|
الاصطفاف السياسي للطوائف في العراق : العرب السنة
على مدى اربعمائة عام من سيطرة الدولة العثمانية على بلاد ما بين النهرين Mesopotomia(لاحقا العراق) استعان العثمانيون بالعرب السنة لابعاد ايران الصفوية عن اي صورة من صور النفوذ في العراق، ولان العثمانيين انفسهم من اهل السنة والجماعة حرصوا على التعاون مع العرب السنة في العراق وابعدوا الشيعة الذين انزووا في الفرات الاوسط وابتعدوا مرغمين عن المركز «بغداد» وشكلوا في الفرات الاوسط مجتمعا شبه مستقل عن «الدولة»، خلال ذلك نشأت علاقات خاصة في العراق بين العرب السنة والعثمانيين دفعت ومهدت الطريق لابناء السنة العرب من شغل المناصب الرسمية في ولايات بغداد والبصرة والموصل،
هكذا عندما احتل الانجليز بغداد 11 مارس 1917 وانسحب العثمانيون منها وجدوا اطارات الادارة العليا في «ولاية بغداد» جلهم من العرب السنة المتمرسين باللغة التركية «اللغة الرسمية للعثمانيين» ودواخل الادارة العثمانية في الاستانة فعمد الانجليز ايضا الى الاعتماد على الاطارات الادارية القائمة آنذاك والذين جلهم من العرب السنة الا ان الانجليز حرصوا على استرضاء الشيعة من خلال تعيينهم لفيصل الاول الحجازي ملكا الذي يزعم انه وعائلته من سلالة الدوحة النبوية الشريفة «اي من آل اهل البيت شرط من شرائط الامامة والقيادة لدى الشيعة في العراق» ومن يقرأ لمؤرخي هذه الفترة - التاريخ المعاصر للعراق - عبدالرزاق الحسني «خاصة في تاريخ الوزارات العراقية - 4 اجزاء» والاب انستاس الكرملي ومتي عقراوي وجعفر الخياط وكوركيس عواد ووليد خالدي وحنا بطاطو وحسن العلوي، ويوسف الناصري وستيفن لونكريك وروفائيل بطي وغيرهم سيلاحظ ان الانجليز لم يغيروا كثيرا في الاوضاع الموروثة عن العثمانيين مما دفع الى ثورة العشرين «1920» التي كانت المدن الشيعية «النجف - كربلاء - الحلة - الناصرية - وغيرها» من مراكزها الرئيسية.
تعيين الانجليز لفيصل بن الحسين الحجازي ملكا على العراق وابعاد المرشحين العراقيين لذلك المنصب لا شك عزز من موقع العرب السنة في اطارات الادارة العليا «للحكم الوطني» الذي اعلن 1921 ومن يقرأ «الوزارات العراقية» للحسني سيجد ان معظم الوزراء، كانوا من ابناء العائلات والقبائل العربية السنية، هكذا سنلاحظ ان «العامل التاريخي» لعب دورا رئيسا في التأثير في الاصطفاف السياسي للعرب السنةولصالحهم، ونلاحظ ايضا ان اول مؤسسة في الدولة العراقية قامت هي الجيش العراقي على يد ابو الجيش جعفر العسكري وهو الجيش الذي قام على اكتاف وسواعد الضباط السابقين في الجيش العثماني وكانوا كلهم من ابناء العرب، السنة وهذا مما عزز مكانة اهل السنة في النظام الجديد الذي يرأسه فيصل بين الحسين، واستمر الحال - في شكله العام - على ما هو عليه حتى اطيح بالنظام الملكي 1958 على يد مجموعة من الضباط «عبدالكريم قاسم - عبدالسلام عارف -وصفي طاهر - عارف عبدالرزاق - نجيب الربيعي - ناجي طالب - احمد صالح العبدي - ناظم قاسم»، يذكر ان امه شيعية واسمها: كيفيه حسن اليعقوبي» لتصحيح الوضع الطائفي في الادارة العليا للدولة في العراق الا انه تمت الاطاحة به 1963 واعدامه من طرف البعثيين بطريقة بالغة القسوة، وجنح حزب البعث الذي امسك بتلابيب الدولة بعد 1963 بشكل تدريجي جنوحا مضادا للشيعة فاعطى انطباعا خاطئا بان اهل السنة في العراق مستفيدون من حكم البعث خاصة في ضوء الحملة الواسعة التي قادها صدام «داخل الحزب وخارجه» ضد الشيعة وهي حملة لا تعني انه يمارسها من موقع سني المذهب» كما يقول المؤرخ حسن العلوي في كتابه «اسوار الطين» ص - 130 وهي اشارة دقيقة وذكية وموضوعية.
وجاءت الحملة العسكرية الامريكية 2003 التي ادت لسقوط النظام ومعه معادلة الاصطفاف السياسي للطوائف وبشكل سريع وفجائي وكاسح لتضع كل الطوائف والفئات في العراق على مفترق طرق جديد تماما فمنها من اتسعت امامه الدروب «الشيعة والاكراد» ومنها من ضاقت امامه الدروب «اهل السنة بالذات» ساهم في ذلك غياب «المرجعية الموحدة» لديهم وغياب «العنوان الموحد» address بحيث اذا اراد بريمر وادارته التفاوض: يتفاوض مع من ؟ واين؟ بالنسبة للشيعة - عمومهم على الاقل - يتوجهون الى النجف والسيستاني كمرجع حاسم للاشكاليات والمشاورات وبالنسبة للاكراد فهناك زعمات محددة وظاهرة ومتداولة اعلاميا «برزاني - طالباني» يمكن لبريمر وادارته التفاوض معهم لكن بالنسبة لاهل السنة حتى الان لايبدو ان مرجعيتهم قد توحدت ولا زعامتهم قد ظهرت ووضحت وهذا يؤثر كثيرا وسلبا على موقعهم في سلم الاصطفاف السياسي في العراق وعلى نظرة بريمر وادارته لهم ومن المصلحة ان يجتهد ابناء السنة في العراق لحل هذه المعضلة: المرجعية الدينية السنية والزعامة السياسية السنية. |