|
اعتادت الحكومة الإسرائيلية أن تبعث برسائل دموية للقادة العرب قبل أو بعد اجتماعات القمة العربية، وهذه الرسائل عادة ما تكون مجبولة بالدم الفلسطيني، وهدم البيوت ومصادرة الأراضي والقتل والتشريد والاعتقال والتعذيب، فالقمة السابقة والتي عقدت في بيروت والتي أخذت على عاتقها إقرار "المبادرة السعودية"، الداعية الى انسحاب شامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، مقابل سلام كامل مع كافة الدول العربية، في حينه جاء الرد الإسرائيلي الشاروني على المبادرة العربية باجتياح كافة المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقصف بربري على قطاع غزة، ومحاولة تقويض أركان السلطة وهياكلها، وضرب للمقاومة الوطنية والإسلامية، وبناء جدار الفصل العنصري، وإقامة معازل عبر تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، ومصادرة الأراضي والمياه والمزارع.
ولكن ما يميز الرسالة الإسرائيلية للقمة العربية الحالية هو أنها جاءت سابقة لانعقاد القمة، حيث اغتالت الحكومة الإسرائيلية شيخ الانتفاضتين( 1987 وانتفاضة الأقصى) ومؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، مهددةً بذات الوقت باجتياح كامل لقطاع غزة، والاستمرار بسلسلة الاغتيالات لتطال عددا آخر من القادة السياسيين والعسكريين الفلسطينيين، والخطورة الأكبر تكمن في كون التهديد الإسرائيلي ينبئ بتهديد لرأس السلطة الوطنية الفلسطينية والرمزية التاريخية والشرعية التي يتمتع بها بشكل مباشر، مما سيفتح المستقبل نحو كوارث سياسية لا أحد يدرك ماهيتها وعواقبها.
صراع المقاربات
ترافقت هذه الرسالة الإسرائيلية مع "رؤيا أمريكية" بمنتهى الخسة تدعوا لبناء "الشرق الأوسط الكبير" على المقاس الأمريكي، كحق يراد به باطل، في ظل هذه الرسائل الدموية نلمس وجودا لمقاربتين منقسمتين في رؤيتهما لكيفية التعاطي مع المسائل السياسية والمطروحة على الأجندة العربية وهما:
- المقاربة الأولى : الداعية أن تتبنى القمة العربية كافة الشروط والإملاءات الإسرائيلية والأمريكية، على اعتبار منطق القوة المائل لصالح إسرائيل وباعتبارها خطاً أحمر بالنسبة للإدارة الأمريكية، يرى أصحاب هذه المقاربة أن العرب ليس لديهم ما يصنعونه لأن الأمور منتهية على المستوى التاريخي، وكون المعادلات كلها محسومة لصالح الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ويقولون بكل وضوح بأن "القطار" سيتركنا في محطة "تخلفنا" إذا لم نلحق بالركب ونخضع لشروط "العالم الجديد" أو نظام "ما بعد الجديد" أو نظام "العولمة" كمرادف "للأمركة"، وهو منطق لا يخلو من تقديرات لما وصلت إليه حال الأمة من ضعف وعجز وعدم ثقة بحيوية هذه الأمة وقدراتها، وضمن هذه المقاربة التي تحاول جاهدةً أن تلصق بنفسها صفة " الواقعية" يندرج دعاة وثيقة جنيف كامتداد فلسطيني محدود، وبالتالي يدعون الى ضرورة أن تتبنى القمة العربية وثيقة جنيف، وتندرج ضمن هذا التوجه كذلك الدعوات الداعية للتعاطي بدون أي تحفظ مع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي، لأننا كعرب بدون الضغط الخارجي لن نحقق أي تنمية أو ديمقراطية أو حريات.
