|
لاتكاد تنكسر حدة تفاعل وانفعال الأوساط الدولية والإقليمية والعربية مع ما تطرحه الإدارة الأمريكية من مشاريع وتطلعات تتعلق بالمنطقة ومستقبل الأوضاع فيها، حتى تعود تلك الإدارة من جديد لتطرح مشاريع وتصورات أخرى تأتي استكمالاً واستتباعاً للسياسة الأمريكية وإستراتيجيتها اتجاه المنطقة، الأمر الذي يعيد تلك الأوساط مرة أخرى إلى التفاعل والانفعال مع ما هو مطروح من أجندات آنية ومستقبلية، دون أن تتمكن من هضم ما تقدم طرحه سابقاً وبلورة ردود الفعل وبناء الرؤى بصورة كاملة وشكلا نهائي اتجاهه .
فبعد قضية تغيير المناهج الدراسية في الدول العربية، التي ضغطت الإدارة الأمريكية باتجاه تنفيذها ولا زالت، على اعتبار إن تلك المناهج تشكل بيئة خصبة وعاملاً من عوامل التحريض على الإرهاب كما تدعي واشنطن ، وهو الأمر الذي أسس لخلق تجاذبات كبيرة على الساحة العربية بمستوياتها المتعددة والمختلفة ، تراوحت بين أخذ ورد، وانصياع ورفض، لتفاوتت ردود الفعل وتتمايز بطرق وأشكال عجزت عن إنتاج مواقف نهائية من تلك القضية حتى اللحظة الراهنة التي أثقلتها الإدارة الأمريكية من جديد بمشروع آخر جاء ضمن سياق استراتيجيه التغيير الأمريكية التي باتت تعرف باسم دمقرطة المنطقة وإدخال الإصلاحات عليها، وهو ما كان سبباً في استيلاد واستدعاء ردود فعل مختلفة من قبل النظم والنخب السياسية العربية، كما هو الحال عليه أيضاً مع الحراك الشعبي الذي رفضت جميع أطيافه الدمقرطة والإصلاح الإسقاطي، المُصدر من قبل الإدارة الأمريكية التي دخلت اليوم مرحلة غير مسبوقة من التغول والتوحش، شكل الافتراس بمفاهيمه المادية والمعنوية سمة من سماتها الأساسية، وأصبح أداتها وآليتها الرئيسية في التعامل مع الدول والكيانات المختلفة التي من الممكن أن تشكل في منهجها وأداءها العلمياتي اعتراضات وممانعات في وجه المخططات والاستراتيجيات الأمريكية التي لا تريد خروجاً عن النص أو تغريداً خارج السرب من قبل أحد.
فهاهي مبادرة الشرق الأوسط الكبير المطروحة للتداول اليوم عبر القنوات الإعلامية، والمقرر الإعلان عن تفاصيلها ومنطلقاتها وأهدافها من خلال قمم ثلاث ستعقد في شهر حزيران القادم، هي قمة الدول الصناعية الثماني في أتلانتا في الولايات المتحدة، وقمة الاتحاد الأوروبي في بلجيكا، وقمة حلف شمال الأطلسي في اسطنبول. وقد حددت واشنطن الحيز الجغرافي لذلك الشرق الأوسط الكبير من أقصى شمال أفريقيا وصولاً إلى عمق آسيا؛ حيث يشمل المغرب ثم يمتد شرقاً إلى الجزائر، ومصر، وبلاد الشام، والعراق، والخليج، والجزيرة العربية، وإيران، وتركيا، وأفغانستان، وجمهوريات آسيا الوسطى، وباكستان وأندونيسيا؛ أي أن ذلك الحيز يشمل جميع العالم العربي والإسلامي تقريباً.
