس المال الرسمي مجال الإعلام في الوطن العربي كان له تأثير ضارّ إلى حد كبير على الحركة الإعلامية والإبداعية، في وقت انحسر فيه اهتمام رأس المال الخاص بهذا المجال، سوى في حدود ضيقة، وزاد ذلك من معاناة المؤسسات الناشئة، التي كان عليها أن تسير بتوازن دقيق، وعناية محكمة سعياً للنمو والتطور.
لقد عانت الوكالة، مثل غيرها من المؤسسات الخاصة، من هذا التحدي، خاصة في ظل تجنبها للدعم الرسمي على اختلاف صوره، وحرصها على أن تطور نفسها بنفسها، مستعينة بإيرادها الخاص والمحدود، مما يبقي تلك المسألة في مقدمة الاهتمامات وفي رأس الأولويات، ويستدعي البحث عن صيغ مبتكرة تعين على رفع وتيرة الإيراد، وابتكار صيغ وقوالب جديدة تستجيب لمتطلبات السوق الإعلامية، إلى جانب الشراكة مع مؤسسات مماثلة تزيد من معدلات الإنتاج وتقلل الكلف القائمة، ويتطلب ذلك طرح مفهوم "الشراكة المؤسساتية" في الساحة العربية، على غرار "المؤسسات متعددة الجنسيات" التي عرفته السوق الغربية، وباتت معلماً مهماً من معالم العولمة.
إن افتقار العالم العربي إلى صيغ وطرائق تعين رأس المال الخاص على ولوج ميدان الإعلام والاستثمار فيه، على غرار ما هو حاصل في الغرب، أدى إلى ضعف قدرة الإعلام بوصفه أداة مهمة من أدوات التغيير الاجتماعي والسياسي، وعنصراً أساسياً من عناصر التأثير على الرأي العام وصياغة توجهاته وفق الأهداف الوطنية.
ولا شك فإن العمل على استقطاب رأس المال الخاص إلى هذا الميدان يتطلب جهداً ثرّاً يعين على خلق مناخ من الوعي بأهمية الإعلام، ونجاعة الاستثمار في أدواته، ومدى تأثير ذلك في إيجاد فضاءات مجتمعية تلعب فيها مؤسسات المجتمع المدني الأهلية دوراً مركزياً في الاستقرار والتطور.
إن قدرة الوكالة على تخطي التحدي المالي مرهونة بمدى نجاعتها في الدخول ضمن شراكات إعلامية مبنية على أسس اقتصادية سليمة، وفتح مجالات الاستثمار الخاص، وابتكار أساليب وأدوات جديدة تعزز من مستويات الإيراد القائمة، والسعي للعناية بمسائل التسويق والانتشار الأفقي في عموم المنطقة العربية والعالم، مستعينة بخدمات لغوية جديدة. آفاق مشرقة نحو المستقبل
إن وكالة "قدس برس إنترناشيونال" وهي تدخل اليوم حقبة جديدة من عملها، تقف على قاعدة راسخة من البناء المهني والداخلي، وتستند إلى تراث عريض من الخبرة والأداء، وتتطلع بعيون مبصرة إلى المستقبل، وفق منهجية تمتزج فيها حماسة التميز مع فطرية التواضع، ولن تغنيها القراءة المتمحصة لسنواتها الاثنتي عشرة بكل ما صاحبها من إنجازات وتحديات وإخفاقات من أن ترنو إلى المستقبل بتفاؤل واع، ودراسة متأنية لكل خطوة قابلة، وأن تستفيد من تجاربها وتجارب غيرها في البناء المكين، والمساهمة في رسم معالم إعلام عربي حقيقي وفعال، قادر على المساهمة العضوية في البناء المجتمعي، بما يستنهض الأمة من كبوتها، ويعيد لها خطّ مسارها الحضاري الذي ترتقبه أمم شتى في هذا العالم. |