|
لقد تم عقد مؤتمر أكاديمي في مركز الفيدرالية في فربيورغ (سويسرا) بين 14-17 آذار 2004 تحت عنوان "الفيدرالية كحل للصراعات في الشرق الأدنى"، شارك فيه كبار المتخصصين الدوليون في الفيدرالية بالإضافة إلى عدد كبيرٍ من الأكاديميين الإسرائيليين والعرب. كانت أهداف ذلك المؤتمر غير واضحة إذ أن بعض المشاركين ركز على الفيدرالية كحل للصراع الفلسطيني (أو حتى العربي) الإسرائيلي بينما كان غيرهم أكثر واقعية إذ أنه قدم الفيدرالية كحل للأقلية الفلسطينية في إسرائيل كما أنه تم تقديم مبادئ الفيدرالية على ضوء الديانات السماوية الثلاثة.
في هذا المقال سنكتفي بالتعريف بالفيدرالية بشكل عام وبالدول التي تبنت ذلك النظام السياسي، ومن ثم سنقدم الفيدرالية كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ في الواقع فكرة الفيدرالية ليست حديثة لكننا نشهد عودة إليها بين حين وآخر (وإن اختلف المحتوى)؛ هنالك من يدعو إلى تأسيس دولة علمانية تسمى إسرائيل-فلسطين أو إسراطين (بحسب تعبير معمر القذافي!) مع العلم أن معظم الفلسطينيين والإسرائيليين يرفضون هذه الفكرة وإن اختلفت الأسباب طبعاً (تصريح أبو العلاء حول الدولة ثنائية القومية حركت المياه العكرة)؛ في الواقع، إن رأينا الشخصي واضح -وهو يتناسق مع استنتاجات المتخصصين في الفدرالية الذين شاركوا في المؤتمر الذي أشرنا له سابقاً- وهو الرفض لفكرة الفيدرالية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ هذا لا يعني بالطبع بأن الفكرة خالية كلية من المنطق وذلك لأنه فعلاً من الصعب تقسيم فلسطين التاريخية جغرافياً.
تعريف الفيدرالية
هنالك 25 دولة تعتبر نفسها فيدرالية أو تعرض بعض خاصياتها. في تلك الدول يعيش 40% من البشرية. أقدم الدول الفيدرالية هي: الولايات المتحدة (1789) سويسرا (1848) كندا (1867) أسترالية (1901). بحسب تقرير للأمم المتحدة حول التطور البشري الذي يرتب 180 دولة نجد أن هنالك أربعة دول فيدرالية بين أفضل ستة دول من حيث نوعية الحياة وهي: أسترالية، كندا، بلجيكا، والولايات المتحدة؛ بعدها بقليل تأتي سويسرا وألمانيا. هنالك تعريفات مختلفة للفيدرالية (بحسب الدولة الفيدرالية التي تتبناه!) لكن المفهوم الأساسي للفيدرالية هو ممارسة مستويان من الحكم على نفس المجموعة البشرية عن طريق الخلط بين الحكم المشترك أحياناً والحكم الذاتي أحياناً أخرى وذلك لاحترام وتشجيع التنوع في إطار الوحدة السياسية الأكبر؛ إن النظام "الوحدوي" يتميز بكون المؤسسات الحكومية المختلفة تستمد سلطتها من الحكومة المركزية وبالتالي تكون خاضعة لها.
