|
تحيط بالشارع الفلسطيني دوماً مجموعة من الهموم والمشاكل تدور حولها الأحاديث وتطرح بخصوصها التساؤلات وتعقد من اجلها كثيرا من الاحيان الملتقيات والندوات وحتى المؤتمرات، وذلك بحثا عن اجابة او حتى تطلعاً نحو بارقة أمل تشير ولو قليلاً الى إنبلاج شمس فجر جديد يولد معه أمل نحو إيجاد حل لمعضلة طال أمدها اسمها القضية الفلسطينية.
لهذا كله، ولأن الهموم والاشكاليات كثيرة متعددة، تبدأ دوامة التساؤلات بدورانها المتزايد كلما انتظم مؤتمر دولي او اقليمي وتضمن جدوله قضية فلسطين، بغرض النظر اليها واتخاذ قرارات حولها، ومعلوم هنا ان اكثر المؤتمرات اهتماما وتناولا للقضية ضمن اجتماعاتها هي المؤتمرات العربية والاسلامية وعلى رأسها مؤتمرات القمة العربية، التي لم يخل مؤتمر لها من التطرق للقضية الفلسطينية، واتخاذ موقف عربي حول آخر تطورات هذه القضية أو طرح مبادرة خاصة ترمي لايجاد الحلول السلمية لها.
وفي هذا الاطار ذاته تتنزل القمة العربية التي ستعقد في تونس والتي يتطلع اليها الشعب الفلسطيني، كما تعوّد، وتدور حولها النقاشات والتساؤلات داخل التجمعات والدوائر الشعبية والسياسية، وتعقد حولها الاجتماعات للتدارس ما يمكن ان يتضمن بيانها الختامي من قرارات ذات صلة وعلاقة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
فما هي ابرز القضايا التي يدور حولها الحديث وتطرح حولها التساؤلات انتظاراً لاتخاذ قرار حولها أو تخوفاً من أتخاذ قرار حولها ؟ وبالتالي فما هي تطلعات وتخوفات الشعب الفلسطيني من القمة العربية القادمة التي ستعقد في تونس ؟
رسائــل اللاجئين للقمــة
ربما لا تهتم شعوب عربية كثيرة بانعقاد المؤتمرات العربية، فتنحصر الاهتمامات في البلدان العربية على الاحزاب السياسية والدوائر الرسمية المختصة وذات الشأن، لكن المعادلة مختلفة داخل الشارع الفلسطيني الذي اجبرته قضيته الممتدة منذ النكبة عام 1948 وحتى الآن أن يولد مهتماً مراقباً لمثل هذه المؤتمرات أملاً وتطلّعاً منه لجديد مفيد في حل قضيته .
ولأن مؤتمر القمة العربية في تونس يأتي في ظروف لا تخفى على أحد على مستوى الوضع العربي عامة والوضع الفلسطيني بشكل خاص فان الشارع الفلسطيني يتناول في احاديثه وملتقياته هذه الايام مجموعة من القضايا بعضها يتطرق للهموم والمشاكل العربية عامة كقضية الاحتلال الامريكي للعراق، وتمثيل العراق في القمة، ثم مسألة اصلاح جامعة الدول العربية وايجاد خطوات عملية لتعزيز العمل العربي المشترك وغيرها من القضايا المحورية على مستوى الهم العربي العام، واخرى خاصة بقضيته وهمومه المتواصلة وهي الزاوية المركز عليها اكثر من غيرها في هذا الاطار.
ولأن الهموم الفلسطينية كبيرة كما قلنا فان هناك هموماً تطغى على غيرها، ولهذا فان اكثر المسائل تناولاً خلال هذه الايام على مستوى الشارع الفلسطيني هما مسألتين:
- الأولى : مسألة وثيقة جينف وما حملته من تنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين والتخوف من تبني القمة لهذه الوثيقة.
