الأحــد 11 يوليـو 2004

 Sunday 11, July 2004

لا توجــد أخــبار اليــوم

الصفحة الرئيسية

 

 

 

الســـــامــر

د. السيد عوض عثمان

دينا أديب الشهوان

رامي دعيبس

سلطانة السنجاري

إبراهيم أبو الهيجاء

إبراهيم عبدالعزيز

أحمد أبو حسين

أحمد أبوزينة

أحمد أسد

أحمد الآفغاني

أحمد الحلواني

أحمد الريماوي

أحمد اليازجي

أحمد رمضان

أحمد سعدات

د. أحمد محمد بحر

أحمد منصور الباسل

أسامة سعد الدين

م. أسامة عليان

إسماعيل محمد علي

د. إلياس عاقلة

إلياس فضيل

أمية جحا

أمين الإمام

أمين الغفاري

أنور حمام

م. أوزجان يشار

أيمن الجندي

أ. أيمن اللبدي

أيـــــوب

الأسمر البدري

الجوهرة القويضي

الحقائق

الشهيد المهندس رامي سعد

الطيب لسلوس

المصطفى العسري

د. بثينة شعبان

برهوم جرايسي

بريهان قمق

بشار إبراهيم

بلال الحسن

تركي عامر

تيسير نصر الله

جاسر الجاسر

جاك خزمو

جهاد العسكر

جهاد هديب

حازم أبو شنب

حازم بعلوشة

حسن أبو حشيش

حسن العاصي

د. حسين المناصرة

حسين قبلاوي

حمدي البكاري

حمود المحمود

حنـا عميـــره

حياة الحويك عطية

د. حيدر عبد الشافي

خالد البلعاسي

د. خالد الخالدي

خالد المالك

خديجة عليموسى

خليل العناني

دينا سليم

رجا زعاترة

رشاد أبو شاور

رضا محمد العراقي

رمضان عرابي

رياض خميس

ريان الشققي

ريتا عودة

ريما محمد

زكريا المدهون

زكية خيرهم

سامح العريقي

سري القدوة

سري سمور

سعاد عامر

سعاد قادر

سعود الشيباني

سعيد شبير

د. سلمان أبو ستة

سليم الشريف

سليمان نزال

د. سمير أبو حامد

سمير جبور

سمير جبور

سمير حمتو

د. سمير قديح

سناء السعيد

د. سيد محمد الداعور

د. شاكر شبير

صلاح الدين غزال

ضياء ثروت الجبالي

طارق أبو زيد

طاهر النونو

عادل أبوهاشم

عادل سالم

د. عاصم خليل

عبد الرحيم جاموس

عبد الرحيم نصار

عبد السلام بن ادريس

عبد العزيز الصقيري

د. عبد الغني عماد

عبد الكريم الخريجي

عبد الله الحمد

د. عبد الله النفيسي

عبد الواحد استيتو

عبدالحكيم الفقيه

د. عبدالرحمن العشماوي

عبدالرحمن عبدالوهاب

د. عبدالستار قاسم

د. عبدالعزيزالرنتيسي

عبدالله القاق

عبدالله المعراوي

عبدالمنعم محمد الشيراوي

عبدالهادي مرهون

عبير قبطي

عبير ياسين

د. عدنان حافظ الرمالي

عدنان كنفاني

عرفان نظام الدين

عزة دسوقي

د. عزمي بشارة

عزيزة نوفل

عصام البغدادي

علاء بيومي

د. عماد فوزي شعيبي

غازي الأحمد

غازي السعدي

غازي العريضي

د. غازي القصيبي

غسان نمر

غنام الخطيب

فادي سعد

فادي عاصلة

د. فاروق مواسي

فاضل بشناق

فاطمة ناعوت

فتحي درويش

فتيحة أعرور

د. فوزي الأسمر

د. فيصل القاسم

ليلي أورفه لي

مؤمن بسيسو

مازن الزيادي

ماهر عباس

محمد الرطيان

محمد السائحي

محمد العطيفي

محمد بركة

محمد تاج الدين

محمد حسنين هيكل

محمد حلمي الريشة

محمد صلاح الحربي

د. محمد عابد الجابري

محمد عبدالرحمن عويس

محمد عبدالغفور الخامري

محمد عبدالله محمد

محمد عثمان الحربي

محمد كاديك

محمود درويش

محيي الدين ابراهيم

مراد البخاري

مشعل المحيسن

د. مصطفى البرغوثي

مصطفى شهاب

مصطفى عبد الوارث

مصطفى فتحي

معروف موسى

منذر أرشيد

منير أبو راس

منير أبو رزق

منير شفيق

منير صالح

موسى أبو كرش

ميثم عبدالرحمن عبيد

ميسر الشمري

نائل نخلة

ناجي ظاهر

نادر القصير

ناصر البراق

ناصر السهلي

ناصر ثابت

ناظم الشواف

نايف حواتمة

د. نبيل السعدون

نبيل السهلي

نبيل شبيب

د. نجم عبد الكريم

د. نجوى مجدي مجاهد

ندى الدانا

نزار قباني

نسيم زيتون

نصار الصادق الحاج

نضال حمد

نضال نجار

نضير الخزرجي

نعيمة عماشة

نفين أبو العز

نهلة المعراوي

نواف الزرو

نواف عثامنة

م. نور الدين عواد

د. هارون خالد

هداية درويش

هيثم أبو الغزلان

وجيه مطر

وحيد عبد السيد

وليد الفاهوم

وليد بن أحمد الرواف

وليد رباح

ياسر أبو هين

ياسر الكنعان

يحي أبو زكريا

يحي السماوي

يحيى عايش

يعقوب محمد


أمية جحا


نسيم زيتون


رياض خميس

 

  النص الكاريكاتور

يوميات أبي الحسرة الأيوبي


  الثقافية


  عدنان كنفاني

أيها الأخوة .......