إن الدولة الحديثة تواجه أزمة حقيقية إذ أن 95% من البشرية تعيش في دول متعددة الثقافات وبالتالي يمكن أن تكون الفيدرالية هي الحل الأفضل لترويض هذا التنوع دون التضحية بوحدة الدولة. من حيث تنوع المجتمع، تقسم الدول الفيدرالية إلى: أولاً، دول متجانسة لأنها في الأصل كذلك (ألمانيا) أو لأنها صهرت التنوع فيها (الولايات المتحدة)؛ ثانياً، دول غير متجانسة وهنا توجد ثلاث حالات: أولاً، أن تكون هنالك أكثرية واضحة وأقلية واضحة مثل كندا أو نيجيريا؛ ثانياً، أن تكون هنالك أكثرية وشبه أكثرية مثل بلجيكا؛ أو، ثالثاً، أن لا تكون هنالك أي أكثرية واضحة بل عدد من الأقليات مثل لبنان؛ بالنسبة للدول غير المتجانسة، توجد مشكلة حقيقية وهي: هل يمكن تحديد الأكثرية أو الأقلية في مساحة جغرافية محددة؟ والجواب هو النفي طبعاً وبالتالي فالسؤال الثاني الذي يتبعه مباشرة: هل هنالك بديل للفيدرالية الجغرافية؟ هنالك ما يسمى الفيدرالية الشخصية وهي تتخذ من الانتماء إلى مجموعة بشرية معينة (عرقية، دينية، لغوية...) أساساً لها بالإضافة إلى الفيدرالية الجغرافية (بلجيكا) أو بدلاً منها (لبنان).
الفيدرالية والشرق الأوسط
بحسب المتخصصين بالفيدرالية، هنالك شروط مسبقة يجب أن توجد لدى الجماعات المختلفة قبل تطبيق الفيدرالية كحل للنزاعات في المجتمعات غير المتجانسة: أولاً، أن تكون هنالك رغبة في الإتحاد في نظام فدرالي؛ ثانياً، أن توجد بعض المبادئ المشتركة بين الأطراف المعنية؛ ثالثاً، أن تكون هنالك ثقة بين المجموعات المختلفة؛ رابعاً، أن يتم تطوير ثقافة سياسية مبنية على تقاسم السلطة والتعاون واحترام الدستور. كل هذه الشروط غير موجودة أصلاً في الواقع الفلسطيني الإسرائيلي وبالتالي فإن الفيدرالية ليست الحل الأفضل أو الأنسب للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ ولكن البعض قد يعترض بقوله أن الفيدرالية قد تساهم في خلق تلك الشروط بدلاً من أن تنتظر أن تكون موجودة أولاً كي تتحقق؛ هذا صحيح بشكل عام ولكن الوضع هنا يختلف إذ أن مشروع الفيدرالية سيكون بمثابة تجاوزٍ لحق الشعوب في تقرير المصير (وهو ما لا يريده الفلسطينيون) وتجاوزٍ لحق اليهود في وطن قومي (وهو ما لا تريده إسرائيل) وبالتالي فإن الفيدرالية مستحيلة بين إسرائيل وفلسطين حالياً. وهنا قد يعترض البعض بأن كونها مستحيلة اليوم لا يعني أنها غير ممكنة غداً (مع الاستشهاد عادة بجنوب أفريقيا) وهذا صحيح أيضاً إذ أن لا شيء يمنع، بعد أن تقوم الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، بأن تكون هنالك علاقات اقتصادية خاصة مع إسرائيل لدرجة أن يكون له مستقبل فدرالي أو ما أشبه ذلك؛ لكنني أعتقد بأن الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يختلف كلية عن الوضع في جنوب أفريقيا لأسباب كثيرة نذكر منها: أولاً، إن الفلسطينيين يعيشون تحت احتلال أجنبي (إسرائيلي)؛ ثانياً، إن إسرائيل هي دولة ذات سيادة لها أراضيها المعترف بها دولياً (وإن كانت من غير حدود مثبتة رسمياً)؛ بكلمات أخرى يملك الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير نحو الخارج أيضاً (التحرير من سلطة الاحتلال) وليس نحو الداخل فقط (المساهمة في حكم ذاته) كما كان حال السود في أفريقيا الجنوبية تجاه المواطنين البيض.
