|

أن تتوافق مصر وسورية والسعودية على مشروع لإصلاح الوضع فهذا يعني أن الحدّ الأدنى تم التوافق عليه. وهناك اليوم اعتبارات جيوسياسية خطيرة تتمثل بانهيار نظام سياسي وضــع الدولة في العراق في مهب الريح وأنشأ جملة علاقات سياسية وجيواستراتيجية لا تصلح في الأصل كي تؤسس ولا في أي شكل من الأشكال لمنظومة عربية جدية, إذ ان الدول العربية استغنت عن رمزية اتفاقية الدفاع العربي المشترك, كما ان بعض الدول العربية ذهب الى حد اعتبار ان الدول الأجنبية هي الشكل الوحيد الذي يؤمن استقراره السياسي, وأصبحت دول أخرى تقيم قواعد عسكرية يمكن الانطلاق منها وهذا ما حدث فعلاً لضرب دولة عربية أخرى. واللافت والأكثر خطورة في هذه التشكيلة السياسية هو أن التواجد الأميركي قد طرح اختلالاً في لعبة الجغرافيا السياسية ليعطي لـ"الصغار" أدوار "الكبار".
ومع الاعتذار للتعبير السابق الذي لا يقصد منه الإساءة الى هذه الدولة أو تلك إنما يقصد منه توصــيــف الواقــع الجيواســتراتيجي وفــقاً للــقواعد الناظمة له نقول بأن غياب الدول المركزية عن أن يكون لها دور جيواستراتيجي بوزنها الحقيقي انما يعكس مشكلة عملياً لـ"الكبار" و"الصغار" معاً لأن حمولة "الصغار" عندما تكون أكبر من الامكانات البشرية والجغرافية والتاريخية فإن القدرة على الاحتمال ستكون في أدنى حدودها والناتج في طبيعة الأحوال سيكون في أدنى مستويات أدائه وهذه هي طبيعة الأشياء. ولهذا عندما نقول بأن توصل سورية ومصر والسعودية الى اتفاق جماعي يمكن طرحه على القمة المقبلة لاعتماده هو شيء ايجابي للغاية لأن الثلاثة "الكبار" ينهضون اليوم بمسؤولياتهم على رغم كوننا لا نعرف التفاصيل الدقيقة للمشروع السوري - المصري - السعودي.
فالطروحات التي تحدثت عن مشروع لإنشاء مجلس أمن عربي على غرار مجلس الأمن الدولي والمكون من عدد محدود من الدول يراوح ما بين 7 - 12 دولة لا يتساءل - ومع تـقديرنا لأهميــته ورهانيته وضرورته - عن مــيزان القوى الـذي يســمح اليوم لسبع أو اثنتي عـــشرة دولـة ان تحــسم النزاعات العربية ويكون لها تأثـــير ملزم على الآخـريــن, لأن "الكــبار" لم يصـــبحوا قوة نافـــذة تســـتطيع ان تفرض اعتبارات المصلحة القومية من خلال تشكيل مجلس أمن وطالما ان "الصغار" هم الذين ينــسجون الرتــوش النهائية لطبيعة اللعبة الاقليمية فإن كل حديث عن دور مركـزي لمجموعة من الدول هو حديث يفتقر لحـسابات السـياسة الواقعــية, فالفــكرة لا تبني استراتيجية لأن مصطلحي الجيوبوليتيك والجيــواستراتيــجيا مــتلازمــان بالضرورة وبالفعل.
ان ذلك المشروع الذي قدمه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والذي تحدث عن قرارات ملزمة لكل الأعضاء في الجامعة العربية كما هي الحال في مجلس الأمن لم يسأل عن الأسباب التي تجعل دولاً صغيرة تلتزم بقرارات دول أكبر سواء كانت سبع دول أم اثنتي عشرة دولة, طالما ان ميزان القوة لا يفرض هذا الاعتبار وطالما ان المصالح, وهي لغة السياسة, لا تؤكد ولا في أي شكل من الأشـكال ان دول "الصغار" ترى أن مصالحها يمكن أن تكون مصونة من الدول الصغيرة, إذ ان المشكلة تكمن في طبيعة اللعبة السياسية الاقليمية, ذلك انه اذا لم يصل بعض العرب من "الصغار" الى قناعة بتفويض أمرهم الى "الكبار", (وهذا يستدعي أيضاً إعـادة درس مدى التوافق بين الكبار أنفسهم على استراتيجية موحدة) فإن كل المشاريع التي من هذا النوع تبدو كتنظيرات أكثر مما هي تعبير عن سياسة واقعية.
كنت وما زلت أقول أننا لا نستطيع أن نرسم استراتيجية في أي مضمار من مضامير العمل السياسي ما لم يحدث توافق في الأصل على السياسة وعلى المصالح وهذا الأمر ليس مـتوافراً هنا ولا في أي حال من الأحوال, وهـذا ما يفسر كيــف يرفع الأردن عقيرته ويرفض مشروع انشاء مجلس الأمن العربي ويقول على لسان السفير الأردني في القاهرة هاني المجالي بأن بلاده قلقة من أن يشعر بعض البلدان بأنه مستبعد, وهذا يعبّر في الأصل عن مشكلة الدول التي تشعر بأنها ليست بوزن دول أخرى وهذا شيء طبيعي ما لم يتم التوافق على السياسة والمصالح لأننا نفهم اليوم كـما كان يجب أن نفهم في الماضي بأن السياسة ليست إلا مصالح ولغة مشتركة بين الأطراف المخــتلفة تستطيع أن ترسم طبيعة دقيقة لتلك المصالح.