وقد قدر لذلك المشروع أن ينتج أنواعاً مختلفة من التجاذبات و يؤسس لعدد من التداعيات المتنوعة، بسبب الحضور الواسع الذي تمكن من تحقيقه على الساحة العربية التي تشهد اليوم اهتزازات بنيوية كبيرة تعود إلى المتغيرات الجيوسياسية الراهنة التي تبلورت في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق، ذلك الاحتلال الذي شكل عوامل ضغط كبرى على المواقف العربية التي أصبحت في ظله عرضة لحالات من الاستلاب والابتزاز الأمريكي الذي تمكن من أن يقود بعضاً منها إلى التوجه نحو رسم الخطوات وتحديد الأولويات وفقاً للمصلحة الآنية والقطرية التي تتبدى بحدة في ظل التشظي الراهن للموقف العربي المشترك الذي يدلل عليه التراجع الملحوظ والانكفاء الملموس للأداء العربي بمستوياته العامودية والأفقية الذي أصبحت جل أطره منفعلة وليست بفاعلة، مغيبة وليست بغائبة، مكبلة وليست بقادرة ، وكل ذلك بسبب تراكمات سابقة في مسيرة العمل العربي المشترك من جانب، وبسب الظروف الحالية بمختلف تداعياتها وإرهاصاتها من جانب آخر، مما يؤدي في النتيجة والمحصلة النهائية، وعند مأزقية اللحظات الراهنة واستحقاقاتها الخطرة، إلى غياب الاستراتيجيات الواضحة والصلبة في التعامل مع المستجدات المتواترة والمتلاحقة التي تشهدها منطقتنا، تلك المستجدات التي تنطوي على أخطار محدقة تهدد الكيانية العربية بشكل كبير وغير مسبوق يمكن أن تعرضها إلى التفكك الدراماتيكي إذا بقيت الأمور والأوضاع الحالية خارج سياقها الصحيح، وإذا لم تبادر النظم العربية إلى الارتقاء بأدائها إلى مستوى التحديات الراهنة والخروج من المواقف الضبابية والابتعاد عن الذاتية والغائية الفردية التي يعتقد البعض أنه سيتمكن من خلالها من المحافظة على كيانيته القطرية عبر الابتعاد عن مواجهة الاستحقاقات الحالية بأطر واستراتيجيات جماعية تتغلب فيها المصالح العامة على المصالح الخاصة.
إن الإدارة الأمريكية ترى في مبادرة الشرق الأوسط الكبير، مدخلاً وآلية مناسبة لتفكيك النسيج العربي والإسلامي وإعادة تركيبه من جديد بعد إدخال مكونات جديدة في صلب تركيبته الحالية التي شكلت غالبيتها العظمى ولسنوات طوال انغلاقاً في وجه بعض تلك المكونات الجديدة بسبب تناقضها واغترابها عنها، ونعني هنا بالتحديد إسرائيل التي تريد استغلال الظروف القهرية الطارئة لأبعد مدى اعتقاداً منها أنها ستتمكن من تحقيق أهدافها الإستراتيجية التي يتمثل جزء كبير منها في مركزة دورها في المنطقة والنتائج التي يمكن أن تتحقق لها وتجنيها من وراء ذلك ، إذ هي تعمل على الاستفادة من اللحظة الراهنة بكل قسوتها المباشرة على الجانب العربي لفرض ما تريده عبر الولايات المتحدة التي لا تجد من جانبها ضيراً في ذلك طالما أنها تعتبر نفسها قد أصبحت شريكاً مباشراً يمتلك الحق و القدرة على رسم مستقبل العالم العربي والإسلامي وفقاً للإيقاع والمنظور الذي تحدده ، فلذلك هي تبحث عن الآليات المناسبة التي تستطيع من خلالها أن تصادر ذلك المستقبل وتوظيفه في خدمة مصالحها ومصالح إسرائيل التي لم ولن توفر جهداً يقودها إلى ذلك ، فقد طرح شيمون بيرز سابقاً مشروعه الذي عرف بالشرق الأوسط الجديد في العام 1993، والذي تضمنه كتابه الذي حمل نفس الاسم، حيث راح يروج لذلك المشروع على أنه القادر على الوصول إلى السلام بين إسرائيل وجيرانها، وإلى خلق مناخ لإعادة تنظيم مؤسسات الشرق الأوسط وإلى نوع جديد من التعاون، معتبراً إن النظام الإقليمي مفتاح السلام والأمن، وسوف يشجع الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والتطوير القومي ورفاهية الأفراد. وإن إقامة السلام تتطلب ثورة في المفاهيم وإن هدف إسرائيل النهائي هو خلق مجتمع يربط بين مجموعة من الدول بسوق مشتركة وهيئات مركزية منتخبة على غرار الدول الأوروبية. وقد عبر بيرز بقوله أن معالم النظام الجديد يجب أن تقوم أولاً وقبل كل شيء على هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي ومستعد لأخذ مكانه في العصر الجديد العصر الذي لا يطيق المتخلفين ولا يغفر للجهلة. وقد كان بيرز بتلك الطروحات يسعى نحو استثمار الأجواء الدولية والعربية التي كان يخيم عليها آنذاك نوعاً من أنواع التفاؤل في إحلال السلام في المنطقة بعدما توصل الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني إلى اتفاقيات أوسلو التي شكلت محطة سوداء في تاريخية الصراع العربي الإسرائيلي لما تضمنته من بنود واشتراطات مرفوضة من قبل أبناء الشعب الفلسطيني، الذين فجروا فيما بعد انتفاضتهم الباسلة التي كانت رداً طبيعياً على الممارسات الإسرائيلية السياسية التفاوضية، والعسكرية العملياتية، تلك الممارسات التي أكدت هروباً كاملاً من استحقاقات السلام، وجنوحاً كاملاً نحو التصعيد الخطر تنفيذاً لاستراتيجيه إبادة الشعب الفلسطيني التي نرى ونلمس منها أشكالاً وصور مختلفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة بسبب العدوانية الإسرائيلية المستمرة، تلك العدوانية التي لا تلقى من الولايات المتحدة أية إدانة، بل على العكس من ذلك تلقى التشجيع والتغطية الكاملة في الميادين والمحافل الدولية.