  فاطمة ناعوت

هكذا غنى زرادشت


  د.فاروق مواسي

أندلسيات


  ريما محمد

غسان كنفاني الحيّ أبداً...


  د.حسين المناصرة

طواحين السوس


  ليلى أورفه لي

إلى حبيبي في جنين


  سليمان نزال

الآن يصعد غسان ....


  بريهان قمق

غبار الطلع...


  وجيه مطر

أغنيات لرب أريحا


  دينا سليم

قصة قصيرة - عانس


  ناصر ثابت

تنويعات حاقدة .....


  نضال نجار

مأزق الوجود وذاكرة الذاكرة ...


  تركي عامر

خربشات على الغبار


  ريتا عودة

الحلم الأخير


  محمد الرطيان

شماغ الياور


  دينا أديب الشهوان

إدوارد سعيد وملامح لم تقرأ بعد ...


  عبد الواحد استيتو

يوميات زوج فاشل


  فتيحة أعرور

عائد إلى التيه ...


  صلاح الدين غزال

حائط الشجا


  أحمد الريماوي

زغردت فرحًا جنينْ...


  يحيى السماوي

بغداد ... يا أخت هارون


  عبد السلام بن ادريس

اعتزاز ونصوص أخرى


  أيمن اللبدي

العنوان يعتذر .!


  اصدارات

نهض الحجر


كـتاب الحـقـائق  |   الأرشـيف  |    للإتصال بنـا

  إستطلاعات الرأي

 

 

   أحمد رمضان

مدير عام ورئيس تحرير وكالة "قدس برس" إنترناشيونال - لندن

http://www.qudspress.com

  4/27/2004

قراءة في المخطط الأمريكي لإعادة صياغة الشرق الأوسط

 

تعكس الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق (آذار/ مارس 2003)، تطوراً حاداً في مسار السياسة الأمريكية منذ أن انفردت الولايات المتحدة في إدارة دُفة النظام العالمي الجديد عقب تفكك الاتحاد السوفياتي (1992)، الخصم التقليدي في الحرب الباردة، ومساعي واشنطن لإحداث تغييرات في البنى الأساسية للهيئات والمنظمات الدولية بما يتناسب مع وضعيتها الجديدة.

وإذا كانت الإدارات الأمريكية السابقة في العشرية الأخيرة، "الجمهورية" برئاسة جورج بوش، و"الديمقراطية" برئاسة بيل كلينتون، حرصت على أن تجعل خطواتها في السياسة الخارجية، وخاصة ما يتصل منها بالشرق الأوسط، تتم بالتنسيق مع حلفائها التقليديين، من خلال الاتحاد الأوروبي وأداته العسكرية حلف الأطلسي، وكندا واليابان، وهو ما تجلى في الحرب الأمريكية على يوغسلافيا برئاسة سلوبودان ميلوسيفيتش، فإن التغيير الذي شهدته السياسة الأمريكية مع مجيء جورج دبليو بوش إلى الحكم في واشنطن، كان مثيراً ومقلقاً في آن معاً.

وعلى الرغم من أن قطاعاً واسعاً من المحللين كان ينظر إلى ارتقاء بوش للسلطة على أنه  عودة طبيعية للجمهوريين إلى البيت الأبيض بعد ثماني سنوات من خسارتهم الحكم، إلا أن فئة أخرى كانت ترقب باهتمام الأجندة الخفية للمجموعة التي كانت تحيط ببوش الابن، وخاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط، وتحديداً العراق، الذي كان يحتل قمة الاهتمام في خطط تلك المجموعة التي تجمع بين التشدد السياسي والتطرف الأيديولوجي والمصالح المالية المتشعبة عبر سلسلة شركات كبرى تنشط في الولايات المتحدة والعالم.

إن مما يثير القلق أن كثيراً من الساسة في الوطن العربي والعالم الإسلامي كانوا في غفلة عن طبيعة النوايا التي حملها حكام البيت الأبيض الجدد، وشعر كثيرون أن قدرة هؤلاء على تنفيذ ما كانوا يبوحون به ليست كبيرة، بالنظر إلى حاجة واشنطن إلى قدر من الاستقرار في تلك المنطقة يضمن لها استمرار تدفق النفط، ويخفف عنها عبء التوتر في مناطق أخرى من العالم، في جنوب شرق آسيا، والجزيرة الكورية، والبلقان، وأمريكا الوسطى.

غير أن الدور الذي لعبته مجموعة المحافظين الجدد، خلال حقبة الرئيس بيل كلينتون، ودفعها إياه لشن عملية "ثعلب الصحراء" عام 1998 ضد العراق، والدفع باتجاه تبني سياسة إبقاء الحصار، ومن ثم مشروع "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، كان مؤشراً على أن وصول تلك المجموعة إلى الحكم سيشهد بداية تصعيد في عموم المنطقة العربية، وخاصة العراق وفلسطين.

لقد تزامن وصول التيار اليميني المحافظ إلى الحكم في الولايات المتحدة، مع تطورات هامة على الصعيد الدولي، تمثلت في وصول آرائيل شارون إلى السلطة في "إسرائيل" مدعوماً بتأييد أكثر الجهات تطرفاً ويمينية في الدولة العبرية، وتمكن حزب "جناتا" الهندوسي المتشدد من الانفراد بالسلطة في الهند، فيما تزايدت نعرات التطرف والعنصرية في عدد من الدول الأوروبية، وباتت سياسات بعضها (مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا) أكثر حدة في التعامل مع المجتمعات المسلمة فيها، وشهدت روسيا من جانبها عودة للتدخل في سياسات عدد من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى بما يتيح تمكين الأحزاب الشيوعية السابقة أو أنصار موسكو من الإمساك بزمام السلطة في وجه الإرادة الشعبية التي كان ترنو نحو التحرر السياسي والاستقلال الاقتصادي والتخلص من التبعية الفكرية والثقافية.

