|
هل فعلا تريد الادارة الامريكية تأسيس نظام ديمقراطي في العراق؟
بعد توقف أملته ظروف خاصة واستثنائية نواصل البحث في ملف العراق. ونطرح السؤال: هل يريد الامريكان فعلا تأسيس نظام ديمقراطي في العراق؟ ام انهم يريدون القيام بعملية تجميلية Cosmetic لاحتلالهم العراق وهو احتلال سيطول ويطول؟ وهل تحويل (السلطة) الشكلية للعراقيين هو فقط للتخلص من الملف الامني الحارق والمحرج وذلك للتفرغ لعمليات استراتيجية كبيرة ازاء سوريا وايران وربما المملكة العربية السعودية؟
وما علاقة كل ذلك بالثرثرة الامريكية المستمرة عن ضرورة الاصلاح السياسي في عموم المنطقة (الشرق الاوسط) وارتباط ذلك بالصراع العربي الاسرائيلي ومفاعيله؟ هذه وغيرها اسئلة هامة ينبغي التصدي لها وما ينبغي فصل وفهم الشأن العراقي بمعزل عن المحيط الاستراتيجي العربي او بمعزل عن الاستهدافات الاستراتيجية العليا Grand Strategy للولايات المتحدة في المنطقة.
لو فحصنا الاداء السياسي للادارات الامريكية المتعاقبة على البيت الابيض من جهة موقفها من الديمقراطية وحقوق الانسان على الاقل منذ ادارة ترومان حتى الادارة الحالية برئاسة بوش (اي فترة تغطي نصف قرن) سنلاحظ ان تلك الادارات ـ وعلى رأس ذلك الادارة الحالية ـ لم تهتم اطلاقا بموضوع الديمقراطية وحقوق الانسان لا من قريب ولا من بعيد. على عكس ذلك سنلاحظ ان الامريكان ـ وعلى مستوى دولي وكوني ـ حرصوا على تدعيم وتعزيز وترسيخ انظمة سياسية دكتاتورية تقمع الشعوب وتستنزف مقدراتها في كل قارات العالم ولنضرب أمثلة» ففي امريكا اللاتينية (كمثال لا الحصر) سنلاحظ ان الامريكان دعموا بينوشيه في تشيلي وهو العسكري الذي انقلب على حكومة ديمقراطية انتخبت انتخابا مباشرا. وكذلك دعموا في كوبا باتيستا لعقود طويلة وهو دكتاتور فاسد ومتوحش وبدائي قمع الشعب الكوبي وفتح كوبا على مصراعيها للاحتكارات التجارية الامريكية وفي بيرو دعم الامريكان اربينز وهو لا يقل سوءا وتوحشا عن باتيستا. اما سوموزا في نيكاراغوا فكان سبة وعميلا رخيصا للغاية للشركات الامريكية قمع الديمقراطية والصحافة وحقوق الانسان ونقولها بلا تحفظ ونحث الجميع على ذلك. واما في افريقيا فسنلاحظ ان الامريكان ولعقود طويلة دعموا موبوتو في زائير وهو العسكري الذي تآمر مع الامريكان ضد الزعيم الشعبي الكونغولي باتريس لومومبا حتى قتلوه وفتح موبوتو بعدها البلاد للاحتكارات الصهيو أمريكية وكانت المروحيات الاسرائيلية والامريكية تحط على قصر حكمه للبحث في صفقات الالماس وغيرها من المعادن الثمينة التي تزدحم بها غابات افريقيا. ودعم الامريكان حسين حبري في تشاد وهو نسخة افريقية لسوموزا وأما دعم الامريكان لبورقيبه طاغية تونس الذي كان يتعمد في غرة رمضان ان يشرب كأسه امام صف الضباط في رابعة النهار ويحثهم على عدم الصيام والتمرد على هذه الفريضة بحجة انها (تعطل الانتاج) ويمشي في الشارع ويخلع بيديه حجاب المتحجبات وهناك صور له وهو يفعل ذلك ويزوّر الارادة العامة ويحتكر الحكم ويقمع اهل تونس وليس هنا المجال المناسب لفتح هذا الملف. وأما في آسيا فها نحن نلاحظ ان الادارة الامريكية تدعم بقوة مشرف دكتاتور باكستان العسكري الذي انقلب على حكومة ديمقراطية انتخبت انتخاباً مباشراً. واما دعم الامريكان ـ ولعقود طويلة ـ لماركوس طاغية الفلبين والشاه طاغية ايران وسوهارتو طاغية اندونيسيا ففي ذلك كتب ودراسات وابحاث لا تستطيع ان تحملها الحمير الشديدة النفّار. ويسرد ما يلز كوبلاند Miles Copeland في كتابه الشهير (لعبة الامم Game of nations) كيف سعت الولايات المتحدة ـ عن طريق CiA ـ الى ترتيب انقلابات عسكرية عديدة ابتداء من حسني الزعيم في سوريا 1949 الى عبد الكريم قاسم في العراق 1958 وكيف ان نظم العسكر تكفلت بتحقيق المصالح الامريكية في فترة نستطيع ان نصفها بفترة التنافس الانجلو ـ امريكي على المنطقة. على ضوء ما ذكرناه نستطيع ان نقول بكل راحة بال ان التاريخ المعاصر للولايات المتحدة يفصح عن اتجاه قوي مضاد للديمقراطية وحقوق الانسان في العالم الثالث الذي نحن العرب جزء منه.
بالنسبة للعراق لقد كان الامريكان ما بين 1979 ـ 2003 أكبر وأهم وأقوى دولة دعمت صدام حسين حتى بعد غزوه الكويت 1990 اذ سنلاحظ ان الامريكان افشلوا عدة مرات 1991 و 1992 و 1994 و 1996 تحركات عراقية داخلية لاسقاط صدام حسين لا بل ان صحيفة الجارديان اللندنية والاندبندنت اللندنية نشرت تحليلات واخبارا ومعلومات تفيد بأن اجهزة المخابرات الامريكية حذرت صدام حسين 1996 من محاولات انقلابية ضده وزودته بأسماء اكبر الضباط النشطين في ذلك وقد نفذ فيهم صدام حكم الاعدام فوراً وبدون تلكؤ. وعندما كان صدام يرش حلبجة بغاز الخردل ويفني ألوفا من الاكراد كان رمسفيلد 1989 هناك في بغداد يصافح صدام ويشد من عضده وقد نشرت الصحافة الامريكية والبريطانية والالمانية والفرنسية والاسبانية والايطالية هذه الصورة وتاريخها.
اذا كان هذا هو سجل الامريكان فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان في العالم الثالث (والعراق منه) فكيف نطمئن ونصدق ثرثرتهم حول الاصلاح السياسي في العالم العربي؟ وهل من المعقول ان يسعى الامريكان لتسليم (الجمهور العربي) أزمّة القرار السياسي الاستراتيجي وهم يعلمون ان الجمهور العربي وبالذات العراقي لا يضمر لهم وداً ولا محبة بل العكس العكس؟ انا اعتقد ان العملية لا تتعدى عن عملية تجميلية لاحتلال عسكري امريكي سيطول في العراق وحتى يكون مقبولاً على الاقل داخلياً لابد من تلبيسه بقشرة من السكر Sugar Coating حتى يبلع العراقيون الكبسولة المخدرة. |