|
كيف يُدير الرئيس بوش دفة الاحتلال؟
ضاع الأمريكان في العراق بين بأسهم العسكري وبؤسهم السياسي. لقد اصبح واضحا في العراق ان الامريكان لا يملكون سوى البأس العسكري شأنهم شأن الرومان في التاريخ، لكنهم بالقطع لا يملكون ولو النزر اليسير من العبقرية السياسية المطلوبة لادارة المناطق التي يحتلونها. اما بوش فيمثل الصورة المتطرفة لما تقدم ذلك لان ادارته لاحتلال العراق يؤخذ عليها «قواصم» ويشهد على ذلك عشرات من الكتاب الامريكان في الصحافة الامريكية نفسها ومشاهيرهم «جيمس فوكس وهنري فريزر وروبرت فيشر واندرو والترز وغيرهم وغيرهم». ونلخص المآخذ على بوش وادارته لاحتلال العراق بالنقاط التالية:
اولا: هناك ـ كما يبدو ـ منظومة من الافكار والانطباعات ذات التبسيط المخل تبدو مسيطرة على بوش وهو يدير دفة الاحتلال مع فريقه السياسي المهتم كثيرا بالتجارة والعقود السخية في العراق «هاليبرتون ـ بكتل ـ KBR» اكثر من اهتمامها بإدارة الصراع السياسي والمزاحمة اليومية داخل العراق بين عدة اطراف سياسية.
ثانيا: ان حسابات بوش الشخصية قصيرة المدى انتخابية مفاجئة فقاعية مثال على ذلك زيارة بوش المفاجئة لمطار بغداد وكانت زيارة سرية خاطفة ليلية وصفتها الصحافة الامريكية. «بزيارة اللص» خلال احتفال «عيد الشكر thanksgiving» وحتى الديك الرومي الذي حمله بطبق كبير للجنود كان ـ حسب الصحافة الامريكية ـ ديكا من البلاستيك. لقد كانت تلك الزيارة ـ من حيث المحصول السياسي لها ـ فاجعة لانها اثبتت عكس ما كان يروم اثباته بوش ومن نصحه بتلك الزيارة.
ثالثا: لا يبدو ان بوش مهتم «بالاتصال الدولي» كعملية هامة لتغطية التعثر السياسي الذي يعاني منه في العراق. بل بالعكس سنلاحظ ان حرص الامريكان على الاستحواذ على عملية اعمار العراق ـ كصفقة بزنس ـ ادخلهم في صراع حتى مع الانجليز ـ حلفائهم المخلصين في الاحتلال ـ فالامريكان حريصون هذه الايام على تهميش الانجليز ودورهم في العراق مقارنة بحرصهم قبل الحرب على توريط الانجليز فيها، لذلك سنلاحظ التبرم الانجليزي واضحا في مجلس العموم House of Commons والصحافة البريطانية من الامريكان ومايقومون به في العراق.
رابعا: صار من الواضح ان بوش وفريقه يخفون خسائرهم في العراق ويتعاملون مع الاعلام «حتى الامريكي وربما بالاخص الامريكي» بشيء من الخشونة والتهديد. يقول مارك ميللر Mark Miller استاذ الاعلام في جامعة نيويورك ان ادارة بوش هددت محطات التلفزيون الامريكية والصحافة الامريكية بعدم التوسع في موضوعين: الخسائر البشرية الامريكية في العراق وموضوع المقاومة العراقية. حتى ضحايا الحرائق في كاليفورنيا صاروا يتلقون عناية من بوش اكثر من عنايته بالجنود القتلى في العراق وهذا دليل كبير على ان حساباته انتخابية داخلية. القتلى من الجنود ينقلون اولا الى قاعدة رامستاين Ramstein في المانيا ثم بعدها الى قاعدة دوفر Dover في الولايات المتحدة حيث اهالي القتلى من زوجاتهم الى اطفالهم وفي العادة «تجربة فيتنام ـ الصومال ـ لبنان» يكون الرئيس موجودا في دوفر لمشاركة ذوي القتلى عزاءهم ويلاحظ ان بوش اهمل هذا تماما عمدا لئلا تتحول رحلته من واشنطن الى دوفر فضيحة سياسية على الفشل في العراق وعندما استفسرت الصحف عن غياب بوش الدائم هناك قال ناطق باسم البيت الابيض: «الرئيس لا يستطيع السفر الى دوفر كل اسبوع!!». خامسا ان اسلوب بوش في الحديث عن العراق لا يختلف في «الجوهر» عن اسلوب الصحاف سيىء الذكر الذي كان يدعي الانتصار في زحمة الخيبة والتعثر.
من يسمع بوش يتكلم عن الموضوع العراقي لا يستطيع ان يطمئن لما يقوله اذ انه يتبنى في كل حديث له فلسفة «كل شيء على ما يرام وكل شيء تحت السيطرة» وهي فلسفة قد تنجح في عصور سابقة لكن الان وفي ضوء ثورة المعلومات وثورة الاتصال يصبح حديث بوش غير مقنع على الاطلاق ولو كنت أمريكيا لقلت: ليته سكت. |