في مقابل ذلك كانت علائم الضعف والتفكك تعتري النظام الرسمي العربي، وبدا المشهد السياسي مغرياً لقوى الهيمنة لمزيد من التدخل العسكري والسياسي، فقد كان عجز القادة العرب في قممهم على اتخاذ مواقف موحدة، وحدة الخصومات الشخصية وغير المبررة بين الزعماء وبين بلدانهم أيضاً، ومن ثم النهايات المؤسفة لمجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون لدول المغرب العربي، وتحديات البقاء والاستمرار التي تواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانفراط عقد دول إعلان دمشق، وضعف محور "القاهرة – الرياض – دمشق"، والتراجع الاقتصادي لغالبية الدول العربية، وحدة الافتراق بين الموقفين الرسمي والشعبي إزاء التحديات الكبرى، كلها عوامل ساهمت في إغراء الولايات المتحدة والدول الحليفة لها على رفع وتيرة التدخل من مستوى سياسي وغير مباشر، إلى مستوى عسكري ومباشر، كما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين.

ضمن هذا المشهد المتشعب، يمكن القول إن الإحاطة بما وقع في العراق، والتداعيات التي صاحبت الزلزال العراقي، لم تكن بعيدة عن التفاعلات التي وقعت في الإقليم العربي، والعالم عموماً، وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك "الحرب على الإرهاب" وهي الذريعة التي اتخذتها واشنطن وغالبية الدول الغربية سبباً لتفعيل التدخل العسكري في شؤون البلدان الأخرى.

مفردات الأجندة الأمريكية قبيل الحرب على العراق

يشبه بعض المراقبين الطريقة التي وصل بها "المحافظون الجدد" إلى السلطة في واشنطن، بما كان عليه الحال عندما أمسك "الحزب النازي" بزمام الحكم في ألمانيا عام 1936، فلم تكن القوى السياسية في ألمانيا وأوروبا على دراية كافية بالأجندة الخفية للنازيين، ومساعيهم لإثارة نزاعات إقليمية ودولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية، كما حكم هؤلاء بلادهم بقبضة صارمة تكللت بأكبر عملية تزيف للرأي العام من خلال أدوات محكمة الإدارة والتنفيذ.

ولا يبدو الأمر بعيداً عما جرى في الولايات المتحدة، فالارتياح الذي صاحب اختيار دبليو بوش لدى النخبة السياسية العربية كان دلالة كافية على فقدان عناصر الرؤية التحليلية الصائبة لدى تلك النخبة، وبالتالي عدم التهيؤ لمستقبل أكثر قتامة مما كان عليه الأمر في السنوات السابقة. كما لم تشعر العديد من البلدان بحجم الخطورة التي يشكلها "المحافظون الجدد" وقاعدتهم الشعبية من اليمين المسيحي المتشدد ليس على الولايات المتحدة فحسب، ولكن على العالم كافة وتوازنه السياسي.

لقد أظهر فريق بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية، مستفيداً من حالة الارتباك التي صاحبت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ومهيئاً الأجواء داخل الولايات المتحدة وخارجها لتقبل مبدأ "الحرب الوقائية"، وهو ما مكنه من استقطاب تأييد دولي واسع النطاق في الحرب على أفغانستان، وساعياً لتوظيف هذا التأييد في الحرب التالية على العراق، ومن ثم إطلاق جملة مبادرات سياسية وأمنية ترمي إلى إحداث تغيير واسع المدى في عدة أقاليم، في مقدمتها الشرق الأوسط.

ويكن ترتيب مفردات الرؤية الاستراتيجية الأمريكية على المستوى الخارجي قبيل الحرب على العراق على النحو الآتي:

(1) اعتماد مبدأ "الحرب الوقائية" في التعامل مع الأخطار، بدلاً من سياسة الردع النووي، والدفاع الذاتي (العراق نموذجاً).

(2) تدويل "الحرب على الإرهاب" وجعلها في صلب الدبلوماسية الأمريكية، حيث تتحكم بمستوى العلاقات مع الدول الأخرى والمساعدات ودرجة التعاون الاقتصادي، إلى جانب المزج بين الحرب الوقائية والإرهاب (أفغانستان نموذجا).

(3) فرض الهيمنة الاقتصادية من خلال التحكم بمسار الطاقة والنفط على المستوى الدولي (محاولة الهيمنة على فنزويلا، السيطرة المطلقة على نفط الخليج، تطويق منابع النفط في بحر قزوين، والسعي للإمساك بنفط العراق).

(4) إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن ونظام عمل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الكبرى، بما يفضي إلى منح الولايات المتحدة سلطة "حق النقض" الخاصة بها، دون باقي الدول الأربع الكبرى التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن (يلاحظ خفايا الصراع بين واشنطن ومحور "باريس – برلين")

(5) إعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما يتيح تفكيك بعض الدول المركزية (مثل السعودية) وتمكين دول الأطراف من لعب دور مركزي بحماية أمريكية في مواجهة الدول الرئيسة في الإقليم العربي، وتساهم تلك الصراعات التي تم نقلها من مستوى منخفض إلى مستوى عالٍ في شلّ عمل المؤسسات العربية وخاصة جامعة الدول العربية والمنظمات المتفرعة عنها لصالح البديل الأمريكي.

