|
تراجعت إسرائيل عن تهديداتها المعلنة باغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، بسبب الموقف الدولي الرافض للعربدة الإسرائيلية ، وضغوط الإدارة الأميركية التي رأت ان الجموح الإسرائيلي المتزايد في المرحلة الراهنة ، حيث تغرق الإدارة الأميركية حتى أذنيها في رمال الصحراء العراقية ، يمكن ان يضر بالمصالح الأميركية في المنطقة .
وبررت مصادر إسرائيلية هذا التراجع بالقول ، ان قرار المس بعرفات اتخذ بشكل مبدئي وليس للتنفيذ الفوري اليوم أو غدا أو حتى الأسبوع المقبل ، رغم وجود قرار إسرائيلي سابق بهذا المعنى ، اتخذ من قبل المجلس الأمني المصغر للحكومة الإسرائيلية العام الماضي .
لكن يبدو ان إعلان هذا القرار اتخذ لاسباب تكتيكية تتعلق بالوضع الداخلي الإسرائيلي، حيث برزت بعض المؤشرات التي تشير لوجود استعصاءات أمام خطة الفصل أحادى التي يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون ، والتي ربط بها مستقبله ومصيره السياسي ، حيث أشارت استطلاعات الرأي التي قامت بها صحيفة " يديعوت احرنوت "الإسرائيلية مؤخرا ، إلى تراجع نسبة المؤيدين لخطة الفصل أحادى الجانب داخل حزب الليكود من 54%إلى 49%، وزيادة نسبة المعارضين لهذه الخطة من 32%إلى 39.5% داخل الحزب .
وتزايد الجدل بين وزراء الحزب حول هذه الخطة ، إضافة لمخاوف بعض المسؤولين فيه من ان تأتى نتائج الاستفتاء المزمع أجراؤه في 2 أيار المقبل ، مغايرة تماما لما يتمناه شارون والمؤيدين لهذه الخطة ، والتي عبرت عنها رسالة اولمرت لشارون الذي يشكو فيها من تقاعس الوزراء المؤيدين للخطة ، الذين لا يعملون بشكل جيد على تسويقها بين أعضاء الحزب.
ورغم التراجع الإسرائيلي ، فإن مخاطر قيام إسرائيل بعمل غير مسبوق ضد الرئيس عرفات تظل قائمة ، في ظل الظروف الإقليمية والدولية المواتية لذلك ، ووجود العديد من الخطط العسكرية الخاصة بذلك في أدراج وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة الإسرائيلية .
إلا ان حدود هذا العمل تظل محكومة بمدى مواءمته لمصالح الولايات المتحدة ، ومتطلبات الوضع الداخلي الإسرائيلي ، الذي يحتاج دوما لضبط إيقاعاته على أنغام التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد الفلسطينيين .
فالولايات المتحدة حسب الموقف المعلن لإدارة بوش ، تعارض المس جسديا بالرئيس عرفات ، أي قتله أو اغتياله ، لكنها ضمنيا لا تعارض إبعاده من الضفة الغربية إلى قطاع غزة مثلا ، مما يعني ان الإبعاد هو السيناريو الوحيد المرشح للتنفيذ من قبل الحكومة الإسرائيلية ضد الرئيس عرفات، في الأشهر القليلة المقبلة على الأقل .
حيث يحظى هذا التوجه أيضا، بدعم بعض قادة حزب العمل وعلى رأسهم شمعون بيرس ، الذي يدعى ان وجود عرفات في غزة ضروري لضبط الوضع هناك ، بعد الانسحاب الإسرائيلي وحتى لا تتحول غزة إلى " حماس لاند " على حد تعبيره .
ومثل هذا الإجراء أيضا ، قد لا يثير ردود فعل عربية ودولية كبيرة ، ولا يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر كونه يتم داخل الأراضي الفلسطينية ، حيث سيجري نقل الرئيس من رام الله إلى غزة ، لكن طريقة نقل الرئيس عنوة واحتمال تعرضه للخطر ، قد تقلب الأمور رأسا على عقب وتثير ردود فعل غاضبة وغير متوقعة في الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي ، لذلك ولتلافي أي خلل من هذا النوع ،قد تجري محاولات من قبل بعض الأطراف الدولية وربما العربية ، لاقناع الرئيس عرفات بالانتقال إلى غزة بمحض إرادته .
وتبدو مسألة إبعاد الرئيس عرفات من رام الله إلى غزة حاجة إسرائيلية ملحة ، لمواجهة استحقاقات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي المحتمل من غزة ،ولابعاده عن مسرح وساحة الفعل الرئيسية في الضفة الغربية ،التي سيتم فيها البدء بتطبيق خطة الفصل الإسرائيلية والتهام اكثر من نصف أراضي الضفة وضمها لإسرائيل ، لأن وجود عرفات وهو شبه معتقل داخل مباني المقاطعة المدمرة في رام الله ، سوف يؤدي إلى خلق المزيد من المتاعب لإسرائيل ، ، كونه يؤجج مشاعر الفلسطينيين .
لذلك فان إزاحته عن مسرح الضفة ، قد يمهد الطريق لبدء تطبيق خطة الفصل أحادى الجانب ، ويؤمن بعض عناصر النجاح للخطط الأميركية والإسرائيلية الهادفة لخلق قيادة فلسطينية بديلة ومطواعة تقبل التعاطي مع المخططات الأميركية والإسرائيلية،.
ان الوضع الفلسطيني برمته يمر بمأزق خطير نتيجة ضيق الخيارات الفلسطينية ، ووعود بوش التي حشرت الفلسطينيين في الزاوية ووضعتهم في مرمى النيران الإسرائيلية ، الأمر الذي يشجع بعض العناصر الفلسطينية على التعاطي مع خطة الفصل الإسرائيلية على اعتبار أن لا خيار أخر غيرها ،بعد ان يتم تقديمها كخطة دولية لخداع الفلسطينيين ، خاصة وان بعض الأصوات بدأت ترتفع مؤخرا وتطالب بالنظر إلى بعض " الإيجابيات " في هذه الخطة . |