- والثانية : قضية جدار الفصل العنصري الذي تقوم حكومة شارون ببنائه لعزل كافة المدن الفلسطينية عن بعضها البعض وتطويقها وتحويلها بالتالي الى كونتونات وجزر تحيط بها المعسكرات والمستوطنات الاسرائيلية من كل جانب.
وعلى صعيد المسألة الأولى الخاصة بوثيقة جنيف فقد عقدت سكرتاريا اللجنة الوطنية العليا للدفاع عن حق العودة اجتماعاً لها في رام الله، من اجل تنسيق جهود القوى والمؤسسات المهتمة بموضوع اللاجئين وللحيلولة _ كما يقول البيان الصادر عن الاجتماع_ دون تبني القمة العربية لوثيقة جنيف خصوصاً وان هذه الوثيقة تتجاوز الحقوق التاريخية والقانونية والانسانية للاجئين بالعودة والتعويض كحقين متلازمين، وتؤكد هذه القوى بان رفضها للوثيقة يأتي من ان الوثيقة تدوع لحل قضية اللاجئين دون اي عودة بل تعتمد حلول التوطين والتعويض المالي.
وانطلاقاً من هذه الفكرة الرافضة للوثيقة والمتخوفة من تبني القمة العربية لوثيقة جنيف قررت سكرتاريا اللجنة الوطنية العليا للدفاع عن حق العودة توجيه رسائل عاجلة لكل من: سيادة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وللسيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، وللسيد فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيس الوفد الفلسطيني في القمة.
ويعتقد أنور حمام الباحث المتخصص بموضوعة اللاجئين وعضو اللجنة الوطنية للدفاع عن حق العودة، بأنه ربما لا تطرح مسألة تبني القمة العربية لوثيقة جنيف باعتبارها مبادرة لا يمكن الاعتماد عليها والعمل على دعمها، خاصة انها تنسجم مع الطرح الاسرائيلي الهادف لشطب حق العودة ، حيث وان الماكينة الاعلامية الاسرائيلية(كما يقول) بدأت تخوض معركة شعواء لمحاربة حق العودة للفلسطينيين وذلك عبر مطالبتها باسقاط هذا البند او هذا الحق قبل التفاوض، لهذا فهو يعتبر ان ما قامت به اللجنة كان ضرورياً لتفادي الوقوع في مثل هذا الطرح في القمة.
لكن الاستاذ انور يبدو مطمئنا لكون هذه القمة تعقد في تونس البلد المعروف بدعمه المتواصل للقضية الفلسطينية والمتمتع بقيادة قادرة على تجاوز المطبات السياسية، وعدم تسجيل مواقف تاريخية سلبية في جميع المحافل العربية والدولية.
القمة ونكبة فلسطين الثالثة
في جانب آخر يبدو الشارع الفلسطيني أكثر اهتماماً بقضية الجدار وهي القضية المأساة كما يشبهها العديد من الفلسطينيين ويعتبرونها نكبة فلسطينية اخرى شبيهة بنكبة عام 1948 وتقسيم فلسطين التاريخية لدولتين، خاصة ان هذا الجدار يقسم الاراضي الفلسطينية ويحرم الفلسطينيين من قيام دولة لهم ذات حدود ومعالم واضحة يمكنها العيش بشكل طبيعي كدولة ذات سيادة. مما يحطم كل الآمال الفلسطينية المتطلعة لقيام هذه الدولة.
وهنا تقول السيدة مي الصرّاف عضوة اللجنة الوطنية لمقاومة جدار الفصل العنصري:" بأن خطورة هذا الجدار تتأتى من كونه يحاصر الشعب الفلسطيني وهو يفرض الحدود التي يريدها شارون واليمين المتطرف لدولة اسرائيل دون مراعاة لمستقبل الفلسطينيين، وتزداد الخطورة حين نعرف ان هذا الجدار حاصر في عديد المناطق شمال الضفة الغربية عدد كبير من الفلسطينيين بين الخط الأخضر والجدار وقيد حركتهم بتصاريح مرور ومنعهم بالتالي من التواصل مع اهلهم واقاربهم في المدن والقرى المجاورة كما منعهم وقيد حركتهم الاقتصادية من خلال عدم تمكنهم من الذهاب الى اعمالهم بشكل طبيعي وهم مقيدوا الحركة، وهو ما يخيف اللجنة لان ذلك من شأنه ان يكون بداية لعملية تطهير عنصري جديد يمكن ان يؤدى لعمليات نزوح من تلك المناطق مما يفتح المجال امام الاسرائيليين لتحقيق مخططاتهم الرامية لاخلاء تلك المناطق من اصحابها واهلها".