ومن جانب آخر فقد كان المستشرق اليهودي برنارد لويس أول من طالب برسم خريطة جديدة للشرق الأوسط معتبراً إن انهيار الاتحاد السوفييتي وفر الأجواء المواتية لتبديل المعالم السياسية والجغرافية في منطقة الشرق الأوسط. وكتب في مجلة فورين افيرز، خلاصة تصوراته لعناصر النظام الإقليمي الجديد. ومما قاله ان اختفاء حدود الاتحاد السوفييتي يتجاوز كل التغيرات الأخرى لأنه يرسم شكل المنطقة ومستقبلها لفترة طويلة. ثم تحدث عن الهزائم التي أسقطت فكرة الوحدة العربية والقومية العربية والنظام العربي مستنتجاً من كل ذلك أن دول الشرق الأوسط دخلت في حالة مشابهة لحالة دول أمريكا اللاتينية: حيث هناك كما يقول لغة واحدة وثقافة وتاريخ واحد ودين واحد، مقابل سياسات ومصالح مجزأة وغير موحدة أي أنه اتخذ من الانقسامات العربية بعد حرب الخليج الثانية فرصة مواتية لتنفيذ المشروع القديم الجديد ليجعل من هذه الأسباب حجج ودلالات على أن النظام العربي القائم انتهى ولا بد من أن يقام النظام الجديد الذي ينقذ المنطقة من الفقر والبؤس ويحل التناقضات والمشاكل الإقليمية في التنمية وغيرها. بحيث يجعل إسرائيل هونغ كونغ الشرق والجسر المتحكم بالتجارة والاقتصاد والسياحة وتسويق النفط الذي يسيل له لعاب شركات ودول .
إن مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي يجري الحديث عنها اليوم تحمل وحسبما رشح عنها من معلومات، الكثير من الشعارات البراقة، وتتصدى للكثير من المسائل الحساسة التي تشكل مطلباً حقيقياً لقطاعات واسعة من الجماهير العربية، مثل إدخال الإصلاحات وتمكين المرأة من أخذ دورها كاملاً في عملية النهوض المجتمعي، وحماية حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية، إلا إن تلك المبادرة تغفل تماماً أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة المتمثلة في الصراع العربي الإسرائيلي وغياب الآليات المناسبة التي تكفل إنهائه بشكل عادل ومناسب يضمن إعادة الحقوق لأصحابها الشرعيين ، كما أن تلك المبادرة تستند إلى الرؤية الأمريكية القاصرة عن الإلمام بظروف المنطقة الحسية والموضوعية، وهو الأمر الذي يتأكد في العراق الذي أريد له أن يكون مثالاً وأنموذجاً للديمقراطية ومنارة لها في المنطقة، إلا أنه وبفضل السياسة الأمريكية تحول إلى حالة خطرة من الانفلات الأمني التي كان لها تداعيات كثيرة على كافة المستويات العراقية التي غاب عنها المشهد الديمقراطي برمته، وحل مكانه المشهد الفوضوي والدموي بمختلف ملامحه وتفاصيله . والمبادرة تنطلق كذلك من منطلق التغيير الخارجي عبر تجليات القوة وهيمنتها الطاغية دون العودة لأصحاب العلاقة والتشاور معهم فيما يخصهم من أمور ، وكأنهم لازالوا قاصرين ويحتاجوا لمن يأخذ بيدهم حتى يبلغوا سن الرشد الديمقراطي الذي تحدد عتباته وملامح بلوغه الإدارة الأمريكية التي باتت مسكونة وبشكل كبير بهاجس تصدير الديمقراطية . تلك الديمقراطية التي تم مقاربة بعض مسبباتها وبعض مبرراتها الأمريكية، والتي تريد