(6) الهيمنة على العراق وجعله نقطة الانطلاق المركزية في التحرك الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، في مقابل توقع حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج خلال عملية تفكيك الدولة المركزية (السعودية) وإعادة تركيب أنظمة حكم جديدة بعد تقسيم المملكة إلى ثلاث دول. (المعلومات تشير إلى أن السفارة الأمريكية في بغداد ستضم أربعة آلاف موظف، بينما أضخم سفارة أمريكية في الشرق الأوسط تضم نحو ثلاث مائة موظف).

(7)  تفكيك بعض مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، والتي تتعارض مع الأجندة الأمريكية لصالح دعم مؤسسات وهيئات تتوافق مع الرؤية الأمريكية تحت غطاء الليبرالية (نموذج ما يحصل في مصر والأردن ودول الخليج).

(8) إعادة النظر في تركيبة الحلف الأطلسي ومبدأ الشراكة مع أوروبا، بما يضمن للولايات المتحدة دوراً مميزاً في الحالة الأوروبية، ويتيح لها استخدام العامل الاقتصادي الأوروبي في تخفيف العبء الواقع عليها في المساعدات الخارجية، وخاصة مناطق النزاع، وهو ما جعل بعض الأوروبيين يعتبرون أنهم تحولوا من "حلفاء" إلى "أتباع"، ومن "شركاء" في حصد المنافع، إلى "أُجراء" لا يتلقون من المنافع الكبرى سوى الفتات (يلاحظ أن أهم دولة حليفة لواشنطن في حربها على العراق وهي بريطانيا لم تحصل سوى على عقود يسيرة لشركاتها).

أخطاء واشنطن الاستراتيجية في إدارة الأزمات

على الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر القوى العظمى الرئيسة في العالم، وتمتلك المئات من مراكز الأبحاث والدراسات والقدرة الاستخبارية الهائلة على جمع المعلومات، إلا أن المراقب تنتابه الدهشة من مستوى الخلل الذي يعتري السياسة الخارجية لتلك الدولة الكبرى، ويضطرها في أحيان كثيرة إلى تعديل سياساتها بصورة جوهرية.

وواقع الحال أن هناك عوامل داخلية تلعب دوراً في هذا الخلل، نابعة من طبيعة تكوين المؤسسات التي تعنى بالشؤون الخارجية، والتي تتأثر بنشاطات جماعات الضغط، مما يجعل القرار السياسي مزيجا من المصالح الداخلية والرغبات الخاصة لتلك الجماعات (نموذج الحصار على كوبا المستمر منذ أربعة عقود بضغط من اللوبي الكوبي في الولايات المتحدة رغم أضراره الاقتصادية على الشركات).

وتستعين الإدارة الأمريكية في الغالب بمراكز استشارية ضمن عقود محددة، وتتدخل عادة المصالح الخارجية لعدد من الدول في التأثير على طبيعة الاستشارات المقدمة للمسؤولين الأمريكيين، مما يجعل بعض البلدان تقوم بإنفاق الملايين سنوياً لصالح منظمات الضغط التي تعمل لحسابها (إسرائيل، على سبيل المثال، تنفق غالبية المساعدات المدنية التي تتلقاها من واشنطن لحساب الجهات الدعائية التي تعمل لصالحها في عموم الولايات المتحدة، كما أن الصين تنفق مبالغ طائلة للتأثير على قرارات الإدارة الأمريكية تجاه التعاون معها).

بيد أن المصدر الأهم للخلل الحاصل في أداء السياسة الخارجية الأمريكية نابع من عدم إلمام فئات عديدة من العاملين في وزارتي الخارجية والدفاع بخصائص مناطق النزاع، أو ثقافات الشعوب التي يتم تأمين مصالح الولايات المتحدة الحيوية في بلادها، ويؤدي ذلك في الغالب إلى تأليب الشعوب على السياسة الأمريكية.

وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) شهدت دول العالم تعاطفا قلّ نظيره مع الولايات المتحدة، بما في ذلك في الوطن العربي والعالم الإسلامي، غير أنه بعد نحو سنة ونصف انحسر هذا التعاطف بشكل واسع وشهدت نحو ست مائة عاصمة ومدينة في قارات العالم الخمس تظاهر قرابة عشرة ملايين شخص ضد السياسة الأمريكية في العراق ومناطق التوتر الأخرى، ولم يكن بوسع صانع القرار في واشنطن الوقوف عند أسباب هذا التحول المثير أو قراءة دوافعه، فيما انبرى بعض الكتاب للقول إن هؤلاء ليسوا أكثر من أناس يشعرون بالتحامل على الولايات المتحدة.

كما أن النموذج الأبرز للإخفاقات التي منيت بها السياسة الخارجية الأمريكية، يتجلى في فشل سياسة "الاحتواء المزدوج" التي طبقت بحق العراق وإيران، وانتهى معها قانون "داماتو" بعد أن رفضت الدول الأوروبية الالتزام به، وبدا أن سياسة الاحتواء التي وضعها مارتن إنديك، وهو يهودي أسترالي وصل إلى مواقع مهمة في الخارجية الأمريكية في أوقات قياسية ولا يمتلك القدرة التي تؤهله على صياغة استراتيجيات ذات مستوى رفيع، قد انتهت بصورة مثيرة.

أما في فلسطين، فيبدو الإخفاق الأمريكي جلياً أيضاً، إذ أن غالبية المشاريع والاقتراحات التي تتقدم بها الولايات المتحدة لا تجد الحد الأدنى من الالتزام بها من فرقاء الصراع، وخاصة الطرف الإسرائيلي، وتُستذكر في هذا المجال مقترحات كلينتون للحل النهائي، ومشروع تينت، وتفاهمات ميتشل، وأخيراً خطة "خارطة الطريق" التي تراوح مكانها.

