|
لا شك ان الاتصالات والاجتماعات بين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين الجارية حاليا بكثافة كبيرة ، هي مفاوضات أمريكية - إسرائيلية لفرض تسوية من جانب واحد للنزاع في المنطقة ، وذلك بمعزل عن الشعب الفلسطيني وعن قيادته وهذا شيء يحدث لأول مرة، وخاصة بهذه الصورة من العنجهية والغطرسة .
فبعد الموافقة الأمريكية على خطة شارون لفك الارتباط، أخذت هذه الاتصالات والمشاورات المكثفة تتمحور حول تفاصيل الخطة وتأثيراتها المتوقعة على الوضع الداخلي الفلسطيني، وكذلك على الدول العربية المجاورة، وعلى مدى قدرة الإدارة الأمريكية لحشد الدعم والتأييد العربي والدولي لهذه الخطة او تحييد اية معارضة متوقعة لها على الاقل.
وهنا نستذكر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي اريك شارون التي قال فيها " ان الدعم الامريكي وما يمكن ان تقدمه واشنطن في المقابل يشكلان عوامل حيوية لخطة فك الارتباط". وهذا يعيدنا مرة أخرى الى موضوع الاتصالات الأمريكية _ الإسرائيلية والى الثمن الذي يريده شارون!
ما يريده شارون مقابل الانسحاب من غزة – وحسب اقواله- هو "خط دفاع امني جديد داخل الضفة الغربية"، يتحدد وفقه مسار سور العزل الذي يقام حاليا ويلتهم أكثر من نصف الأراضي الفلسطينية. كما انه يريد تعزيز السيطرة على الكتل الاستيطانية الرئيسة في ارئيل، وغوش عتصيون وغور الأردن وحول مستوطنتي عمانوئيل وكرني شمرون،- أي في شمال وشرق وجنوب ووسط الضفة الغربية- اضافة الى اعتراف امريكي رسمي بإجراءات ضم مدينة القدس وبأنها العاصمة الابدية لاسرائيل.
أي ان سور العزل، والكتل الاستيطانية والقدس تشكل الجزء الأساسي في خطة شارون، وهي موضوعات غير قابلة للتفاوض من وجهة نظره ويسري عليها ما يسمى بالحل أحادي الجانب. اما ما يمكن التفاوض حوله فهو الجزء الثاني من خطته او مايمكن ان يتبقى للفلسطينيين بعد ان يأخذ شارون ما يريد، مثل إقامة دولة فلسطينية محاصرة وبحدود مؤقتة ومظاهر سيادية اسمية ، كحل مرحلي لفترة غير محددة من الزمن ، وتسهيلات في المجال الاقتصادي ، وايضا تسهيلات في العبور الى كل من الأردن ومصر . وغيرها مما يسمى بالتسهيلات في المجالين الاقتصادي والانساني.
اما المفاوضات فلا يمكن ان تتم الا بعد تجاوب الفلسطينين مع شرطين أساسيين هما تفكيك البنية التحتية للإرهاب واستبدال القيادة الفلسطينية الحالية بقيادة قادرة على تنفيذ هذه المهمة. وهذان الشرطان كما هو معروف كان قد وضعهما شارون لتنفيذ المرحلة الاولى من خارطة الطريق.وحسب اقوال وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز فان الفصل احادي الجانب يبقي الباب مفتوحا امام استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على اساس خريطة الطريق. لكن هذه المفاوضات ستتأخر من ثلاث الى خمس سنوات من الآن. وهذا يعني ان هدف المفاوضات هو املاء خريطة الطريق على الشعب الفلسطيني بالشروط وبالتفسيرات وبالتحفظات الاسرائيلية الـ 14 التي وضعها شارون. وهكذا سيستقر الوضع على تسوية انتقالية دائمة تنفذها اسرائيل من طرف واحد وبإسناد امريكي حتى يثبت ان هناك شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه بعد ثلاث او خمس سنوات على بعض التفاصيل الضرورية لاخراج هذا التسوية بشكل مناسب وتجميلها وتزويقها بصورة قد تجعلها مقبولة على بعض الاوساط الفلسطينية والعربية والدولية.
بهذا المعنى فان خطة شارون لفك الارتباط هي وسيلة سيعمل من خلالها على تجميد التسوية النهائية وتكريس سياسة الامر الواقع الاحتلالي الى اجل غير مسمى ، وهو يبحث الان مع ادارة بوش حول أنجع السبل لتحقيق ذلك ، وهذا هو مضمون الاتصالات الأمريكية _ الإسرائيلية الجارية في هذه المرحلة .
لهذا يتوجب اخذ خطة شارون لفك الارتباط بمنتهى الجدية المطلوبة فهي ليست مناورة تكتيكية، كما يقول البعض او انها لعبة جديدة من لعب التحايل التي يتقنها هذا الرجل، او انه من غير المعقول ان يقوم مهندس الاستيطان بإخلاء مستوطنات مهما كانت نائية ومعزلة!