الإدارة الأمريكية نشرها أما بالتعاون مع الدول التي تبدي استعدادها للاستجابة لها والخضوع لمتطلباتها الضرورية كما تحددها تلك الإدارة ، أو بالإكراه من خلال استخدام القوة التي يلوح بها ضد الدول التي تمانعها وترفض الخضوع لشروطها، والشطر الأخير من المعادلة السابقة يتنافى تماماً مع أبسط قواعد الديمقراطية التي يجب أن تقوم على الحوار وإقناع الآخر بالقبول والموافقة على الأفكار المطروحة أو ترك حرية الرفض له دون تعريضه لأي ضغط ومن أي نوع كان ، وإلا أصبح الأمر هنا ممارسة فعلية لديكتاتورية يتهم الآخر بممارستها، كما إن الديمقراطية كنظرية ذات طابع سياسي واجتماعي ، وكغيرها من النظريات والتنظيرات الفكرية التي يزخر بها علم الاجتماع السياسي تحمل طابع الخصوصية الذي لا يقبل مبدأ التعميم في الكثير من الأحيان بحكم اختلاف الظروف الذاتية والموضوعية من مكان لآخر ومن دولة لأخرى ومن مجتمع تختلف أنساقه في مكوناتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والعقائدية عن مجتمعات أخرى لها مشاكلها الخاصة وأفكارها ومعتقداتها وعاداتها المختلفة ، الأمر الذي يجعلها غير قابلة للاستنساخ عاجزة عن النمو والتمظهر في تجليات واحدة في الأماكن المتباعدة والمتنوعة ، فالديمقراطية الغربية هي نتاج حراك مجتمعي تفاعلي شق طريقة بقوة ومنذ زمن بعيد نحو تجذير وترسيخ أشكال متنوعة من الأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ، في إطار امتلك هامشاً واسعاً من الحرية الحامل الأساس للديمقراطية، والتي أن ماغابت أو صودرت أو شوهت أصبحت ديمقراطية شكلية وصورية ، تلامس الأشكال والظواهر دون أن تتمكن من النفاذ إلى الجوهر والمضمون .
إن الديمقراطية الأمريكية المقترحة والتي يجري الدعاية لها اليوم في منطقتنا وعبر منابر عده والبعض منها للأسف عربي ، هي ذريعة أخرى من ذرائع السياسة الأمريكية بصورتها الجديدة المعدلة والمنقحة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتي أصبح من أهم مميزاتها شرعنه التدخل في شؤون الدول الأخرى والعمل على مصادرة سيادتها. فوزير الخارجية الأمريكي كولن باول يرى إن الشرق الأوسط تحكمه أنظمة سياسية مغلقة ومنغلقة على ذاتها ، تكافح حسب زعمه مؤسسات المجتمع المدني، ويرى أن منطقتنا تسودها لغة قوامها الكراهية والاستبعاد والتحريض على العنف . ومن جانب آخر يرى إن الانفتاح الاقتصادي لا بد أن يترافق مع أنظمة سياسية منفتحة ، فلذلك يجب تعميم الرعاية الأمريكية التي تمنحها مبادرة الشراكة الأمريكية مع الشرق الوسط والتي كان اقترحها في أواخر عام 2002، حيث رأى أنه المطلوب من العرب أن يعيدوا النظر في مواقفهم السياسية إزاء الأحداث المتلاحقة التي تتعرض لها المنطقة ، كما المطلوب منهم إعادة هيكلة قطاعاتهم الاقتصادية والتعليمية والثقافية من أجل أن تستجيب لتعميم نمط الحياة الأمريكية القائم على البراغماتية، متهماً المجتمع العربي بعدم المساواة بين الرجل والمرأة وغياب مبدأ تكافؤ الفرص أمام الجنسين .
