|
ما حدث في المؤتمر الثالث لنقابة الصحافيين اليمنيين الذي انعقد في صنعاء (21-25) فبراير 2003 يستحق التوقف والاهتمام.
هذا الاستحقاق يتأتى من خلال الإيجابية التي سادت أجواء المؤتمر بمعزل عما هو معتاد في حياتنا العربية.
في الغالب كما هو دأب دول عالمثالثية عديدة.. تتدخل الأنظمة الحاكمة في كل صغيرة وكبيرة من مجريات حياة المجتمع إذ أن السلطات، وباسم الديمقراطية المزيفة تارة والمصلحة الوطنية العليا تارة أخرى تستحوذ على هيئات إدارة مؤسسات المجتمع لتمسك بخيوطها وتجعلها مسايرة لسولكها السياسي المتخلف؛كما أن النقابات على وجه التحديد حيث الديمقراطيات الناشئة تظل مطمعاً رئيسياً للأحزاب سواءً في الحكم أو المعارضة بغرض السيطرة عليها وتحوير أهدافها ومقاصد وجودها المطلبي.
والمعروف أن المنضويين في كيانات نقابية قد يكون لديهم قناعات سياسية مثل غيرهم من البشر.. وربما ينتمون لهذا الحزب أو ذاك أو لا ينتمون .. لكن أن يستهدف حزب سياسي السيطرة على النقابة لتحويلها إلى إحدى هيئات الحزب هو سلوك لا تربطه صله بالديمقراطية. في ثالث مؤتمر لنقابة الصحافيين اليمنيين كان الأمر مختلفاً إلى حد كبير فلا السلطات ولا الأحزاب قدرت السيطرة على توجيه الصحافيين ومصادرة حقهم في التعبير عن إرادتهم..
لقد كانت أجواء المؤتمر مفعمة بديمقراطية حقيقية تحدث لأول مرة في تاريخ العمل النقابي الصحافي في اليمن بل إن المؤتمر بإجراءاته ونتائجه أضحى نموذجاً مميزاً للعمل الديمقراطي لمؤسسات المجتمع المدني التي تريد التحرر من عقلية المصادرة لارادتها من جهة وعقلية الخضوع للاملاءات من جهة أخرى.
في المنطق هناك قاعدة تقول: المقدمات تؤدي إلى النتائج..
ونقابة الصحافيين اليمنيين استلهمت بوعي مسؤول هذه القاعدة وبدأت أولى خطواتها باشراك الصحافيين من خارج قيادتها لتنقية العضوية والإعداد والتحضير بصورة مشتركة لعقد المؤتمر.. وكانت هذه الخطوة بداية لطريق ناجع مختلف صوب ديمقراطية غير مشوّه.
تنقية العضوية التي قاد فكرتها الأستاذ نصر طه مصطفى عضو مجلس النقابة السابق حسمت جدلاً واسعاً كان يلقي بظلاله على المؤتمرات السابقة حيث يشارك فيها من لا علاقة له بمهنة الصحافة وبأعداد كبيرة تحدد اللون السياسي للقيادة المنتخبة غير أن المؤتمر الثالث تمكن من حصر حضوره بالممتهنين للصحافة ووفق معايير اكثر صرامة.. وبالنتيجة كان المؤتمر على قدر كبير من المسؤولية في التعامل مع الشأن الانتخابي تحديداً حيث بلغ عدد الصحافيين الذين يحق لهم دخول المؤتمر (986) صحافياً بعد إعلان أسمائهم وفتح باب التظلم والطعون .
مع اقتراب موعد المؤتمر أشرك مجلس النقابة ثمانية صحافيين من خارجه كفريق مساعد في التحضير والإعداد للمؤتمر وذلك بعد أن أنهى الفريق نفسه مع لجنة القيد تنقية العضوية بنجاح.
فعاليات المؤتمر بدأت بانتخاب رئاسة المؤتمر وكان على رأسها الإعلامية والنشطة النسوية والمدنية الدكتورة رؤوفة حسن وهي المرة الأولى التي ترأس فيها امرأة مؤتمراً لنقابة الصحافيين... تمكنت بشخصيتها القيادية ومهاراتها المعروفة في الإدارة من الامتصاص الرائع للعثرات والتفاعلات وبمساعدة النقيب السابق الأستاذ عبد الباري طاهر والنقابي السابق سالم باجميل.. ضمن هئية رأست المؤتمر وقادته بحنكة إلى بر الأمان .
