|
العسكريون العرب وفنون التثاؤب
* فور احتلالهم العراق (ابريل 2003) بادر الامريكان باتخاذ اخطر قرار في شأن العراق وهو قرار حل الجيش العراقي وتسريح المنتسبين اليه. وقتها كان الجيش العراقي يشتمل على حوالي اربعمائة الف منتسب من كافة الرتب. وكان العراق ـ قبلها ـ يعاني مشكلة البطالة فجاء هذا القرار ليكب مزيداً من الزيت على نار البطالة وتفريعاتها الاجتماعية والامنية. كما ان القرار عزز كراهية المتضررين منه وعزز رفضهم للوجود الامريكي في العراق وحولهم الى مستودع بشري ضخم يملك الخبرة الفنية والقتالية لمقاومة الوجود الامريكي في العراق.
* لم يكن الجيش العراقي في يوم من الايام موالياً لصدام حسين لان الاخير ليس عسكريا ولم يكن على مدى حياته السياسية وثيق الصلة بالجيش او العسكر في العراق. حتى القلة القليلة من العسكر الذي انضموا لحزب البعث لاحقاً كانت علاقات صدام حسين بهم متوترة ويشوبها الشكوك والتحول. ولا نبالغ اذا قلنا بأن الجيش في العراق (1968 ـ 2003) ربما كان المؤسسة الوحيدة التي كان صدام يشك في ولائها له لذلك كان حريصاً ـ منذ ان تولى الرئاسة 1979 ـ على ارهاقها واشغالها وتوريطها في مغامرات كارثية في ايران 1980 ـ 1988 ثم في الكويت 1990 ـ .1991 ومعظم الاعدامات والملاحقات في الفترة 1992 ـ 2003 كانت من نصيب العسكر العراقيين وكان صدام لا يتردد في التضييق حتى على اطفالهم ونسائهم. لذلك كان قرار الامريكان بحل الجيش العراقي ـ بحجة انه مؤيد لصدام او يأتمر بأمره ـ قراراً مفاجئاً ليس للشعب العراقي فحسب بل لكل منتسبي الجيش على وجه الخصوص.
* اذن لماذا هذا القرار؟ الا يعلم الامريكان ان الجيش العراقي ليس موالياً لصدام حسين؟ الا يعلمون ان الجيش كان يتحين الفرصة للانقضاض على نظامه؟ اذن لماذا القرار؟ يقول بعض المهتمين عن قرب بالشؤون العراقية والعربية الاستراتيجية ان هذا الامر يعكس المنظور الامريكي الاستراتيجي للمنطقة ككل بما فيها العراق والجزيرة العربية. فالامريكان ـ بعد غزو العراق للكويت 1990 ـ باتوا مقتنعين بضرورة تجريد العراق وكل اقطار الجزيرة العربية من اية قوة عسكرية ربما تعرض مصالحهم النفطية للاخطار في المستقبل. لذلك جاء القرار الامريكي كمقدمة استراتيجية لتجريد عرب الجزيرة العربية وكل دولهم من اية قوة عسكرية قد تكون قادرة في المستقبل وضمن تحولات مرتقبة ـ على ارباك المصالح النفطية الامريكية في الجزيرة العربية.
ولأن الامريكان ـ حسب باول وبريمر ورامسفيلد ـ يجتهدون لجعل العراق انموذجاً يحتذي به الجوار الجغرافي فمنظورهم لبقية الجيوش الخليجية (خاصة في شريط النفط الممتد ما بين الكويت ومسقط) سيكون نفس منظورهم للجيش العراقي الذي تم حله وشطبه من خارطة الوجود. اما الجيش الحالي الذي يعده الامريكان في العراق فهو لا يتعدى عن قوة حفظ امن تريحهم من الاحراج اليومي الذي يواجهونه هناك ويتسنى لهم من بعد الانسحاب الى قواعدهم في العراق والتفرغ لمهمات استراتيجية كبيرة ربما في ايران وسوريا كما يقول ويزلي كلارك المرشح الحالي للرئاسة في الولايات المتحدة.
* في ضوء ذلك نفهم الاخبار التي تصلنا من الخليج هذه الايام حول التصفية التدريجية لبعض جيوش دول مجلس التعاون الخليجي واقدام بعض هذه الدول على بيع سلاحها الجوي بالكامل (طائرات ميراج) لبعض الدول الاسيوية وتحويل الطيارين العسكريين المدربين تدريباً عالياً الى موظفين في ادارات المراسم والبروتوكول وخلاف ذلك. واذا كان للامريكان مشروعهم الذي يضغطون لصالحه فلماذا لا يكون لنا مشروعنا الذي نضغط لصالحه وهو الاحتفاظ بجيوشنا لابل تطويرها وبعث الحيوية فيها فالامة التي تتخلى عن سلاحها حتماً تتحول الى ذبيحة سهلة للقاصي والداني.
* مقابل تجريد العرب من السلاح، يعزز الامريكان التفوق العسكري الاسرائيلي على العرب ويزودون الاسرائيليين بآخر المبتكرات العسكرية من اسلحة ومروحيات وطائرات مقاتلة واسلحة دمار شامل وقد يأتي علينا اليوم الذي يترجل الجنود الصهاينة من مروحياتهم الامريكية في براري الجزيرة العربية ومدنها لضبط حركة السير وافساح الطريق امام الجيش الامريكي فما الذي يمنعهم من ذلك اذا جردونا من اسلحتنا وجردونا حتى من (ارادة المقاومة) دع عنك المقاومة.
** حتى لا ننسى:
(واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم واسلحتهم ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة....) (النساء آية 102). |