ويمكن تشخيص أبرز أسباب الإخفاقات الأمريكية على المستوى الخارجي بالنقاط الآتية:

(1)  اعتماد إدارة بوش استراتيجية للتعامل مع الصراعات لا تحظى بالإجماع سواء داخل الولايات المتحدة، أو على صعيد الدول الغربية، التي تعتبر أن مبدأ "الحرب الوقائية" لا يخدم في نهاية المطاف النظام الرأسمالي ومصالحه الحيوية في المنطقة العربية، وبدا واضحاً أن عديداً من الأصوات ارتفعت في الغرب لتحذر من أن الاندفاع الأمريكي اللاواعي ستكون له آثار بالغة على مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من ناحية إحياء عوامل التوتر بينهما، كما أن من شأن ذلك أن يقوض الدعم الذي حظيت به الحرب الأمريكية على "الإرهاب".

(2)  تجاهل إدارة بوش لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، مما ساهم في نشوء محور "باريس - برلين - موسكو" الذي استطاع الحيلولة دون حصول واشنطن ولندن على تفويض من مجلس الأمن لشنّ حرب ضد العراق، وبدا أن تلك الحرب تمت دون غطاء قانوني أو أممي. وأدى ذلك التجاهل في نهاية المطاف إلى إحداث شرخ في العلاقة بين ضفتي الأطلسي يتوقع أن تترك ندوباً لسنوات عديدة، ما لم تقم إدارة أمريكية جديدة بجهود لجسر الهوة الناشئة بين الطرفين.

(3)  اعتماد الإدارة الأمريكية على "التضليل" الإعلامي لتمرير خططها وبرامجها العسكرية والأمنية والتسلّحية، ورغم أن ذلك ساهم إلى حدّ ما في التأثير على حركة الرأي العام الأمريكي لبعض الوقت، غير أن الدلائل تشير إلى أن تأثير الدعاية التي حشدت لها إدارة بوش كل إمكاناتها، بدأ يتراجع، خاصة في ظل الإخفاق في تقديم أدلة حسيّة على الاتهامات التي تم من خلالها تبرير الحرب على العراق، وتتعلق تحديداً بأسلحة الدمار الشامل، التي تبين أنها قامت على أسس ملفقة.

(4)  إصرار المجموعة المهيمنة على القرار داخل الإدارة على خوض سلسلة من النزاعات في آن معاً، وطرح مجموعة خطط تغييرية على المستوى الدولي من غير أن تتوفر لديها الكفاءة والقدرة على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد، دون حلفاء أو شركاء فعليين. ومن ذلك تصعيد الأزمة مع العراق ثم شنّ حرب عليه، وتصعيد الأزمة مع كوريا  الشمالية وإيران وسوريا والفلسطينيين، إلى جانب استمرار المواجهات في أفغانستان، والحرب مع حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، ثم السعي إلى تغيير نمط العلاقة مع الدول الأوروبية، وتركيبة مجلس الأمن وأداء الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على المنظمات الدولية، ومن بينها محكمة جرائم الحرب في لاهاي.

(5)  طرح الإدارة الأمريكية خططا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتنافى عموما مع تشهده الولايات المتحدة من إجراءات وتدابير بحق الأقليات وخاصة المسلمين، الذين يتعرضون للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي، إضافة إلى ما يحدث في معتقل غوانتانامو، مما نزع السند الأخلاقي، الذي كانت تستند إليه الإدارات الأمريكية عند تقييمها للأوضاع الداخلية في الدول الأخرى، وخاصة ما يتصل منها بأوضاع حقوق الإنسان.

(6)  الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة قوى ضعيفة من الناحية العسكرية، كما حدث في أفغانستان ومن ثم في العراق، حيث لجأت الولايات المتحدة لاستخدام كميات هائلة من الأسلحة والصواريخ المدمرة، وكان غالبية ضحاياها من المدنيين، مما حدّ من مستوى التأييد الذي يمكن أن تحظى به حملات عسكرية من هذا القبيل، وساهمت بعض وسائل الإعلام في كشف الآثار الإنسانية القاسية للاستخدام المبالغ فيه للقوة من جانب الأمريكيين، مما دفع واشنطن في بعض الأحيان لمحاولة إسكات وسائل الإعلام التي تتباين مع سياساتها.

(7)  الربط بين الخطط العسكرية والمنافع الاقتصادية التي تعود في الغالب لصالح شركات لها صلة بكبار مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الدفاع، مما راكم الإحساس لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن الحروب التي تشنها إدارة بوش وثيقة الصلة بمطامح بعض الشركات الكبرى لجني المال، ولا شك أن طريقة توزيع العقود في العراق تعزز تلك الشكوك.

الإخفاق الأمريكي في العراق .. أسباب ودوافع

تتبدى لدى المراقبين، يوماً بعد يوم، عوامل الإخفاق الأمريكي في إدارة الحالة العراقية في مرحلة الاحتلال، ولا يقتصر هذا الإخفاق عند انهيار نظام الخدمات الأساسية للشعب العراقي، وفقدان الأمن الشخصي والعام، وإنما تتجاوزه إلى حدّ عدم توفر توافق سياسي بين الأطراف التي تعاونت مع واشنطن في حربها لإسقاط نظام حكم صدام حسين بشأن مستقبل العراق السياسي.

وعلى الرغم من شكوك البعض بأن الاختلافات بين أطراف مجلس الحكم قد تكون بإيحاء خفي من مسؤولين أمريكيين، فإن من الحري التأكيد على أن حالة عدم الاستقرار الأمنية والسياسية في العراق ستسبب حرجاً بالغاً للأمريكيين على المستويين الإقليمي والدولي، وستعزز الريبة بشأن قدرة واشنطن على ضبط الاستقرار في المنطقة.