- المقاربة الثانية : والمنادية بأن تكون القمة العربية بمستوى التحديات وبمستوى آمال وطموحات الشعوب العربية، وأن تضع القمة حدا لحالة العجز، ويضع دعاة هذه المقاربة ثقتهم بأبناء هذه الأمة وقدراتها وإمكانياتها الاقتصادية والبشرية والفكرية التي لو استثمرت على نحو خلاق لأنتجت تاريخا عربيا جديدا قائم على التنمية والحرية والعدل والديمقراطية والاحترام، مع مراعاة الخصوصية العربية والحفاظ على قضايا حيوية تخص هذه الأمة كالهوية والدين والثقافة والتاريخ، ويشدد دعاة هذه المدرسة من أن الأمور غير منتهية على المستوى التاريخي وأن أي مبادرة أو فكرة يجب النظر فيها بكل عقلانية وحكمة وعمق، ويندرج في هذا الإطار دعاة المحافظة على الحقوق الفلسطينية العربية، حيث ينادون بضرورة التمسك بالحقوق وعدم التفريط بها، لأن الإسرائيليين سيعمدون في كل مرة يقدم فيها الجانب العربي تنازلا الى طلب المزيد من التنازلات، ويشدد دعاة هذا التوجه على رفض وثيقة جنيف لأنها تعترف بيهودية إسرائيل، وتحرم اللاجئين من حقوقهم وخصوصا العودة للأرض والبيوت التي طردوا منها، وتتعامل مع الأرض ومبادلتها كسلع، وتتنازل عن أجزاء مهمة من القدس، وتشرع وجود العديد من المستوطنات.
تطلع فعاليات اللاجئين للقمة
يرى دعاة المقاربة الثانية بأن القمة العربية يجب أن لا تنظر أبدا لكل ما يطرح عليها كإملاء خارجي بل العمل من أجل الخروج برؤيا عربية حقيقية نابعة من الخصوصية العربية، وبالتالي رفض الشرق الأوسط الكبير الذي هو تكريس للهيمنة الأمريكية والصهيونية على المنطقة العربية، وفي ذات السياق النظر لوثيقة جنيف بأنها جاءت نتيجة لقاءات غير رسمية بين أشخاص فلسطينيين لا يمثلون إلا شخوصهم الفردية –على حد قولهم - وبين أشخاص إسرائيليين هامشيين تم إلقاؤهم ومنذ زمن في سلة مهملات السياسة الإسرائيلية، وبالتالي فهذا الوثيقة تعكس "أوهام" هؤلاء الأشخاص فقط، وهي لا تمت بأي صلة للموقف الفلسطيني الرسمي ولا الشعبي بل وأكثر من ذلك لقيت هذه الوثيقة وغيرها من المبادرات السابقة معارضة غير مسبوقة، فقد شجبتها كافة الحركات والأحزاب والقوى المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية،ورفضت بالتأكيد من قبل الحركات الإسلامية.
من هنا فوثيقة جنيف ليست وثيقة فلسطينية يعتد بها بأي شكل من الأشكال، بل هي وثيقة أصحابها شخصيا، ونحن ندرك أن أي وثيقة حتى تسمى " وثيقة فلسطينية " يجب أن يتم الموافقة عليها من قبل اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي والمجلس الوطني، وهذا أمر لم يحدث مطلقا، ولو حصل لا سمح الله فإنه سيقوض الأساس الذي قامت عليه منظمة التحرير الفلسطينية، بالتالي فمن المتوقع والمأمول أن لا يتم النظر لوثيقة جنيف بأي شكل من الأشكال من قبل القمة العربية، لأن إقرارها عربيا يتطلب كما قلنا موافقة الشعب الفلسطيني عليها، وبشكل أكثر دقة موافقة كل لاجئ فلسطيني، لأنها تمس بحقه الفردي بالعودة والتعويض عن الألم والمعاناة التي عاشها منذ العام 1948، ولأن قضية اللاجئين كذلك لها امتداد إقليمي لا يمكن القفز عنه، وفي ذات السياق يجب أن لا يتم غض الطرف عن اللاجئين أنفسهم وحقوقهم وديناميكيتهم التي لن تتوقف ولن تهدأ ولن تتراجع إلا في حال الحل العادل لقضيتهم.