من اجل ذلك تتطلّع اللجنة الوطنية لمقاومة جدار الفصل العنصري من القمة العربية دعم الشعب والقيادة الفلسطينية على المستويين:
أولاً: المستوى السياسي وذلك بما ستتخذه من قرارات يفترض ان تحضّر من خلالها لمرحلة ما بعد اصدار حكم محكمة العدل الدولية في لاهاي حيث يتطلب ذلك الذهاب للجمعية العامة للأمم المتحدة مما يستوجب موقف عربي قوي متماسك مدوروس ومحضر له بشكل جدي للربح الجولة وضمان الحقوق الفلسطينية، ويأتي هذا المطلب من اللجنة لأن اللجنة ترى بان عديد الدول العربية قصّرت بغيابها عن جلسات المحكمة في لاهاي.
ثانيا: تتطلّع اللجنة من القمة الدعم الاقتصادي لصمود الشعب الفلسطيني في المناطق التي تم محاصرتها وفي المناطق التي تقوم القوات الاسرائيلية بتجريفها وتخريبها من اجل امتداد البناء في الجدار.
ولا يمكن القول هنا ان هذه الهموم والقضايا هي فقط ما ينظر اليه الشعب الفلسطيني من خلال القمة العربية غير ان هاتين القضيتين هما اللتان تتطغيا على بقية القضايا رغم التطلّع المتواصل لفك الحصار عن المدن الفلسطينية وعن الشعب الفلسطيني وعن القيادة الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات الذي يغيب للمرة الثالثة عن القمة العربية بسبب الحصار المفرض عليه بمقره في مدينة رام الله.
غير ان البعض في الشعب الفلسطيني يبدو متخوّفاً لا من القمة العربية وقراراتها بل مما تقوم به القوات الاسرائيلية دوماً قبل وبعد القمة فهي ترتكب المجازر دوماً لكنها تزداد اجراماً بعد القمة العربية، او هذا ما كان خلال العامين الماضيين.
فالذاكرة الفلسطينية لا تنسى بان القمة العربية في بيروت – وهي القمة التي تبنت فيها الدول العربية مبادرة السلام والتطرحها ولي العهد السعودي- تبعها اجتياح اسرائيلي شامل لكل مدن الضفة الغربية واعادة احتلال هذه المدن ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات في مقره بالدبابات، وفرض الحصار عليه حتى اللحظة.
القمة اذاً لا يمكن ان تمر دون ان ترتبط بها فلسطينياً عديد الانتظارات والتطلّعات ولكن لا يمكن هنا تجاوز قضية مهمة تمتد في الداخل الفلسطيني كما الحال عند سائر الشعوب العربية الا وهي فقدان الثقة بقرارات القمم العربية وعدم انتظار اكثر من التنديد والشجب دون ان يتبع ذلك آلية عمل تجسد على الواقع ولو حلماً من أحلام الشعوب العربية.
فعديدين من ابناء الشعب الفلسطيني الذين طرحنا عليهم السؤال حول ما هي انتظاراتهم من القمة العربية ضحكوا وقوالوا الاستنكار والشجب والخطب العصماء دون ملامسة حقيقة لمواقع الالم العربي على كل الاصعدة.