وبعد نحو عام من الحرب يظهر جلياً الآن أن قطار التغيير الأمريكي فقد قوة الدفع الذاتية، وبات المشهد يتحرك باتجاه الانكفاء على المستوى العسكري، فيما الأداء السياسي يبدو غير واضح حتى للنخبة في واشنطن، وبالتالي فإن الحديث يتمحور حول ما إذا كانت إدارة جورج دبليو بوش تمتلك فعلاً رؤية استراتيجية للتعامل مع العراق في المرحلة المقبلة، وما إن كانت الطروحات التي تتقدم بها بشأن الانسحاب/ أو إعادة الانتشار تأتي نتيجة الوضع المتأزم الذي تعاني منه القوات الأمريكية في مواجهة مقاومة عراقية متنامية.

وإذا كانت الحرب على العراق قد حسمت بشكل سريع وفق المعايير العسكرية، فإن الإخفاق الأمريكي على المستوى السياسي كان أسرع مما هو متوقع، ومن الواضح أن وراء ذلك عدة أسباب جوهرية لم تكن إدارة بوش لتُعنى بعملية تحليلها أو الوقوف عندها. ومن ذلك:

(1)  غموض الشق السياسي في استراتيجية الولايات المتحدة إزاء الأزمة العراقية، وقد بدا انعكاس ذلك جلياً لدى حلفاء الولايات المتحدة، الذين انتابتهم الريبة إزاء نوايا واشنطن نحو العراق في مرحلة ما بعد إسقاط النظام السياسي فيه، وشكل هذا الغموض عاملاً مقوّضا لإمكانية تشكيل تحالف مساند لواشنطن في الأزمة، إلى جانب ضعف الحجج التي تقدمت بها (قضية أسلحة التدمير) مما جعل الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي يبدو غير متماسك، ودفع قطاعات واسعة من النخب السياسية في الغرب للنأي بنفسها عن برنامج الحرب والحثّ على عدم التورط فيه.

(2)  استخدام واشنطن لفئات من المعارضة العراقية أداة مساندة لإسقاط النظام السياسي في بغداد، بينما بدا عزمها التخلي عنها بعد ذلك وإقصائها من الحكم، مما أحدث شرخاً في العلاقة بين الجانبين، وساهم في عدم تشكيل بنيان سياسي متماسك يساهم في حفظ الأمن وعودة الهدوء، وصدرت عن شخصيات سبق أن ساندت الأمريكيين في حربهم على العراق انتقادات لاذعة للأداء الأمريكي ومخاوف من نواياهم إزاء تسليم العراقيين السلطة في بلادهم.

(3)  بدء إدارة بوش حملات قوية على عدد من دول الجوار العراقي، قبل أن يستتب الأمر لها، مما أثار قلق تلك الدول، وجعل من مصلحتها القوية عدم تمكين الأمريكيين من الاستقرار في العراق، فقد هددت واشنطن سوريا بحملة عسكرية مشابهة، وشنت حملة تحريض ضد إيران، ومارست ضغوطا قوية على السعودية، وتركت الأردن أسير المخاوف إزاء مستقبله، بينما لم تكن علاقاتها مع تركيا قد تعافت بعد النكسة التي ألمّت بها خلال فترة الحرب، واعتقد مخططو الحرب الأمريكيون أن التصعيد مع دول الجوار ربما يساهم في تعزيز قبضتهم في العراق، وهو الاعتقاد الذي تبين خطؤه.

(4)  المخاوف الواسعة التي انتابت دول الفضاء الاستراتيجي للعراق من نوايا إدارة بوش إزاء احتلال العراق، وأبرزها روسيا والصين واليابان، والتي باتت على قناعة بأهمية عدم تمكين الأمريكيين من السيطرة على العراق خشية أن يؤدي ذلك إلى تهديد مصالحها الحيوية، مأخوذاً بعين الاعتبار التغلغل العسكري والأمريكي في دول آسيا الوسطى وكومنولث الدول المستقلة.

(5)  عدم قدرة إدارة بوش على تحويل "الانتصار العسكري" الذي حققته في العراق إلى نصر سياسي إقليمي، والذي كان مخططا له أن يتم في ساحة فلسطين من خلال طرح "خارطة الطريق" وإلزام الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ببنودها، إلا أن قدرة الإدارة على تحقيق تقدم في هذا الجانب كانت محدودة لعدم رغبتها في ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي.

(6)  تزايد مستويات العداء للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في مجمل الوطن العربي والعالم الإسلامي نتيجة مواقف الإدارة الأمريكية في فلسطين وأفغانستان والعراق، وأدى ذلك إلى تضاؤل قدرة الاستقطاب ضن صفوف الفئات العلمانية والليبرالية التي باتت تخشى من حدة ردود الفعل الشعبية تجاهها.

(7)  افتقار الأمريكيين للفهم الكافي لخصائص المجتمع العراقي وطبيعته المحافظة، حيث أفضت عمليات الدهم والاعتقال التعسفي والتعذيب بحق المدنيين إلى تزايد مستوى العداء للاحتلال في الشارع العراقي بشكل عام، وشعر العراقيون بأن مقولة الاحتلال عن "تحرير العراق" ليست سوى عبارات لتضليل الرأي العام.

(8)  قيام قوات الاحتلال بحل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية كافة، مما أدى إلى انهيار البنى التحتية اللازمة لاستمرار عمل الدولة في حال انسحاب الاحتلال، وعكس ذلك نوايا سلطات الائتلاف على أن الموضوع يتجاوز إسقاط النظام السياسي إلى تقويض العراق من الداخل، وقد يشكل مقدمة لتجزئة البلد إلى كانتونات عرقية وطائفية.