غير تنقية العضوية ونجاح إدارة المؤتمر شهد الترشح للمواقع القيادية للنقابة إقبالا واسعاً حيث بلغ عدد المرشحين لموقع النقيب خمسة صحافيين ولعضوية المجلس الاثنى عشر (83) صحفياً.. فجرى تنافس برامجي محموم بصورة غير مسبوقة.. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المرشحين ينتمون لأحزاب وصحف متعددة ومتباينة وهناك اكثر من مرشح للحزب الواحد بل إن أحد الأحزاب تجاوز في عدد المرشحين عدد أعضاء المجلس الاثني عشر..
ولحال الترشيح بهذه الصورة اكثر من معنى لكن أهمها أن الناخبين صاروا أمام مفاضلة حتى بين المرشحين للحزب الواحد وفقاً لنسق الوعي القائم وبالاعتماد على إجراءات فنية شفافة و سليمة لعمليتي الاقتراع والفرز كانت النتائج معبرة عن حالة تميز جريئة.
في قاعة المؤتمر الاقتراع كان سرياً للغاية والفرز كان علنياً للغاية.. فالصمت ساد حين الإدلاء بالأصوات ومكبرات الصوت ارتفعت عن فرزها..
والنتيجة :
قيادة مختلفة الانتماءات السياسية والوظائف الصحافية.. تسعة صحافيين جدد يصعدون إلى مجلس النقابة لاول مرة وتبقى من المجلس السابق ممن رشحوا أنفسهم ثلاثة فقط كما أعيد انتخاب الأستاذ محبوب علي لموقع النقيب مرة ثانية.
اغلب القيادة من الشباب المتحمس لصناعة مستقبل افضل من زاوية المهنة ضمنهم امرأة فازت من بين صحافيات كثر تقدمن للترشيح..
على أن الأبرز المستفاد من التجربة هو أن ذلك جرى بمحض إرادة عنيدة للصحافيين دون أن يكون هناك اتفاق سياسي ولا تعميماً استحواذياً وان تلقت الآذان توجيهات حزبية فقد ركنها الصحافيون جانبا وعبروا عن قناعا تهم بآفاق رحبة من الوعي غير المستلب.
لقد انتخب صحفيون في وسائل إعلام تابعة للسلطة زملاء لهم من صحف المعارضة والعكس أيضا يعني أن الصحافي لم يعط اهتماماً للانتماء الحزبي وانما لمعايير برامجي وتقديرات موضوعية بالمصلحة الحقيقية من العمل النقابي.
كل ذلك يؤرخ لوضع تحولي في عقلية الصحافي اليمني ولا شك انه يؤسس لمستقبل اكثر تعبيرا عن بروز جيل صحافي قادم بقوة إلى ساحة مهنته بعقلية الاستقلالية والحرية والحضور المميز المؤكد لقيمة العقل الواعي لاحتياجاته ووجوده.
لقد لامس مؤتمر نقابة الصحافيين قضية هامة في المجتمع ومؤسساته المدنية في اليمن والبلدان العربية وهي تدخلات أجهزة السلطة والعقلية الشمولية لبعض الأحزاب في العمل المدني للمؤسسات المطلبية وإقحامه في بؤر الصراعات السياسية ليتم إفراغ تلك المؤسسات من محتواها الحقيقي.. ثم تحويلها إلى طرف في لعبة قذرة لا تضع اهتماماً لحياة الناس ومشاكلهم ومعاناتهم المستمرة.
ومن وحي تناول الشأن الانتخابي فقط الخاص بمؤتمر نقابة الصحافيين تتكون مشروعية للسؤال الشاغل:
ماذا لو تخلت أجهزة السلطة والأحزاب عن وصايتها الانتخابية على مؤسسات المجتمع المدني والنقابية على وجه التحديد- كما حدث في مؤتمر نقابة الصحافيين اليمنيين؟ ثم لماذا لا يرفض النقابيون أنفسهم ألا ملاءات وينحازوا لارادتهم وينتصرون لها؟ |