لهذا يبدو ان السؤال الاكبر الذي يحيط بالقمة هو فعلا وحقيقة يتعلق بمدى جدية طرح مسألة اصلاح الجامعة وآليات عملها وايجاد آلية حقيقة للعمل العربي المشترك بمعنى تجاوز الحديث عن العمل العربي المشترك بينما لا تلمس الشعوب العربية مثل ذلك على ارض الواقع.
فلا بد اذاً للقيادة العربية من العمل على اعادة ثقة الشعوب بالقمة العربية وما تتخذه من قرارات بالعمل على تنفيذ ولو الجزء اليسير منها على ارض الواقع، وهذا تتطلع لا من الشارع الفلسطيني فقط بل هو تتطلع يشمل كافة الشعوب العربية، لعل هذه القمة تتمكن من تحقيقه تجاوزاً للمحاولات الامريكية لفرض عمليات الاصلاح على عديد الدول العربية.
الموقف الرسمي الفلسطيني
الموقف الرسمي الفلسطيني وتطلعاته من القمة العربية صرّح به لمجلة حقائق السيد نبيل أبوردينة الناطق الرسمي باسم الرئيس عرفات ومستشاره الاعلامي حين قال: " يتطلع الشارع الفلسطيني باهتمام كبير للقمة العربية في تونس لما تمثله من فرصة لتوحيد الصف العربي في مواجهة التحديات ولما لتونس من دور هام في هذه القمة لانها تستضيف القمة في ظروف ازدادت فيها المؤمرات والمخاطر التي تعصف بالمنطقة العربية.
فلا بد من موقف عربي واحد بخصوص ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولابد من الاتفاق على ورقة عمل مشترك وبآلية تحرك سياسي مع الادارو الامريكية والاتحاد الاوروبي وبقية اعضاء اللجنة الرباعية من روسيا والامم المتحدة. كما نتطلع بان تقر القمة باستمرار الدعم واعطاء الاولوية للقضية الفلسطينية والعمل على الصعيد العربي من اجل افشال مشروع شارون الرامي لفك الارتباط من جانب واحد بما يعنيه ذلك من اقصاء للشعب الفلسطيني وقيادته عن دائرة الحل وانفراد شارون بفرض مايريده هو".
واضاف :" اننا طلبنا من القمة في بيان القيادة الفلسطينية الموجه للقمة بضرورة التمسك بتطبيق قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 1515 الخاص بخارطة الطريق، ودعم الشعب الفلسطيني في نضاله لوقف جدار الفصل العنصري والعمل على حشد موقف دولي لازالته. كما طالب بضرورة العمل على رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني عام والانسحاب من كافة المدن، اضافة للعمل على رفع الحصار عن سيادة الرئيس عرفات، والتأكيد على ضرورة دعم صمود الشعب الفلسطيني بكافة الوسائل السياسية منها والمادية، مع التأكيد على التمسك بالمبادرة ولي العهد السعودي وعدم السماح باستبدالها بخطة شارون أوغير ذلك من الخطط الرامية لاقامة شرق اوسط جديد.
وحول مسألة مبادرة جنيف وان كانت القيادة الفلسطينية طلبت من اي من الاطراف العربية طرحها على القمة بهدف تبنيها اشار السيد ابو ردينة الى ان القيادة الفلسطينية لم تطلب مثل هذا الطلب، لان الحل الذي يطلبه الشعب الفلسطيني هو ما اجمعت عليه قرارات الشرعية الدولية (الارض مقابل السلام) بما فيها عودة الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشريف.
وبانه لابد من الوصول الى حل عادل لقضية اللاجئين وفق ما تم الاتفاق عليه في المجالس الوطنية الفلسطينية والقمم العربية والامم المتحدة، فلا يمكن الوصول لحل كافة القضايا دون الالتزام بمرجعيات عملية السلام المتفق عليها وهذا موقف فلسطيني وعربي.
وقال:" نحن مع اي تحرك سياسي ضمن هذه الخطوط الوطنية والقومية ولابد من تطبيق قرارات الشرعية الدولية من اجل الوصول الى حل شامل وعادل ودائم. |