مشروع اللاجئين (العودة )
أي مشروع ثوري أو فكري أو حضاري أو تاريخي بحاجة لمن يحمله، ونعرف أن "حملة المشاريع" التاريخية الكبرى والصغرى ربما يكونوا أحزابا أو طبقات أو شرائح اجتماعية أو جيش أو مؤسسات أو حكومات أو دول، وبالنسبة للاجئين فإن مشروعهم هو العودة كحق، وهذا المشروع الحقوقي والنضالي والتاريخي لديه "حملة" وهم اللاجئين أنفسهم، وأيضا فهو مشروع منظمة التحرير وفصائلها ومشروع الحركة الإسلامية، ومشروع بدأ يأخذ طابعا مؤسسا عبر تشكيل لجان الدفاع عن حقوق اللاجئين في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وأوروبا والولايات المتحدة، وحول هذا المشروع يلتف ملايين اللاجئين في كافة أماكن تواجدهم، ولكن السؤال الكبير المطروح هو من هم حملة مشروع وثيقة جنيف ؟، ويجب أن نسأل أصحاب وثيقة جنيف ذوي الطموحات المغمورة والخطرة في آن، لماذا لم يحظوا بأي موافقة من أي حزب أو حركة أو طبقة أو منظمة أو لجنة أو مركز أو جمعية أهلية على مبادرتهم، هل لأنهم جاءوا بمبادرة لا ترتقي لمستوى الحقوق الفلسطينية، أم أن هناك خللاً ما لا يدركه إلا حفنة من البشر وقعوا على شيء لا يملكونه أصلا، ولم يخولهم أحدا بالتحدث حوله أو العبث به، وأين أقوالهم في بداية الأمر من أن هذه الوثيقة ما هي إلا مجرد تكتيك سياسي، من أجل إحداث شرخ داخل الموقف الإسرائيلي، هل حقا أحدثت الوثيقة هذا الانقسام والصراع داخل هذا الموقف الإسرائيلي، أم أن الشرخ قد حدث في الصف الفلسطيني، ولماذا يحاول البعض أن يجعل من هذه التكتيكات الهشة استراتيجية عربية، مع علمهم الأكيد بأن لا أحد هنا في فلسطين قادر على هضمها.
أخيراً: ديناميكية اللاجئين
منذ أن ترددت الأخبار حول نية دعاة وثيقة جنيف الطلب بأن تتبنى القمة العربية وثيقتهم استشعر اللاجئون ولجانهم وقواهم ومؤسساتهم لأهمية التصدي لهذا التوجه، وإيصال صوت اللاجئين أنفسهم لأصحاب القرار الرسمي العربي الذين سيجتمعون في تونس، من هنا كان تحرك اللاجئين لعقد جلسة طارئة ضمت كافة مؤسسات ولجان اللاجئين في الضفة الغربية،كاتحاد مراكز الشباب ولجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين واللجان الشعبية للدفاع عن حق العودة في بيت لحم وطولكرم ورام الله ونابلس، وفعاليات أخرى رسمية وشعبية وشخصيات ومفكرين وباحثين، حيث تم إقرار مبدأ تشكيل اللجنة الوطنية العليا للدفاع عن حق العودة كمنسقة لجهود اللجان الفاعلة في إطار اللاجئين والمخيمات، وتنظيم سلسلة فعاليات لتأكيد حقوق اللاجئين وخاصة حقهم بالعودة والتعويض كحقين متلازمين والتأكيد على أن حق العودة هو حق فردي وجماعي تاريخي وقانوني وإنساني لا يسقط بالتقادم ولا يمكن التنازل عنه أو مقايضته لأنه حق من حقوق الإنسان ومكفول في المواثيق والقرارات الدولية وخصوصا القرار 194، وقد أكد المجتمعون على ضرورة أن يتم إرسال رسالة عاجلة للقمة العربية من أجل توضيح موقف اللاجئين أنفسهم ومطالبة القمة العربية الثبات على المواقف الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني ودعم مقاومته وصموده، وعدم الالتفات الى الدعوات الهامشية الصادرة هنا أو هناك.
إن اللاجئين الفلسطينيين يدركون جيداً بأن القمة العربية لن تحرك جيوشاً نحو فلسطين من أجل تحريرها، ولكنهم في ذات الوقت لم يفقدوا الأمل في كون الأمة العربية العمق الحيوي لقضاياهم العادلة رغم حالة الإحباط واليأس وقلة الحيلة. |