|

هنالك أكثر من داعٍ مباشر أو غير مباشر لقتل الشيخ أحمد ياسين إسرائيلياً. فالسياسة التي ينتهجها شارون تقوم على الحقن بأكبر قدر ممكن من حقن القوة والعنف بهدف تصفية ما يندرج لديهم تحت عنوان:"الإرهاب". وهو عنوان لا يني يتسع ليطال كل عمل عسكري لجماعات مقاومة أو لدول لا تتحرك في فلك الولايات المتحدة الأمريكية. المهم في هذه المعادلة أن ليس على أحد أن يضرب والأهم التوهم بأن الطريق لحل المنازعات إنما يأتي عبر المفاوضات التي تسجل(مساومة) هي في المآل الأخير القبول بالأمر الواقع وميزان القوى الظاهري.
للإسرائيليين أكثر من سبب لقتل أحمد ياسين:
الأول كما قلنا محاولة كسر شوكة المقاومة الفلسطينية ممثلة بحماس بضرب رمزها الأكبر؛ وهو رمز يتجاوز كل الرموز السابقة التي تمت تصفيتها بل إنه يكاد أن يكون الرمز الثاني بعد ياسر عرفات مباشرة. الأمر الذي يبدو بمثابة رفعٍ للجرعة(المتداولة!) من القتل والعمل العسكري إلى أعلى درجة ممكنة ورسالة إلى ياسر عرفات بالذات.والثاني أنهم إذ يقولون أنهم يتوقعون رد فعل عنيف من الفلسطينيين،فإنهم يطلبون هذا عملياً. والهدف منه أن تكون عملية إعادة الانتشار في غزة مصحوبة بعمليات مضادة وذات طابع هستيري أحياناً، كي يقولوا للعالم: أنظروا ها نحن انسحبنا من غزة من طرف واحد والفلسطينيون لا يريدون أن يوقفوا الحرب، خصوصاً وأن هذه الحرب ستطال بالتأكيد قطاعات مدنية مما سيكبر كرة الثلج ويدفع بالوضع إلى مزيد من التأزم.
شارون محترف تفجير الأزمات التي تصل إلى حد الحروب كما فعل عام1982 وعام2001 أخرج نفسه من مأزق المواجهة مع اليمين الإسرائيلي بسبب خطة للانسحاب والفصل، وهو بهذا أثبت أنه على يمين ذلك اليمين، الأمر الذي سينقذه من الدوامة التي دخلها بسبب مبادرته السابقة، فالهروب إلى الأمام سيدفع بالجميع إلى الالتفات حوله طالما أن دائرة الموت قد فتحت من جديد.
اللافت في هذه الخطوة المغامرة أنها تعيد الكّرة أمام إرساء سابقة (قتل السياسيين) وهي سابقة يمتلك فيها شارون براءة اختراع- بامتياز- على مستوى الصراعات الدولية والإقليمية عالمياً. إلا أن هذا لا يعني نهاية المطاف إنما يعني فتح الباب نفسه أمام الطرف الفلسطيني للرد على ذلك بقتل(السياسيين) الإسرائيليين بما يتجاوز عملية قتل وزير السياحة اليميني التي كانت مادة ثرية فعلياً لحصار عرفات ولوضع الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في السجن وخلق أزمة اشتبك بها الإسرائيليون والفلسطينيون والأمريكيون والأوروبيون معاً.
خلط الأوراق سابق الذكر يفسح في المجال أمام إعادة تشكيل الأزمة وإدارتها حتى نهاية الانتخابات الأمريكية، باعتبارها حرباً للتصفية، لن يجد الأمريكيون إزاءها إلا الصمت، مرة لاعتبارات الصوت اليهودي في تلك الانتخابات الرئاسية التي تكاد أن تكون مجزرة سياسية بامتياز، ومرة أخرى بسبب أن الإدارة الأمريكية تتبنى نفس الفهم في الشؤون الأمنية.
وهذا أمر بالغ الدقة هنا لأن لقاء البعثة الذي ضم شارون ومحمود عباس برعاية الرئيس الأمريكي في حزيران/ يونيو2003 كانت اللغة التي استخدمها شارون تفيد في هذا الاتجاه إلى أبعد حد فهو قد قال بالحرف:" السلام سيتحقق فقد بعد ما تكافح الحكومة الفلسطينية الإرهاب وهنالك فرصة للتقدم نحو التسوية ولكن هذا لن يتحقق طالما تواصل القتل وهذه مسؤولية رئيس الحكومة الفلسطينية". لكن الأهم هو قول بوش:" أنا أفكر مثل الإسرائيليين في القضايا الأمنية"؛ بمعنى أن سياسة الضرب الوقائي والاستباقي هي السياسة التي رسمت والتي ستستمر وستكون الغطاء الذي سينشر ظلاله على أداء إسرائيل خلال المرحلة القادمة.
مرة أخرى لم يفعل الإسرائيليون أكثر مما ينتهجون على صعيد خرق الضوابط والقواعد السائدة و(تثويرها!) لإقرار وقائع أخرى في الممارسة وعلى الأرض. وهذا ما يمثل الحبل السري الذي يصل المشيمة الأمريكية لدى المحافظين الجدد بالجنين الإسرائيلي. نفس المنطق ونفس الأداء الذي لا يعترف بالقواعد ويريد أن يحول العالم إلى عجينة واحدة لا اختلاف في طبائع تنوعها؛أي عالم القوي يفرض معادلته.
عندما كتب نتنياهو كتابه "مكان تحت الشمس" كان يحاول أن يرسم صيغة السلام القائم على معادلة الهازم والمهزوم؛ المنتصر والراكع.هذا الشخص هو نفسه الذي خرج من حاشيته اثنان كتبا مشروع القرن الأمريكي الجديد وهو ما يمثل اليوم استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية بصورة أو بأخرى.
اذاً القضية تجاوزت الحبل السري إلى منطق واحد يتبناه الرئيس الأمريكي"أمنياً" وتتبناه إسرائيل وجودياً.
نعم ثمة فرق بين تبنيّ دولة عظمى وتبنيّ دولة استيطانية لاستراتيجية القوة، فالفارق كبير بينهما، إذ بينما ينزع الأول إلى ذلك انتقائياً وحسب الظرف ينزع الثاني بصورة إجمالية غالباً إليها باعتبارها خياراً استراتيجياً للوجود.الإلغاء هو منطق الإسرائيليين الذين لا يرون إمكانية لاستمرارهم بدونه، وهم لهذا يذهبون بعيداً في لعبتهم. |