|
نقل السلطة للعراقيين لن تكون حفلة شاي
من الواضح ان الامريكان في العراق حريصون -بل ومستعجلون- لنقل السلطة للعراقيين في سياق دأبهم الحثيث لتحقيق عدة استهدافات. أول هذه الاستهدافات هو التخلص من (الملف الأمني) الدموي اليومي الذي يخوضون فيه وتسليمه الى شرطة شبيهة بالميليشيا لم تستكمل بعد شروطها الفنية والموضوعية للتحرك في الوحل العراقي اشرف على قيامها الأمريكان في الاردن وفي غياب تام لا بل تعتيم التفاصيل عن مجلس الحكم الانتقالي.
ثاني هذه الاستهدافات هو نقل سخونة الازمة في العراق من ظهر الامريكان الى ظهر العراقيين بمعنى نقل المسؤولية (ولو الشكلية) من ادارة بريمر الى الوزارة العراقية القادمة التي يتوقع ان يستنفد طاقتها النزاع الداخلي والتقاطبات العراقية التقليدية ويضع العراق على شفير حرب اهلية. ثالث هذه الاستهدافات هو التركيز الامريكي على الخطوات الاستراتيجية القادمة لا محالة ضد ايران وسوريا وربما المملكة العربية السعودية بعد ان استهلك العراق معظم الطاقة الامريكية السياسية دون ان يصل الى نهايات مشجعة وملموسة. رابع هذه الاستهدافات هو الانتقال من (الادارة) الى (المطاردة الساخنة) Hot Pursuit للفئات المسلحة في العراق التي تقاوم الوجود الامريكي هناك قبل ان يستفحل شأنها والتي يصفها بريمر بأنها مجرد (مطب في الطريق) (a bump in the road) طبعا الايام والاسابيع القادمة هي التي ستحكم على كلمات بريمر.
* مجلس الحكم الانتقالي الحالي شبيه بالندوة الفكرية اكثر منه مجلس حكم ذلك لأن صفته استشارية محضة ولم تفرزه عملية انتخابية وعلاقة فرقائه بعضهم ببعض علاقة يحوطها البروتوكول الاجتماعي العراقي وهو بروتوكول ثَرّ وغني بالاحتشام والكرم وحسن التأني والوفادة والدفء والحميمية. لكن بانتقال السلطة للعراقيين سوف يتغير -أزعم- هذا الجو وسيحل محله بين فرقاء (السلطة الجديدة) مناخ جديد مزحوم بالتدافع والتعجل والتركيز على المكاسب التكتيكية لعناصر السلطة الجديدة على حساب المكاسب الاستراتيجية للعراق (الجديد؟) وذلك سوف يضع العلاقات العراقية-العراقية (داخليا) في المحك ويشهد التاريخ المعاصر للعراق على ان حبل الحوار الداخلي كان دائما حبلا قصيرا. لذلك نتوقع -ونرجو من الله ان يخيب ظننا ورأينا- ان تنفجر التناقضات الداخلية العراقية لتضع العراق على حافة الاقتتال الداخلي لا سمح الله ما يسمح -لا بل يهيىء- للامريكان التدخل بصفة (الوسيط العادل) كما يحدث كلما انفجر الصراع في المنطقة في اي زاوية من زواياها. خلال هذه الربكة سوف تتمكن الجماعات المسلحة في العراق والتي تقاوم الوجود الامريكي وتفريعاته العراقية من تصعيد عملياتها لافشال السلطة الجديدة على اعتبار ان نجاحها هو نجاح للمشروع الامريكي في العراق، ومع هذا التصعيد سوف يصعد ا لاحتلال الامريكي مطاردته الساخنة لهذه الجماعات وسوف تندلق هذه المطاردة الى حدود الجوار وخاصة الحدود مع ايران وسوريا ما يفسح المجال للتقاطب الامريكي مع سوريا من جهة وايران من جهة اخرى.
* المراقب للشؤون العراقية يلاحظ هذه الايام ولادة محور رئيسي جديد في المقاومة المسلحة للوجود الامريكي في العراق وهو محور عبارة عن تحالف فضفاض من مجموعات اصولية اسلامية تلتزم بالتيارات الجهادية السنية-العربية والكردية (انصار الاسلام تحديدا) وكذلك جماعات جهادية شيعية (مؤيدة لايران) كل هذا التحالف يبدو انه يعمل بتنسيق من خلايا (القاعدة) في العراق والهدف الرئيسي هو افشال المشروع الامريكي في العراق واسقاط اي مسعى للامريكان في العراق بما فيها ايضا المساعي للتوفيق بين الامريكان والسيستاني. ويبدو ان الدور الايراني في المقاومة المسلحة للوجود الامريكي في العراق اكبر مما نتصور وهو دور يتقاطع -في مراماته البعيدة- مع مرتجى ومبتغى السيستاني في النجف والذي يتحفظ كثيرا على الصيغ الايرانية في الفقه والسياسة. لذلك لا نتوقع ان عملية نقل السلطة ومرفقاتها المرحلية ستكون عملية سهلة ولا بروتوكولية وسوف تفجر الحالة العراقية وتنقلها الي افق مختلف من العنف والتقاطب الداخلي. |