مستقبل العراق السياسي .. توقعات

أدى ضعف الموقف الأمريكي في العراق، وتدخل دول الجوار في الأزمة من خلال قنوات شتى، وتحول العراق إلى ساحة للمواجهة بين الولايات المتحدة والقوى التي تناصبها العداء، إلى تدويل القضية العراقية، في ظل عدم بروز قوة رئيسة داخلية قادرة على حكم العراق وتقبل بها الأطراف الأخرى.

ومع دخول الولايات المتحدة مرحلة سباق انتخابي محموم دخلت القضية العراقية في منعطف حاسم، إذ تعتزم إدارة بوش الإبقاء على قدر من النفوذ الحيوي لها في العراق يتمثل في قواعد عسكرية كبرى ونفوذ سياسي ودبلوماسي فاعل، في مقابل تخفيض الانتشار العسكري في المناطق المأهولة، مما يقلل من حجم الخسائر التي تمنى بها قواتها، ويحدّ من التكاليف العالية التي تضطر لإنفاقها لتأمين المدد اللوجستي للوحدات العسكرية المنتشرة في مساحة واسعة من أرض العراق.

وفي ظل تزايد مستوى التعقيد في الأزمة، يبدو التنبؤ المستقبلي لها غاية في الصعوبة، إذ أنها من المرات النادرة التي تتداخل في صراعات تجمع جماعات عنفية مع بلدان إقليمية ودول كبرى، ولذا فإن مصالح تلك الأطراف ونزاعاتها ستنعكس على الوضع الداخلي العراقي، مما يرشح أن تشهد الفترة المقبلة على المستوى المنظور حالة من عدم الاستقرار تتمثل في التدهور الأمني، وعمليات الاغتيال الغامضة، ونشوء نزاعات ذات بعد طائفي وعرقي ضمن السباق المحموم للسيطرة على مكامن النفوذ.

ويمكن وضع تصور للمشهد العراقي في المدى المنظور ضمن المحددات التالية:

(1) أمريكيا: ستتحرك الإدارة الأمريكية الحالية في اتجاه تقليص حجم الوجود العسكري، في مقابل تعزيز الحضور السياسي من خلال القوى الحليفة لها داخل العراق، وستدفع باتجاه إقرار القواعد العسكرية، وجعل الوجود العسكري الأمريكي ضمانة لتفادي وقوع حرب أهلية، مما يقتضي تسعير الخلافات الطائفية بين حين وآخر والتلويح بأن الانسحاب الأمريكي سيؤدي إلى حالة فوضى شاملة في العراق، ولا يتوقع أن تسمح واشنطن بنشوء نظام مركزي قوي في بغداد، والعمل بدلا من ذلك على قيام نظام يستند إلى الترويكا التوافقية التي تستند عادة إلى الدعم الخارجي (يلاحظ النموذج اللبناني).

(2) عراقيا (سياسة) : سيستمر التجاذب القائم بين الشيعة والسنة والأكراد في سبيل الحصول على المكاسب السياسية، ولا يتوقع أن تتوصل الأطراف الثلاثة إلى توافق مرض لها، في ظل العوامل الخارجية، فالعلاقة بين الشيعة وإيران ستدفع في اتجاه تحريك هؤلاء لمزيد من التغلغل في أجهزة الدولة ونظام الحكم، بينما يسعى الأكراد لتوفير أكبر قدر من الضمانات التي تحول دون تعرضهم للتهميش مستقبلا، أما العرب السنة فسيتركز سعيهم المستقبلي على إيجاد مظلة سياسية جامعة لهم تشكل توافقا بين القوى السياسية والهيئات العلمية والدينية والإفادة من تنامي المقاومة في صفوفهم لتحقيق مكاسب سياسية ميدانية. كما ستشهد الساحة العراقية تجاذبا إضافيا تشارك فيه القوى التي تم تهميشها في مجلس الحكم سياسيا أو عرقيا مثل الأطراف العلمانية والدينية المتشددة، والتركمان والكلدأشوريين، مما يرجح أن تستمر حالة الاستقطاب على مدى السنوات الثلاث المقبلة على الأقل.

(3) عراقياً (مقاومة) : يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً في عمليات المقاومة بين العرب السنة، فيما يرجح أن تنمو بذور لها في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، وسيبقى الانخراط الشيعي في المقاومة رهنا بموقف إيران التي تدفع الآن باتجاه العمل السياسي، ولا تسمح بالعمل المقاوم ما لم تدخل طهران نفسها في خلاف حاد مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن برنامجها النووي. ولذا فإن تأثير المقاومة رغم فاعليته سيبقى منحصرا في مناطق السنة، مما يستدعي إجراء نوع من المراجعة بحيث تهيئ المقاومة لنفسها خطابا سياسيا مقنعا وجامعا لعموم العراقيين ويستفيد من وضوح النوايا والخطط الأمريكية بشأن استمرار الهيمنة على مقدرات العراق.

(4) عربياً (الجوار) : يتوقع أن تزيد دول الجوار تدخلها في الشأن العراقي بأشكال مختلفة، من بينها نسج علاقات مع الجماعات والأحزاب العراقية، وفي بعض المراحل الدخول في لعبة التصفيات والانتقام، كما ستستمر القوى الرئيسة (تركيا، سورية، وإيران) في رفض إقامة كيان كردي مستقبل، غير أن تأثير تلك الأطراف مرهون بانحسار الدور الأمريكي العسكري، ويستبعد أن تلعب عواصم الجوار دوراً محوريا في شكل الحكم المقبل في العراق، أو أن تشكل عامل استقرار له نظرا لضعف تأثيرها الميداني سوى في مناطق محددة.