إن ما تقدم هو اختزال وتلخيص للرؤية الأمريكية لواقعنا العربي ، وهي رؤية القصد منها جعل منطقتنا عرضة للتدخل في أدق جزئياتها وجميع مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والتراثية ، فمشروع الدمقرطة الأمريكي يقوم بمطالبة العرب بإعادة النظر بكل شيء، في منظومتهم الفكرية والعقلية وحتى العقائدية وعليهم صياغتها وإعادة إنتاجها من جديد لكي تتوافق مع الرؤى والتطلعات الأمريكصهيونية، فمناهج التعليم العربية تشكل خطورة عندما تؤكد إن إسرائيل معتدية ومغتصبة للحق العربي كما إن تكريس المبادئ القومية في تلك المناهج هو أمر مرفوض لأنه يتعارض ونوايا واشنطن اتجاه المنطقة، التي لا يمكن لعاقل أن يعتقد ويصدق أنها تسعى لنشر الديمقراطية في ربوعها، حيث يؤكد التاريخ القريب المعروف على أن الولايات المتحدة استخدمت سلاح الديمقراطية عندما كان هذا السلاح يتماشى مع مصالحها كما كان هو الحال في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، كما استخدمت سلاح الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية والحكومات المطلقة الأبوية والاستبدادية عندما كان ذلك يتماشى أيضا مع هذه المصالح كما حصل في دول آسيوية وأميركية لاتينية وعربية أو شرق أوسطية عديدة خلال العقود الماضية. إن موقف الولايات المتحدة من الديمقراطية موقف براغماتي تابع لمصالحها ونابعاً منها فقط. وفي هذه الحالة يجب معرفة وجهة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط للسنوات القادمة وإلى أي حد يلتقي تحقيق هذه المصالح مع غاية التحول الديمقراطي للنظم السياسية العربية. والسؤال الثاني الذي لا يمكن أن ينفصل عن الأول هو معرفة ماذا تقصد الولايات المتحدة بالديمقراطية؟ هل هو إقامة نظم سياسية تمثيلية تعكس بالفعل الإرادة الجمعية أو السيادة الشعبية في البلاد العربية وتقود إلى سيطرة المجتمعات على مصائرها التاريخية أم هو إقامة واجهات تمثيلية شكلية عبر انتخابات كرنفالية ، بمعنى آخر هل تريد إقامة نوع من التعددية التي تسمح للأفراد بحد أدنى من التعبير الحر عن الرأي ومن التنظيم والتنافس على مناصب المسؤولية تختلف كثيرا عما هو سائد من احتكار للسلطة ومصادرة حق التعبير والتنظيم والمشاركة والمنافسة على مناصب المسؤولية من قبل فئات محدودة أصبحت سيطرتها الأحادية شبيهة بعملية سطو مسلحة على العباد والبلاد ومواردهما الرئيسية. من المؤكد إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تفكر في الشرق الأوسط والعالم العربي إلا انطلاقاً من عدة مصالح ودوافع من أهمها:عدم ترك أهم احتياطيات النفط في العالم تحت سيطرة شعوب أو أنظمة عربية غير مضمونة لا في مواقفها ولا في استقرارها، تأمين كل ما من شأنه أن يكسبها الحرب ضد الإرهاب الذي تروج أن ظاهرته متجذرة في الأرض العربية، تجريد المنطقة أو الدول العربية بالأحرى من أسلحة الدمار الشامل التي تملكها حتى لا تبقى خطرا كامنا على إسرائيل وأخيرا توطين إسرائيل نهائيا وترسيخ جذورها في التربة الشرق أوسطية وتأمين القبول بها والتعامل الطبيعي بينها وبين الشعوب العربية، ومعاداة كل محاولة تكتل عربية تهدد بتغيير جيوسياسة المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية، هذه الأهداف هي من جملة الأهداف والدوافع التي توجه السياسة الأميركية وتحدد خطواتها اتجاه العالم العربي . ومن هنا وتأسيساً على ما تقدم يجب أن لا يفكر أحد في الاتكاء على الرؤية الأمريكية للتغيير أو يطالب بالانتظار حتى يطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير بكامل تفاصيله ومن ثم يتم الحكم عليه كما يرى البعض، بل يجب العمل على تفكيك تلك الرؤية وتعرية جوانبها تعريةً كاملة ً، لأن ذلك المشروع لا يمكن أن يكون مشروعاً خيرياً تريده وتديره الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية والإصلاحات في منطقة، هي المسئول الأكبر عن تردي الأوضاع فيها بالصور والأشكال التي نعرف، حيث لا تكف الأصابع الأمريكية عن اللعب والتلاعب في الكثير من الشؤون العربية الخاصة والعامة تحت مسميات وشعارات مختلفة هي بعيدة كل البعد عن الأهداف الحقيقية الكامنة ورائها، والتي لا يمكن أن تحمل في مضامينها أملاً ينتظر أو خيراً يرتجى. |