|
في عموده اليومي بصحيفة الشرق الأوسط (عدد 9265 وتاريخ 10/4/2004) وتحت عنوان(العنف خطر على الجميع) كتب الدكتور أحمد الربعي كلاما غير مقبول ولا منطقي عن ما يحدث في العراق، ثم عاد ليكرر نفس الإسطوانة المشروخة في (عدد9273 وتاريخ 18/4/2004) تحت عنوان(الفلوجة نموذجا).
في كلتا المقالتين تطاول الربعي وتمادى في غيه ومنطقه المتخبط الذي يدل على أنه يعيش حالة من الحقد الأعمى وفقدان الاتجاه والعربدة الفكرية - هذا إذا كان في الأصل لديه فكر وإتجاه- حيث يرى وبما نصه أن (العقل العربي يهيم بكل عنف بغض النظر عن أهدافه وضحاياه يعبر عن نفسه بشكل عدمي) ليأخذ ما يحدث في مدينة الفلوجة البطلة المجاهدة كدليل وشاهد على وجهة نظره ليكمل مقالته بما هو مخجل وعار عليه .
والسؤال الذي يطرح نفسه : من اعطاك يا (الربعي) الحق في التطاول على أمة بكاملها ، حتى تتحدث عن العقل العربي بهذه الصورة المسيئة وذلك الشكل المزري ، وربط العقلية العربية بالعنف معتبرا ذلك أحد أشكال تعبيرها عن ذاتها.؟!
مع التذكير- فقط- بأن وصف (الربعي) هذا لم يستخدم من ألد أعداء الأمة ، فلا اليهود من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين المتطرف ، ولا المحافظين الجدد ولا حتى غير الجدد تجرأوا للإساءة لنا بقدر ما أساء (الربعي) لإرادة شعب وإنتفاضته لمقاومة غازي محتل مارس الكذب والخديعة على العالم اجمع.!
فهذا الكاتب الأمريكي" بوب وودا ورد" يؤكد في كتابه الذي صدر مؤخراً (خطة الهجوم) بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش بدأ بالتحضير للحرب على العراق بعد أسابيع من هجمات 11سبتمبر/أيلول ، وذلك تحت مسوغين رئيسيين:
أولهما مبني على القول بوجود أسلحة الدمار الشامل ، يمكن أن تهدد العالم الحر وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل ، وسقط هذا المسوغ أمام شعوب وأنظمة العالم وعلى رأسها الشعب العراقي ، ولم تعتذر الإدارة الأمريكية للشعب العراقي والعالم عن جريمة الحرب وويلاتها التي مارست فيها أبشع أنواع التنكيل والتدمير والقتل للإنسان ضاربة عرض الحائط بكل القيم والمبادئ الإنسانية والأعراف والقوانين الدولية.
والثاني عبر التأكيد على أن الولايات المتحدة يهمها أن تحدث انتقالا تاريخيا من عهد الاستبداد إلى عهد الديمقراطية في العراق ، مستخدمة ذات الشعار الذي كانت تستخدمه أوروبا الاستعمارية ( المهمة الحضارية لأوروبا) كعنوان جميل لمغامراتها في افريقيا وآسيا آنذاك، فالجحافل الأوروبية كانت تجعل الدين، والهداية، ورسالة الله سببا لغزو الشرق الأوسط من جهة ، ولغزو الهنود الحمر من جهة أخرى. أما روسيا العظمى التي كانت تفعل مثل ذلك بذات المبررات ، فصار الروس يغزون العالم من أجل العمال المساكين ، الذين تعشق موسكو سواد عيونهم لترسل من أجلهم الدبابات الحمراء لتدك كل ماهو عمران وبشر وحجر. ليسقط،كذلك المسوغ الثاني(المهمة الديمقراطية)،وذلك بصيغة تحويل العراق إلى حطام يفتقد الحرية والكرامة والاستقلال والنظام، لابل إن الاستعمار القديم كان يترك هامشا للسيادة لإدامة تحكمه في مقادير ومقدرات الشعوب ومصائرها وان كان هذا الهامش لا يعدو أن يكون أحد الاعيبه المفضلة الا وهو الاعتراف بالاستقلال السياسي في اللحظة التي تتم فيها عملية مصادرته وحرمانه من الاستقلال الاقتصادي من أجل أن تبقى الشعوب خاضعة.
أما إستعمار بوش وبريمر(الصادقون في تسلم السلطة ، وإقامة عراق حر مستقل) كما يذكرنا (الربعي)، فقد ألغوا الاستقلال السياسي والاقتصادي بضربة واحدة، وفي هذا وذاك إتضح أن النظام السياسي العسكري الأمريكي هو نفسه بمثابة "أسلحة دمار شامل" تهدد العالم كله، وأنه لا يحتمل بناءا ديمقراطيا فعليا لافي العراق ولا في الولايات المتحدة ذاتها.