الفيدرالية كحل للأقلية الفلسطينية في إسرائيل
بحسب التقرير السنوي الرسمي الإسرائيلي لسنة 2003 يبلغ عدد اليهود في إسرائيل: 5094200 نسمة (78%) والعرب المسلمين 1038300 (17%) والعرب المسيحيين 114300 (82. 1%) والدروز 108500 (6. 1%) و246000 من غير دين محدد بالإضافة إلى 26000 مسيحيين غير عرب (التقرير يعتبر أيضاً سكان القدس الشرقية والجولان؛ وهنا نترك بعض الاعتبارات جانباً وخصوصاً لوضع الجولان والقدس القانوني كأراضي محتلة؛ مع ذلك قمنا بالاستشهاد بتلك الأرقام لأنها تؤدي الهدف المطلوب هنا). إن نسبة العرب (المسلمين والمسيحيين) في إسرائيل عالية جداً، وهي في ازدياد مستمر، وبالتالي فإن لتلك الأقلية وزن كبير ولقد تم تكريس الكثير من الأبحاث حول هذا الموضوع الذي يشكل حلقة في الزور للسلطات الإسرائيلية وخصوصاً لاعتبارها الفلسطينيين تهديداً للطابع اليهودي لدولة إسرائيل.
أمام هذا التحدي يقدم المتخصصون ثلاث حلول (نترك جانباً المشاريع التعصبية التي تم مناقشتها في السنوات الأخيرة في الكنيست وتسمى بالترانسفير أو النقل الإجباري): أولاً، الفيدرالية الجغرافية وهنا توجد مشكلتان: الأولى هي كون العرب موزعين في أنحاء إسرائيل وان كان تجمعهم الأكبر في منطقة الجليل؛ والثانية هي أن المناطق ذات التجمع العربي الكبير شهدت زيادة ملحوظة في عدد السكان اليهود حديثاً؛ ثانياً، الفيدرالية الشخصية، أي أن تصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية (واللغة) -مع التحديد مجدداً بأن الفلسطينيين المعنيين ليسوا سكان الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ثالثاً، توفير حماية دستورية للأقلية العربية دون المساس بهوية دولة إسرائيل كوطن قومي لليهود وتلك الحماية يجب تثبيتها بنص دستوري أعلى من غيره وبالتالي حمايته مثلاً بنظام يتم إتباعه حالياً في بعض الدول الفيدرالية وهو نظام الأكثرية المزدوجة (أي 2/3 الأكثرية و2/3 الأقلية). نكتفي هنا بذكر تلك الأفكار ولكننا لن نتخذ موقفاً محدداً (مع العلم بأن لنا تحفظات على قضية الطابع الديمقراطي-اليهودي لدولة إسرائيل وإمكانية تواجد الصفتان معاً في نفس الدولة) إذ أن لكل منها سلبيات وإيجابيات كثيرة ولكن أي منها لن يؤدي الغرض المطلوب (وهو التعامل الأفضل مع قضية الأقليات) إن لم ينتج عنها ثلاثة أشياء: أولاً، مساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم بسبب العرق؛ ثانياً، ضرورة حماية الخاصية الثقافية للأقليات وعدم صهرها أو استيعابها ضمن ثقافة الأكثرية؛ ثالثاً، مشاركة الأقليات في صنع القرار على كل المستويات. لكن نجاح أي من تلك الأفكار وبالتالي التعايش السلمي بين المواطنين الإسرائيليين اليهود والعرب –بحسب المشاركين في المؤتمر الذي ذكرناه سابقاً- يرتبط بثلاث أشياء: أولاً، توقف السلطات الإسرائيلية عن نهج سياسية السيطرة على الأراضي العربية وتوطين اليهود فيها؛ ثانياً، سد الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين اليهود والعرب في إسرائيل؛ ثالثاً، انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية.