مرة أخرى نقول طالما انه يوجد احتلال لا توجد قوة في الأرض تستطــيع أن ترســم استراتيجية تكون دقيــقة ومعــبرة عمــا يجب ان يكون لأن ما يجـب أن يكــون لا يستــطيع إلا أن يكون جزءاً مما هو موجود ومما هو قائم في ميزان القوى على الأرض.
ان تعدد المشاريع يعكس حقيقة انه كما تكون يولى عليك, اي ان التعدد هنا ليس ظاهرة صحية بالمطلق هنا مع قناعتنا بأن كل تعدد هو ظاهرة صحية لأنه تعبير عن واقع الحال أي على الاختلاف على السياسة والمصالح ومعاً, على تعين المصالح وتعين الأدوات التي تترتب على تلك المصالح ونمط التفكير فيها وطريقة التعامل ازاءها, فضلاً عن اللغة التي يمكن أن يعبر عنها به, فإحدى الدول تطرح اتحاداً عربياً بدلاً من الجامعة العربية الأمر الذي يدخلنا في الصفحة البيضاء أي بطي صفحة الجامعة العربية كلياً والبدء بصفحة جديدة غير ملزمة لأي من الدول العربية بعودة الدخول الى ذلك الاتحاد, ودولة أخرى كانت تتحدث عن سوق مشـتركة بحيث تكون مقدمة اقتصادية لما هو سياسي لاحقاً, أي ان المصالح تتعين هنا بالمعنى الاقتصادي الصرف وما هو ليس كافياً بالتقدير الأول, ودولة أخرى كانت تتحدث عن مشروع اصلاح متدرج, والأمين العام للجامعة العربية يطلب توسيع صلاحياته بحيث يستطيع أن يدعو الى قمة طارئة ويستطيع أن يشارك الدول المضيفة في الإعداد لمؤتمرات القمة والاجتماعات, وهذا أمر مطلوب ولكنه يحتاج الى توصيف مسبق لمدى امكان ان تقبـل هذه الدولة أو تلك بهذا الدور للأمين العام ما لم يكن هنالك توافق في الأصل على مشروعية الجامعة, وبالتالي أمينها العام في رسم أو المســاهمة في رسم استراتيجيات كبرى. أي بمعنى آخر اننا نعود مرة أخرى الى المربع الأول كما لو اننا في وضعية متاهة سياسية أكثر مما نحن في وضـعية رسم استراتيجية طويلة الأمد, بل الأهم من هذا إن ما يصدر حالياً هو بمثابة فكر "الأزمة" أي ما هو أقرب الى أسلوب رجل المطافئ الذي يريد أن يطفئ الحريق لا أن يمنع حرائق مستقبلية لأنه لا يملك أصلاً ذلك في ظل أوضاع جيواستراتيجية على هذا المستوى, لأن فكر الأزمة لا يتابع الاسباب ولا يرسم الاستراتيجيات على أساس الواقـع الحـالي لأنه يريد واقعاً افتراضياً مختلفاً او مأمولاً. صحيح ان له الشرعية الأخلاقية والنظرية في هذا الاتجاه لكنه لا يعبر عن واقع والمطلوب هو التعبير عن الواقع لا الاكتفاء بتخيله, طالما أننا لا نستطيع أن نغير ذلك.
إن رسم استراتيجيات طويلة الأمد يجب أن يستند الى عدة مسائل أولها ان هذه المنطقة العربية تشكل 10 في المئة من مساحة العالم وتمتلك 61 في المئة من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط أي من الطاقة التي يعيش عليها هذا العالم, وثانيها ان المصلحة الكبرى تكمن في علاقة عربية - عربية على أساس تبادل منافع مشتركة لا لاعتبارات نظرية لأن على ما هو تاريخي ان يندمج لا أن ينصاع فيما هو آني, وثالثها على أساس رسم لغة مشتركة للسياسة تقوم على فهم دقيق لاعتبارات البراغماتية والوظيفية والأداتية والمفاهيم الحقيقية للجيوبوليتيك والجيواستراتيجيا ما يعيدنا الى مسائل قد تبدو للبعض نظرية لكنها في صلب العمل السياسي وهي أبعد ما تكون عن التنظير الى قاعدة كولزينتش التي تقول بأن على الاستراتيجي ورجل الدولة ان يفكرا معاً ويتحدان بحيث يصبحان واحداً موحداً ويلتقيان وينسجمان في المفاهيم الحديثة للجغرافية الحقيقية في الميدانين اللذين يعودان لهما وهما الجيوبوليتيكا والجيواستراتيجيا, اذ ان تلازم المصطلحين يؤكد وسير الأحداث العالمية إذ تبقى العوالم الجغرافية الأساس المشترك كما الشرط لصحة الحلول نفسها, وهنا بالضبط من خلال هذه القاعدة وتقول بأن الحلول لمشكلات العرب لن تكون وثمة احتلال قائم تراه بعض الدول تحريراً لأن عدم التوافق على الشرط الجغرافي سيؤدي الى عدم توافق على الجغرافيا الاستراتيجية وعلى الجغرافيا السياسية.
وفي واقع الحال يجب علينا ألا نتوهم بأن نظــرية تونبي في ثنائية "التحدي - الاستجابة" هي ثنائية مطلقة, فالتحديات أحياناً تؤدي الى استجابات سلبية وليست الى استجابات ايجابية والمسألة لا تنعقد بقانون خطي على طريقة: صلِ تدخل الجنة! |