|
ماذا تعني معادلة الشهادات؟ سؤال يجب أن تسبق إجابته أي ممارسة حقلية للمعادلة. إن عملية تحديد المفهوم مقدماً ضرورية، حتى لا نفقد الرؤية أثناء الممارسة. الممارسة يجب أن لا تخرج عن إطار المفهوم. إطار المفهوم يعني تعريفه وضم المفاهيم المرتبطة به بالضرورة، وإخراج المفاهيم المرتبطة به تعسفياً. الربط التعسفي هو الربط الذي لا يمكن تسويغه على أسس علمية أو مهنية تخصصية.
لكل بلد سلم تعليمي خاص به يتوقف على طبيعة النظام التعليمي لهذا البلد أو ذاك. ولا يعني ذلك بالطبع أن يكون النظام التعليمي لبلد ما هو من ابتداع ذلك البلد، فقد يكون مجرد مستنسخ ممسوخ من نظام آخر. والسلم التعليمي لأي بلد يعطي في الوسط شهادة مُرتَكَز لعبور مفترق طرق عليه.
النظام التعليمي في فلسطين يبدأ بالابتدائية وإنهاؤها هو أول مرتكز عبور أي مفترق طرق على السلم التعليمي الفلسطيني، ثم الإعدادية التي تنتهي بشهادة تسمى الكفاءة كمفترق طرق تعليمي تالي، ثم الثانوية التي تنتهي بالتوجيهية. إنهاء التوجيهية على سلم التعليم الفلسطيني يحتاج إلى اثنتي عشرة سنة دراسية.
في النظام الألماني يبدأ بمدرسة الشعب (Volksschule)، التي تعتبر أول مرتكز أو مفترق طرق تعليمي على السلم الألماني، التي يتفرع منها إلى المدارس المهنية أو التعليم العام. وإذا اتجه الطالب للتعليم العام، فيذهب إلى المدرسة التأسيسية (Gymnasium)، ليحصل في النهاية على التوجيهي الألماني (ِAbitur)، الذي يتطلب ثلاث عشرة سنة دراسية من بداية دخول المدارس.
وتحتاج عملية انتقال درجة كمضمون (أو الشهادة كشكل) من سلم نظام تعليمي إلى سلم نظام تعليمي آخر إلى معايرة. يطلق عليها معادلة الشهادة. أي أن معادلة الشهادة تعني ايجاد المستوى المكافئ لدرجة تعليمية معطاة ضمن سلم نظام تعليمي ما على سلم نظام تعليمي آخر، أو بكلمات أخرى هو تسكين شهادة نظام تعليمي ما داخل نظام تعليمي آخر.
عندما يريد الفلسطيني الحاصل على الثانوية العامة إكمال دراسته في ألمانيا، تقول له وزارة التعليم والثقافة الألمانية، إن هذه التوجيهية من فلسطين بحاجة إلى سنة دراسية إضافية حتي تعادل التوجيهي الألماني، فالثانوية العامة لدينا تستغرق اثنتي عشرة سنة دراسية، بينما التوجيهي الألماني يستغرق ثلاث عشرة سنة. من هنا تحتاج لدراسة السنة التحضيرية (المسماة Studiumkolleg).
مسألة معادلة الثانوية الفلسطينية على سلم التعليم الألماني هي مسألة تجيب عليها وزارة التعليم والثقافة الألمانية من منظور مؤسساتي، وليس من منظور فردي، وهو الأصل في عملية المعادلة. فمن غير المعقول أن تعادل الوزارة شهادة ما من جامعة بعينها لشخص ما، ولا تعادل نفس الشهادة من نفس الجامعة لشخص آخر. وهذا قد يحصل في بعض دول العالم الثالث كأحد أعراض التخلف، زيادة في حرصها على التخلف كخصوصية! فالذي لم يأخذ إذناً من الوزارة للدراسة في الخارج قبل أن يبدأ، فوزارة التربية والتعليم العالي في هذه الدول غير ملزمة للاعتراف بشهادته!!!!
عندما اعترفت مصر بالدرجة العلمية "مرشح العلم" (Candidate of Science)، التي تمنح في دول ما كان يطلق عليه بكتلة الدول الشرقية، لم يقتصر ذلك الاعتراف على اعضاء بعثتها التعليمية في هذه الدول.
هل وظيفة وزارة التربية والتعليم العالي إعادة تقويم الشهادات على مستوى فردي؟ أي تقوم بمراجعة كل بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراة وترى هل تستحق الدرجة التي يتم معادلة الشهادة بها؟ سؤال يمكن أن يحدث التباس فيه.
الاعتراف بالدرجات العلمية الصادرة عن مؤسسة تعليمية ما، يعني وبالضرورة أن الوزراة قبلت معايير تلك المؤسسة التعليمية. إجابة السؤال ما مدى تطابق شهادة بعينها مع معايير تلك المؤسسة التعليمية، هي عملية رقابية على تلك المؤسسة، وهي تدخل في عمل الجهة الرقابية في البلد الذي تتبع الجامعة له، وهو حق تلك الجهة الرقابية فقط، وممارسته هو تدخل في شؤونها.
سؤال آخر يمكن أن يتبادر إلى الذهن وهو: هل وظيفة وزارة التربية والتعليم العالي التأكد من أن شخصاً بعينة يحمل شهادة أم لا؟ لا، فهذه وظيفة الجهة التي تعينه. إضافة هذه المهمة إلى الوزارة هي إضافة تعسفية، لا يمكن ايجاد مسوغ موضوعي لها سوى الرغبة في التحكم، وهي ليست إلا إحدى صور رغبة تسلطية.
أن يكون الاعتراف مرتبطاً بحقبة زمنية هو أمر جائز؛ أي يمكن تسويغه ضمن إطار مفهوم المعادلة، فالسنة تأكد للوزارة أن مستوى جامعة ما قد انخفض، فلا يعترف بها، هو أمر جائز، لكن لا بد من إعطاء مهلة في هذه الحالة لتطبيق القرار مثلاً بعد خمس سنوات.
عندما يتم طلب بنود لخدمة عملية المعادلة، لا بد أن تخدم هذه البنود قرار المعادلة. البنود التي لا تؤثر على القرار لا لزوم لطلبها، والإصرار على طلبها هو من باب التعسف، لأنه لا يمكن تسويغ مثل هذا الإصرار. في بعض الدول يوجد سؤال في الطلب للمتقدم لاستخراج سجل تجاري، سؤال يسأل هل المتقدم متزوج، فإذا كانت الإجابة بنعم، فلا بد أن يحضر ما يثبت ذلك، وإلا كان الطلب غير مكتمل ولا يتم استلامه مع أن زواج المرء أو عدمه لا يلعب دوراً في قرار الموافقة على طلبه!!! هذا النوع من التعسف التسلطي هو أحد أعراض التخلف. |