|
تشكل عملية أسدود الاستشهادية –ولا شك- ضربة مذهلة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، سواء لجهة مكان التنفيذ، الميناء الاستراتيجي المحروس جيداً على مدار الساعة، أو لجهة حقيقة أن المنفذين خرجا من قطاع غزة، المحروس هو الآخر جيداً من خلال الأسيجة الإلكترونية الإسرائيلية المحيطة به إحاطة السوار بالمعصم، وهناك حقيقة ثالثة لا بد من الإشارة إليها والتنويه بها وهي أن المنفذين شابان صغيرا السن لم يتعد عمرهما ثمانية عشر عاماً، استطاعا اختراق كل الحواجز والعوائق، وتمريغ أنف الأمن الإسرائيلي في التراب. وإذا كانت العملية قد أشبعت بحثاً وتحليلاً، فإننا نود في هذا المقام استرجاع بعض الشهادات التي وردت خلال انتفاضة الأقصى حول تأثير العمليات الاستشهادية في أراضينا المحتلة عام 1948 على المجتمع الإسرائيلي المرعوب. من هذه الشهادات ما ذكره إيهود يعاري كبير معلقي الشؤون العربية في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، عندما سخر على الملأ من الذين يدّعون أن العمليات الاستشهادية تعبير عن اليأس، وقال "إنها تعبير عن الأمل الذي يحدو الفلسطينيين بالتخلص من الاحتلال". وهناك شهادة أخرى للمعلق الإسرائيلي حامي شليف، الذي قال "إن عمليات المقاومة بشكل عام وبالأخص العمليات (الانتحارية) عملت على تحطيم الإجماع الوطني الصهيوني المساند للاحتلال، ولفت النظر إلى أن العجز عن وقف تلك العمليات فتح باب الجدل في إسرائيل على مصراعيه حول الإضرار المأساوية الناجمة عن استمرار الاحتلال". وهاتان الشهادتان أوردهما الأستاذ فهمي هويدي في مقال له نشره قبل فترة، واستهجن فيه تسليط وتركيز الهجوم بين حين وآخر من قبل بعض الأقلام الغربية والعربية على العمليات الاستشهادية في فلسطين.
وإذا كان الفضل ما شهدت به الأعداء، فإننا نقول أن المقاومة هي الأمر الوحيد الذي كان له الفضل في تبلور القناعة في المجتمع الإسرائيلي بمختلف مكوناته، بأن لا سبيل للتخلص من (ضغط وعبء) الفلسطينيين إلا بالانفصال عنهم والتخلص منهم. فها هو شارون منهمك في الحديث عن خطة الانفصال وتفكيك مستوطنات القطاع، رغم أنه في الصيف الماضي كان يشيد بالأهمية الأمنية للوجود الإسرائيلي في قطاع غزة، ويعتبر أن الانسحاب أحادي الجانب في ذروة (الحرب ضد الإرهاب) يشكل تشجيعاً لهذا (الإرهاب).
وهذا الكلام يناقض بشكل كامل كل الادعاءات التي يسوقها البعض بين الحين والآخر (على سبيل المثال مروجو بضاعة جنيف وما شابه) من أن المقاومة (وتحديداً الاستشهادية) تتسبب بتوحيد المجتمع الإسرائيلي خلف حكومته اليمينية، فهذا ما قد يُفهم من ظاهر الأمور، لكن الحقيقة أن المقاومة والصمود الفلسطينيين عملا على تفتيت ذلك المجتمع، وزرع بذور الشك في دولته ومستقبله، وثار النقاش من جديد حول عقدة الشرعية التي يعاني منها الإسرائيليون بشأن وجودهم في هذه الأرض، وهو الأمر الذي لا يعاني منه الشعب الفلسطيني صاحب الحق في الأرض، رغم كل ما تعرض له هذا الشعب من قمع شرس منفلت من كل عقال.
ولعل أمانة الشهادة وطهارة دماء الشهداء وعظم تضحياتهم، تدفعنا في هذا المقام إلى إيراد مزيد من الشهادات حول أثر المقاومة. ففي تقريري نشرته صحيفة الديلي تلغراف اللندنية بعنوان "الرحيل من إسرائيل" خلص هذا التقرير إلى أن "فكرة الهجرة من إسرائيل، البلد الذي أنشأ على الهجرة، لم تكن معروفة حتى عهد قريب، ففي الماضي كان مجرد الاقتراح بالهجرة يعتبر خيانة، والآن يبدو أن الناس أصبحوا أكثر انفتاحاً بهذا الشأن". وفي مقالة للصحفي الإسرائيلي يسرائيل هرئيل نشر منذ فترة في صحيفة هآرتس عنوانها "الانتحاريون، السلاح الفلسطيني غير التقليدي"، يقول هذا الصحفي بالحرف الواحد: "حرب الانتحاريين ليست حرب اليأس بالنسبة للعرب. من يدعي ذلك إنما يبحث لنفسه عن وسيلة لتبرير مواقف العدو وتحميلنا مشاعر زائفة بالذنب". ويضيف قائلاً: "هذا السلاح الذي يزرع الإرباك والخوف والشعور بالاختناق ومشاعر اللامخرج، والذي لا يوجد لدى الجيش الإسرائيلي حل مضاد له في إطار المعايير التي تشكل جزءاً من جوهره وكينونته". ويصل الأمر بهذا الصحفي إلى اعتبار أن "إرهاب الانتحاريين" على حد وصفه، هو سلاح يفوق في نجاعته أي سلاح آخر يمكن للعرب أن يستخدموه".
وأخيراً، وليس آخراً، نشرت مجلة (فورين ريبورت) اللندنية تقريراً مطولاً لـ"غال لوفت" الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي، اعتبر فيه أن "الانتحاريين" هم قنبلة الفلسطينيين الهيدروجينية، وأن هذه القنبلة استطاعت بأعجوبة موازنة البراعة الإسرائيلية الفائقة في المجال التكنولوجي والهيمنة العسكرية التقليدية.
ولئن قال قائل بأن ليس هناك من نتائج وثمار ملموسة لهذه المقاومة، فإننا نقول أن الخلل لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال في المقاومة، وإنما في أولئك الذين يفتقدون للمنهج والرؤية الواضحة في التعامل مع الدولة العبرية، ولا يتحركون إلا وفقاً لردود الأفعال الخائبة، ويجلسون بانتظار معجزة التدخل العربي والدولي. ناهيك عن أن أي انسحاب إسرائيلي محتمل من جانب واحد من غزة، هو في المحصلة اندحار وتراجع في الموقف الإسرائيلي بشكل عام، سببه الوحيد استمرار مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.
وكما قيل –وبحق- فإن المقاومة الفلسطينية ليست خيار الشعب الفلسطيني بقدر ما هي قدره المكتوب، طالما الاحتلال مستمر في صلفه وعنجهيته، وطالما العجز العربي والتواطؤ الأمريكي الغربي على أشده، ولا مفر عندها من رؤية الأمور على حقيقتها ووضعها في نصابها، حتى لا نصاب بفقدان التوازن، وبعمى البصر والبصيرة. |