الفيدرالية والإسلام
هنالك من يعتقد بأن هنالك تناقض بين الإسلام والفيدرالية (ليس فقط، بل والديمقراطية وحقوق الإنسان!) ويدخل هذا في إطار الجهل بالإسلام الحقيقي من جهة وبوجود أحكام مسبقة من جهة أخرى ساهمت بزيادة تأصلها واقعُ الدول العربية والإسلامية الحالي وأعمال بعضِ المجموعات التي تتخذ -باطلاً- الإسلام شعاراً. بحسب تعريف الفيدرالية هنالك ضرورة لنوع من التقاسم بالحكم بين مستويات مختلفة ضمن مبادئ الحكم المشترك والحكم الذاتي وفي هذا بالذات لا يوجد أي تناقض مع الإسلام فقد عرف المسلمون أنظمة تشرع مبدأ الحكم الذاتي في وقت كانت ترفضه معظم أوروبا لأنها كانت متمسكة بالدولة كاملة السيادة وليدة القرن الثامن عشر! نشير هنا طبعاً إلى تجربة العثمانيين الخاصة والتي ما زالت سارية حتى الآن في بعض الدول العربية (على الأقل بما يخص الأحوال الشخصية) وهو ما يسمى نظام "الملة" والذي ترك لكل مجموعة دينية الاستقلالية الداخلية مع صلاحيات واسعة للرؤساء الدينيين فيها؛ من المؤكد أن هدفنا هنا ليس تبجيل ذلك النظام لأن له الكثير من النقاط السلبية التي لا نريد التطرق لها، ولكننا أردنا فقط أن نشير إلى كيفية تعامل الإمبراطورية العثمانية مع قضية التنوع العرقي والديني في بداية القرن العشرين.
هذا يعني أن مبادئ الفيدرالية (والديمقراطية وحقوق الإنسان) لا تتناقض مبدئياً مع الإسلام، وأنه من الممكن التفكير جدياً بطريقة لبناء مجتمعات تحترم الحقوق الأساسية والمعترف بها عالمياً سواء للأفراد أو للجماعات دون التخلي بالضرورة عن مبادئ وأحكام الدين؛ وإن تطلب ذلك أحياناًَ إجراء بعض التغييرات الضرورية فإنها لن تكون حركة إصلاح "صنعت في الولايات المتحدة" بل ستأتي نابعة من حاجات المجتمع المعني؛ وفي هذا الإطار نريد أن نشير إلى الدستور العراقي المؤقت والآراء المتناقضة بالنسبة للنظام السياسي الذي تم تبنيه وتخوفات الدول المجاورة بالنسبة للحكم الذاتي للأكراد. إن هذا الموضوع يستحق التعمق أكثر وهو – مع أهميته- خارج عن اهتمامنا في هذا المقال إلا أنه يمكننا أن نؤكد هنا بأن الفيدرالية (والحكم الذاتي الذي قد يتضمنه) لا تعني تفسخ الدولة وتجزئتها، كما قد يعتقد البعض، بل هدفها، على العكس، هو الحفاظ على تلك الوحدة دون التضحية بالتنوع الموجود في ذلك المجتمع. كل هذا بالطبع ضمن الاحترام المطلوب للإنسان كفرد بغض النظر عن المجموعة العرقية، اللغوية أو الدينية التي ينتمي إليها؛ وهنا أريد أن أشير إلى أعمال الدورة الستين لحقوق الإنسان التي بدأت في جنيف في 15/3 والتي تستمر خمسة أسابيع (ولي الشرف بالمشاركة فيه ضمن الوفد الفلسطيني برئاسة السفير لدى الأمم المتحدة في جنيف، السيد نبيل رملاوي)؛ تلك المبادرة وغيرها وإن خلت من سلطة فعلية وقانونية على الدول إلا أنها تعبر عن الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي لحقوق الإنسان التي أصبحت شاملة وغير محصورة بثقافة واحدة دون غيرها.
للتعليق: asemkhalil@yahoo.com |