|
الفلّوجة: تجربة في المقاومة ينبغي دراستها ملياً الحلقة
ما حدث في الفلّوجة خلال الايام القليلة الماضية تجربة مرّة في المقاومة افصحت عن ثغرات خطيرة. ففي عالم السياسة اهم شيء هو (النتيجة) وليس (النيّة). ونتيجة هذه التجربة ـ اقصد المحصول السياسي لها ـ في العموم ليس مشجعا.
فالخسائر بالنسبة لاهل الفلوجة كانت كبيرة للغاية: خمسة آلاف عائلة نزحت من الفلوجة وتركت بيوتها وممتلكاتها وهامت في الصحراء المحيطة، وسبعمائة قتيل وتخريب مادقّي هائل سببه القصف الامريكي بالمدفعية والطائرات المقاتلة وحالة الانكسار المعنوي الذي يرين على المدينة وهم يلملمون جراحهم واشتاتهم والجدل السياسي الذي يتصاعد الان في الفلوجة من حيث انها مدينة جريحة ومصابة اصابة بليغة تتساءل: من المسؤول؟
مقاومة الاحتلال في اي مكان وزمان حق مشروع ولا خلاف على ذلك ولكن: كيف؟ ومتى؟ واين؟ هذه اسئلة ضرورية وذات اهمية ميدانية. وتجارب الشعوب في مقاومة الاحتلالات تجارب غنية وفي كل القارات بما فيها القارة الامريكية والقارة الاوروبية وليس فقط في آسيا وافريقيا. ودخول معترك المقاومة ينبغي ان يكون دخولا (مدروسا) دراسة موضوعية وميدانية وفنية بعيدا تماما عن الانفعال والمنفعلين وردات الفعل الفردية والعشوائية واذا لم تتحقق هذه الشرائط الموضوعية والفنية تتحول المقاومة ـ في محصولها السياسي النهائي ـ الى (فشّة خلق) كما يقول ابو احمد ماسح الاحذية المزروع امام الجامعة في بيروت وهو يعفّر بسيجارته. والمقاومة ـ ايا كان شكلها ومكانها ـ هي في الجوهر (حرب) والحرب ـ اي حرب ـ لها قوانين ومبادىء واهم مبدأ من مبادىء الحرب (الثمانية) هو مبدأ (الاقتصاد في القوى) وعدم تبديدها في مواجهات رأسية Headlong كما حدث في الفلوجة. والمقاومة ـ خاصة في عراق اليوم ـ هي مقاومة الضعيف للقوي وهو قوي يتمنى اختزال المقاومة في مواجهات رأسية مباشرة حتى يثبت تفوقه ويحسم الموقف لصالحه وهو بالضبط ما اعطاه المقاتلون في الفلوجة للامريكان على طبق من ذهب. لمواجهات الرئيسية المباشرة التي تكررت في الفلوجة سهلت مهمة الامريكان في حسم الموقف لصالحهم وبات المقاتلون في الفلوجة يتصرفون كأنهم في حرب نظامية مع الجيش الامريكي وهو امر يفصح عن غياب الرؤية الموضوعية للميدان في العراق والفلوجة خصوصاً.
الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تتفوق لاشك عسكرياً على شعوب العالم الثالث ودوله. لكن من الملاحظات الجوهرية في حرب المقاومة ضد الاحتلال في العراق ان نعي بأن الدول الغربية وشعوبها غير عصية من جهة الاختراق السياسي وهذا ما اثبته الايرانيون في السنوات الاولى للثورة في ايران وخاصة فترة 1979 ـ 1982 خلال ازمة الرهائن في طهران والمخطوفين في بيروت وهي ازمة اسقطت ادارة كارتر واخرجته من البيت الابيض ويقول بعض المهتمين بالشؤون العراقية هذه الايام انه من الممكن لو اعيد نفس سيناريو 1979 ـ 1982 ان يسقط جورج بوش في انتخابات ـ نوفمبر القادم وتخرج ادارته من البيت الابيض ويتنفس العالم الصعداء. يقول جاري سيك GARY SICK عضو مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة ـ ادارة كارتر ان الرئيس كارتر فقد اعصابه وهو يتابع مسلسل الرهائن على شاشة التلفاز في غرفة عمليات البيت الابيض فوقف وصرخ بأعلى صوته (FUCK"EM) يقصد الطلبة الايرانيون وفي اجتماع آخر يقول جاري سيك ان الرئيس كارتر دخل في حالة ذهول وانكسار وهو يستمع لمستشاريه يناقشون موضوع الرهائن والمختطفين فقال كارتر دون ان ينظر الى احد (they have us by the Balls) اي ان الايرانيين يضغطون علينا في مواقع موجعه تحت الحزام. انظر كتاب جاري سيك الموسوم All Fall Down ص 209 ـ 210 لا ادري لماذا تذكرت كل ذلك خلال متابعة ما يدور في الفلوجة ثم تذكرت جون مكارثي وتيري ريت وبريان كينان وتيري اندرسون وتوم سذرلاند وديفيد جيكبسون وفرانك ريد وغيرهم من الذي تمكن ـ من خلالهم ـ الايرانيون تحقيق اكبر ضغط على الخيارات الامريكية لصالح ايران في تلك السنوات الخوالي.
ويبدو ان التغطية الاعلامية الغربية (والامريكية خصوصاً) لعمليات الاختطاف وما يرافقها من تحريك للخزين النفسي في الغرب وهو خزين هش للغاية Fragile تحقق نتائج ملموسة في الضغط على القرارات الاستراتيجية هناك في الغرب اكثر من عمليات المواجهات العسكرية الرئيسية مع قوات الاحتلال وهذا ايضاً درس ومحصول تكتيكي لموضوع الفلوجة التجربة المرة في المواجهة الرئسية الغلط.
هذا رأي لا نزعم له العصمة من الخطأ ومن عنده شيء آخر فليأت به. |