ان ما يحاول ان يطرحه شارون الآن باسم اليمين الاسرئيلي المحافظ و المتطرف، وهذا الشيء يحدث لأول مرة ايضاً، هو صياغة منقحة لمشروع الحكم الذاتي الذي طرحه مناحم بيغن قبل 25 عاما، وهو مشروع بديل لاتفاق اوسلو يتجاوز صيغة الأمن مقابل الانسحاب التي استند اليها هذا الاتفاق، وهو حل مفروض من طرف واحد وليس حلا تفاوضيا، وهو حل يتخلى عن مستوطنات في غزة والضفة مقابل الاستيلاء على أكثر من نصف مساحة الأراضي الفلسطينية بعد تطويقها بالسور العازل.
هذا هو مشروع شارون الذي يطرحه بالاستناد الى الدعم الأمريكي الكامل والى عدم فاعلية الدور الأوروبي الرسمي والى غياب الدور العربي.
لماذا الآن وفي هذا الوقت بالتحديد؟ للإستفادة من التأثيرات الاقليمية الناشئة عن الاحتلال الامريكي للعراق قبل فوات الوقت، وللإستفادة مما تصفه اسرائيل ببداية تغيرات في مواقف بعض الدول العربية، وكذلك للاستفادة من عامل الزمن الذي عبر عنه شارون بقوله " اما ان نقوم نحن بذلك الآن او ان ننتهي الى خسارة كل شيء".
ويبقى السؤال: هل سيتمكن شارون من خلال خطة فك الارتباط تجميد الحل النهائي الى اجل غير مسمى ! وهل سيتمكن من تحويل مشروعه الى حل دائم للقضية الفلسطينية ؟
هذا امر غير ممكن، وفق جميع المعايير والمواصفات وتجربة السنوات السابقة.لقد جاء مشروع شارون محصلة لفشل السياسة الإسرائيلية في تحقيق ما اعتبرته اهدافا لها خلال السنوات الاخيرة مثل فشلها في فرض حل على الشعب الفلسطيني بالوسائل العسكرية وبوسائل الضغط الأخرى، وفشلها في فرض حل مقبول على الشعب الفلسطيني لا ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية، وعدم قدرتها الابقاء على الإحتلال بشكله الحالي الى اجل غير مسمى، وفشلها في اقصاء القيادة الفلسطينية واقصاء رئيسها عن مسرح الاحداث ، او استبدالها والعثور على طرف فلسطيني متعاون . وبعد ان فشلت السياسة الاسرائيلية في تحقيق اهدافها المعلنة واستنفذت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة جميع الوسائل العسكرية وغير العسكرية في فرض حل مجحف ومنقوص على الشعب الفلسطيني، يأتي شارون الآن بخطة فك الارتباط وبالحل احادي الجانب ، لا ليصحح السياسات السابقة ، وانما ليشرع سياسة استخدام القوة وفرض الامر الواقع – بالجملة- وليقدمها وكأنها ابتكار جديد ، بينما هي في الواقع تراجع جديد.
ومقابل الجوانب السلبية في خطة فك الارتباط واخلاء المستوطنات لا بد ان نلاحظ ايضاً بوادر التراجع في المواقف الرسمية الاسرائيلية التي تحدثت باستمرار وتحديداً في العام الماضي عن امكانية الحسم العسكري وهزيمة الانتفاضة، وعن تطبيق نموذج العراق على القيادة الفلسطينية، واعتبرت العام 2003 عام الحسم العسكري والاطاحة بياسر عرفات، وتمسكت باصرار بموقف رافض لاخلاء اية مستوطنة او مستوطن واحد من دون تسوية دائمة مع الفلسطينيين .
وهذا التراجع حتى وان بدا شكليا في هذه المرحلة ، ولا يتناول مضمون سياسة الاحتلال التوسعية ، فانه ينطوي على اقرار اولي بعدم امكانية مواصلة هذه السياسة وبعدم القدرة على تحمل تكاليفها الى فترة غير محدودة من الزمن. فالتغيرات الجارية على شكل السياسة الإسرائيلية مهما كان حجمها ومداها ، فانها لا بد ان تؤثر مع مرور الوقت على مضمون هذه السياسة ، ان كان ذلك سلبا ام ايجابا.
لهذه الاسباب وغيرها نحن نقف الآن امام مفترق طرق هام وصعب، يتحدد من خلاله المسار الذي سيتم في اطاره اخلاء المستوطنات، وهل هو الاطار الذي يريده شارون أي اطار فك الارتباط وتكريس الاحتلال باسم الحل المرحلي وتحويله الى حل دائم للقضية الفلسطينية! ام الاطار الذي نريده نحن اطار قرارات الشرعية الدولية، وتحويل الانسحاب من غزة واخلاء المستوطنات، الى خطوة اولى نحو تنفيذ هذه القرارات. وستكون للعوامل الخارجية عربية ودولية والتي لا تزال معطلة حتى الآن ، تأثيرات كبيرة في إحباط مخطط شارون ، وسيلعب نهوض العامل الفلسطيني دورا رئيسا في تفعيل العوامل المذكورة ، وسيشكل النضال ضد بناء سور العزل الحلقة المركزية في بناء تحالف فلسطيني وعربي ودولي فعال لإحباط هذه المخطط.
ولا شك ان وحدة الشعب الفلسطيني وقواه المختلفة واداء قيادته ستلعب دورا حاسما في هذه المواجهة. |