(5) عربياً (الجامعة ودول أخرى) : رغم التحسن الملحوظ في دور الجامعة العربية في القضية العراقية، إلا أن دور الجامعة سيبقى على هامش التحرك الإقليمي والدولي بسبب الظروف الموضوعية التي تعاني منها الجامعة ومؤسساتها نتيجة حالة الشلل العربية، والخلافات بين دولها. كما أن مصر لن تكون طرفاً رئيسا في المسألة العراقية نظراً لانشغالاتها الداخلية (الإصلاحات ومسألة خلافة الرئيس مبارك)، والعبء الناتج عن احتمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة، واستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني.
(6) أوروبياً: سيواصل محور "باريس – برلين" جهوده بالتعاون مع موسكو للدفع باتجاه تمكين الأمم المتحدة من لعب دور مركزي في قضية مستقبل العراق ونظام الحكم فيه، إلى جانب عدم تمكين واشنطن من احتكار المنافع الاقتصادية الناجمة عن احتلال العراق، لذا فإن حالة الشدّ والجذب ستسمر في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ولا يتوقع أن تساهم أوروبيا عسكريا في العراق ما لم يكن ذلك في ظل توافق حول المسائل الأخرى.

(7) جماعات العنف: ستشهد المرحلة المقبلة تدفق المزيد من العناصر المتشددة من عدة دول باتجاه العراق، ضمن عملية تصفية الحساب مع الولايات المتحدة، وسيقترن ذلك مع حالة الفوضى، فكلما انتفى الاستقرار ستجد تلك العناصر المجال مفتوحا لها للنشاط والتحرك باتجاه ضرب القوة الأمريكية الميدانية، ويعزى تمركز تلك الجماعات في العراق إلى الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها القيادة الأمريكية في عملية إدارة النزاع، وتفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها.

(8) متغيرات دولية: في حال عدم نجاح الرئيس بوش لولاية ثانية، وعودة الديمقراطيين للحكم، فإن الإدارة الجديدة ستجد صعوبة في التخلص من الإرث الذي خلفته إدارة بوش، ويتوقع أن تستمر في مواجهة ما تصفه بـ"الإرهاب"، أما بشأن العراق فسيكون ذلك لصالح تقليص الحضور العسكري إلى حد كبير في مقابل الحفاظ على النفوذ السياسي باعتبار العراق أصبح مدرجاً ضمن مناطق النفوذ الحيوية للمصالح الأمريكية المستقبلية.

خلاصـــة

إن المشهد العراقي سيبقى رهينة لحالة عدم الاستقرار الداخلية، والتجاذبات بين الأطراف المتنازعة، لذا فإن أي قوة مركزية "عراقية" ينبغي أن تنصب جهودها على تعزيز وحدتها، وتقوية صفوفها، ورفع كفاءة عناصرها، وتأمين أوسع طيف من التحالف السياسي الداخلي (جبهة وطنية واسعة تضم أحزاب ومنظمات وهيئات سياسية وفكرية وثقافية)، وإقامة روابط مع دول الجوار والبلدان العربية والمحيط الدولي، والسعي إلى حماية قياداتها من عملية التصفية، والعمل على الحفاظ على وحدة العراق الجغرافية، وتوافقه الشعبي، وطرح برامج تحظى بأكبر قدر من الإجماع الداخلي، وتفادي تسعير النزاعات الطائفية والعرقية، والحد من التدخلات الخارجية، وعدم تمكين قوى الاحتلال من الإمساك بمقدرات العراق، وتركها في حال من الارتباك السياسي والميداني، وتفعيل دور قوى المجتمع المدني لصالح بناء عراق تُصان فيه الحريات العامة وحقوق الأقليات كافة ويضمن قدر وافر من التعدد السياسي والتداول السلمي للسلطة.

 
إرسل المقال لصديف للتعليق على المقال

مقـــالات أخــرى للكاتب:

 

  قدس برس بين تحديات الواقع واستشراف المستقبل  6/1/2004

 

 

لايوجد إستطلاع اليوم
 إستطلاعات سابقة

  عادل أبو هاشم

فئران السفينة الفلسطينية..!!


  سناء السعيد

الرجل الذي باع نفسه


  نايف حواتمة

من جنين إلى الفلوجة..العجز الرسمي العربي خاصرة المقاومة الرخوة


  حياة الحويك عطية

المقاومة بين الإحباط والأمل


  حوار

الدكتور مثنى حارث الضاري لـ"الحقائق": إسرائيل هي المحرض الرئيسي للعدوان الأمريكي على العراق


  د . فيصل القاسم

سامحكم الله يا آباءنا الطيبين!


  غازي العريضي

الخصخصة بين مرتزقة الإدارة وإدارة المرتزقة


  د . محمد عابد الجابري

لا بديل للحرب الأهلية غير الكتلة التاريخية


  د . عبد الله النفيسي

الصورة «دي بالزّات»


  أحمد رمضان

قدس برس بين تحديات الواقع واستشراف المستقبل


  د. مصطفى البرغوثي

المطلوب فضح ممارسة إسرائيل للتعذيب


  د . عزمي بشارة

المثابرة والفوضى


  منير شفيق

على هامش القمة العربية


  د . بثينة شعبان

مـا لا يُقال فـي الإعـلام..!


  عرفان نظام الدين

الممكن والمستحيل في القمم العربية!


  مصطفى بكري

رسائل من القلب


  د . عماد فوزي شُعيبي

دعوة أميركية لدور سوري في العراق.. ماذا بعد؟


  صحف عبرية

القصة الحقيقية لإختراق إسرائيل العراق ...


  وثائق

جامعة الدول العربية


  ملفات خاصة

ملف الشهيد غسان كنفاني


للإتصال بنا

للإتصال بنا   |    للمســاعدة


2003  الحـقائق - المملكة المتحدة

جميع الحقوق محفوظـة

 خـــبر عـاجــــل X
عاجل كوفي انان يدعو اسرائيل الى الامتثال للقانون الدولي