وقد يكون الأكاديمي الأمريكي الشهير(نعوم تشومسكي) أفضل من يوثق التراث السياسي الأمريكي ويسبر أغوار خفايا الضمير الأمريكي في هذا الشأن حين أعلن في حوار مع جريدة (غرا نما أنترناشيونال) الكوبية : أن كيسنجر في عام 1973كان قلقا من صعود (الليندي) الديمقراطي إلى سدة الحكم في تشيلي وإن ذلك سينشر العدوى ليس في أمريكا اللاتينية وحسب، بل وحتى في إيطاليا حيث كانت الولايات المتحدة تنفذ في الوقت ذاتة عمليات تخريبية واسعة النطاق في محاولة لتقويض الديمقراطية الإيطالية لابل دعمت الأحزاب الفاشية في إيطاليا.
إن هذا الموقف من الديمقراطية إحدى الثوابت المتأصلة في الاستراتيجية السياسية الأمريكية، ومن ثم فإن قلق كيسنجر من انتشار الديمقراطية في بلد ما يغدو مفهوما ومسوغا في ضوء الاستراتيجية الأمريكية- الإسرائيلية. ولكنه لن يكون مفهوما ومسوغا أن يتعرض العالم لقانون الغاب التدميري، دون أن يرفع صوته احتجاجا على ذلك.
إن الوضع المفروض حاليا على الشعب العراقي من قبل الولايات المتحدة ــ التي جاءت بالمستبد صدام ونظامه البعثي لمواجهة المد الشيوعي في العراق آنذاك ــ هو وضع السيد والعبد المتخلف مما يمثل نمطا من الكوميديا السوداء ، فمهما تنوعت وتعددت الكلمات ظاهريا يبقى في نهاية المطاف تنوع ينتهي إلى نهاية واحدة هي علاقة القوي بالضعيف.
ونذكر (الربعي) الساخط المتباكي على "إستخدام القوة والعنف في وجه مكتوفي الايدي من القناصة الأمريكان المساكين" مبررًا الهجمة البربرية الأمريكية على الفلوجة إلى أحد أبرز الباحثين الأمريكيين البروفسور بول كيندي من خلال رصده وتحليلة لعمليات المقاومة المتنامية في العراق حيث توصل إلى نتيجة حاسمة ومنطقية وهي أن الممارسات الأمريكية خلقت ألف سبب وسبب لإذكاء روح العداء في نفوس العراقيين للولايات المتحدة عندما وطأت أحاسيسهم وعزتهم الوطنية بأقدام وتصرفات جنود المارينز مما أدى طبيعيا وبديهيا إلى أن يفجر الاحتلال كل شحنات الغضب والسخط والفعل المضاد الذي ستجتاز مخاطرة كل الحدود.
جاء الأمريكان إلى بغداد والفلوجة بسلوك التعصب الأصولي، والعنجهية الاستعمارية والهمجية البربرية في آن. وقبل إقتحام المدينة من قبل دولة عظمى تقصف مسجدا زاعمة أن خمسة من المارينز قد جرحوا بإطلاق النار من داخلة. وكأن على الأمريكان أن لا يدفعوا أي ثمن للاحتلال ، وشعرة تسقط من جسم المارينز(راعي البقر) تبرر قصف مسجد وقتل خمسين من الأطفال والشيوخ والنساء..!!
إن الأحداث الحالية في العراق هي تحدي للكرامة والانتماء العربي والإسلامي، وأن الفهم لمسار التاريخ يفرض التعامل معه بذات الأساليب والسبل التي تحقق نوعا من الندية والكرامة والإباء، والتاريخ من خلال عبره ودروسه غابره وحاضره، يعلمنا أن مامن شعب أحتل الأجنبي أرضه وسيطر على مقدراتة وتجاهل إرادته لصالح فرض إرادتة إلا وهب لمقاومة هذا المحتل أو المستعمر أو المغتصب.
من هنا نحذر (الربعي) بأن في مقالاته تلك وطروحاته مطلب وسابقة خطيرة تتمثل في طلب الإستسلام والهزيمة والقبول بالاحتلال والمحتل من المناضلين الصامدين المرابطين في سبيل الله أبناء الشعب الفلسطيني الذين يدافعون بالحجارة والاجساد الطاهرة عن المقدسات الإسلامية وحرمات الأرض والعرض والكرامة في فلسطين وجنوب لبنان وغيرها، فالإسرائيليين أيضا يمتلكون ذات الأسلحة الأمريكية الفتاكة ويمارسون العهر والعربدة التي تمارسها في كتاباتك أيها (الربعي).
إنني أطالبك بأسم الشعوب العربية وكافة المثقفين والكتاب والصحافيين أن تمتلك الشجاعة الكافية لتقدم الاعتذار عن ما ذكرته في مقالاتك، وأن تتوقف عن غيك وطغيانك. كما أطالب كافة القوى والأحزاب والتجمعات الكويتية وعلى رأسها جمعية الصحفيين بإتخاذ موقف يرد الاعتبار للعقل العربي والمقاومة المشروعة للمحتل الغازي أيا كان في البلاد الإسلامية والعربية كما تعودنا من الأخوة الشرفاء في دولة الكويت. |