|
المواجهات المسلحة التي تشهدها مختلف المدن العراقية ،بين أنصار الزعيم الإسلامي الشيعي مقتدى الصدر والقوات الأميركية الغازية ، والتي يمكن ان يطلق عليها اسم " انتفاضة الشيعة " ،هي أولا وقبل كل شيء دليل على تحفز الشعب العراقي الشقيق وتوثب روح المقاومة لديه .
وهي بالقدر ذاته مؤشر على المأزق الأميركي في العراق ، الذي يزداد تعمقا بفعل تنامي المقاومة العراقية وسلسلة الأخطاء التي ترتكبها الإدارة الأميركية ، والتي بدأت باحتلال بلد مستقل وذو سيادة ،دون أية مسوغات قانونية إضافة إلى الممارسات الوحشية ضد العراقيين ، التي تصب الزيت على نار المقاومة العراقية فتزيدها اشتعالا .
بل الإجرام الأميركي منقطع النظير ، الذي وصل إلى حد قصف مسجد بمدينة النجف بصواريخ الطائرات الحربية ،وقصف المدنيين بالمدفعية في مدينة الفالوجة التي سقط فيها 450 مواطنا بفعل القصف الوحشي الأميركي .
لكن أهم المؤشرات لهذه الانتفاضة هي :
_ ان هذه الانتفاضة التي جاءت على أبواب الذكرى الأولى للاحتلال الأميركي _ البريطاني للعراق ، تشير إلى انه لا يمكن استفزاز الوضع في هذا البلد ، طالما بقيت قوات الاحتلال الغازية على أراضيه ، والتي ستواجه حرب استنزاف واسعة وشاملة، لا تقتصر المشاركة فيها على الطائفتين الرئيسيتين فقط ، بل ستتحول إلى حالة عراقية عامة ، تشارك فيها كل الطوائف والفئات والقوميات ، الأمر الذي سيحمل الأميركيين والبريطانيين في مواجهة فيتنام جديدة في العراق .
_ان الشيعة ، وتحديدا تيار الشباب داخل الطائفة ، الذي يتزعمه مقتدى الصدر ، يرغبون في إعادة تحديد خيارات الطائفة باتجاه الانخراط في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الانفلو _ أميركي ، بعد فشل الرهان على إمكانية تحقيق بعض المكتسبات ، وبعدما تبين لغالبية العراقيين ان الوجود الأميركي _ البريطاني يهدف إلى نهب مقدرات العراق والسيطرة على ثرواته ، وحرمان العراقيين الذين باتوا يتضورون جوعا من ثروات بلادهم .
_ وجود تململ داخل الطائفة الشيعية من مواقف إيران تجاه المسالة العراقية ، وبالقدر ذاته تململ واستياء من مواقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المدعوم من إيران والذي يهادن قوات الاحتلال ويشارك في مجلس الحكم الانتقالي .
_ ازدياد النقمة الشعبية ضد أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ، الذين تبين انهم ليسوا اكثر من أدوات بيد بول برايمر الحاكم المدني الأميركي للعراق ، رغم محاولات البعض منهم تمييز أنفسهم ، والحرص على الادعاء بأنهم يعملون لخدمة الشعب العراقي .
لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه ألان وبقوة هو : إلى أي مدى يمكن ان تستمر الانتفاضة الشيعية المسلحة ؟وهل يمكن ان تستمر بنفس الوتيرة؟
من المشكوك فيه ان يستسلم مقتدى الصدر لقوات الغزو ، أو حتى يستجيب للمبادرات وجهود الوساطة التي تقوم بها بعض الأطراف العراقية ، التي تعرض عليه إما الاستسلام مع ضمان محاكمة عادلة له ، أو حتى تأجيل هذه المحاكمة إلى ما بعد 30 حزيران ، موعد تسليم السلطة للعراقيين ، أو القبول بالنفي إلى إيران ، وكلا العرضين يقودان مقتدى الصدر وجماعته إلى الانتحار السياسي ، لأنهما يشترطان حل جيش المهدي الذي يتزعمه وتجريده من السلاح ، أي تجريد هذا التيار الشاب من أهم عناصر القوة لديه .
لذلك لا مناص أمام الصدر سوى استمرار مقاومة الاحتلال واللجوء للعمل السري، مع محاولة ضبط وإعادة هيكله جماعته بشكل يقوى أوضاعها الداخلية ، ويسمح لها بالاستمرار ويحميها من محاولات الاختراق المعادية .
والتنسيق مع قوى المقاومة العراقية الأخرى ، لشن حرب استنزاف طويلة الأمد ضد القوات الغازية ، حتى تتحول المقاومة إلى حالة عراقية عامة ومتواصلة تسدد المزيد من الضربات المؤلمة لقوات الاحتلال ، ومواصلة العمل السياسي والجماهيري في أوساط الشيعة من اجل تبني والالتفاف حول خيار المقاومة ، الذي تبناه حزب الله ونجح بموجبه في طرد قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000.
وبإمكان هذا التيار الشاب ان يتحول إلى قوة فاعلة في الساحة العراقية ، والوسط الشيعي بشكل خاص ، وان يكون منافسا للتيارات الشيعية الأخرى ، إذا عرف كيف يعزز أوضاعه الداخلية ويستفيد من الفرصة التاريخية التي أتيحت له ألان .
ان المواجهة المفتوحة التي تقوم بها جماعة مقتدى الصدر ، والتي ربما فرضتها طبيعة المعركة الراهنة ،قد تتحول لاحقا إذا ما استمرت بنفس الوتيرة ، وفي ظل موازين القوى الراهنة والغير متكافئة ،إلى عنصر في غير مصلحة هذه الجماعة ، لذلك فان عليها اختيار التكتيكات المناسبة لضمان الانتصار في هذه المعركة الشرسة ، التي يمتلك فيها الطرف الأخر تفوقا نوعيا ملحوظا ، ويستخدم فيها أحداث المعدات التكنولوجية المتوافرة لديه .
فالمواجهة المفتوحة لها أسس وشروط ، أهمها اختيار التوقيت المناسب ووجود حالة عراقية مواتية لها ، مع حاضنة عربية أو إقليمية تدعم المقاومة العراقية وتوفر لها الإمدادات اللازمة لضمان استمرارها حتى تحقيق أهدافها .
ان الأحداث الجارية في العراق ألان ، مع تصاعد القمع الأميركي ، سوف تكون لها انعكاسات خطيرة على بعض الدول العربية المجاورة ، وتحديدا بعض دول الخليج التي بها كثافة شيعية ، وسوف تدفع هذه الأحداث أيضا بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم مواقفها ومراجعة حساباتها تجاه المسالة العراقية .
لكن من منها يملك قلب الأسد بين ضلوعه و يحتضن هذه الظاهرة النبيلة ؟!!. |