|
المهم في هذا الموضوع أن نتعامل معه في غير معزل عن التداعيات والمؤثرات الدولية والقريبة منا إقليمياً، إنطلاقاً من واشنطن وصولاً إلى بغداد.
فعملية الخروج الإسرائيلي من قطاع غزة والمستوطنات المزمنة فيه لأول مرة يمكن أن تكون مسألة وقت لا أكثر!!!
فالمتطلبات الدولية تستدعي تهدئة واضحة في فلسطين وتدفع بتوطئة مناسبة للتغيرات التي ستطال المنطقة بأنظمتها في الفترة القريـبة القادمة، حيث استحقاقات فترة الإنتخابات الأمريكية تحتاج لهذه التغيرات التي تساعدها للدخول فيها والخروج منها متناغمة مع التغيرات التي ضربت بالولايات المتحدة الأمريكية وفكرها ونهجها الذي أضحى واضح المعالم والمناهج دون الإلتفات إلى كون الحاكم " ديموقراطياً " أو " جمهورياً ".
فما أسس له متطرفو الجمهوريون الذين حكموا أمريكا والعالم، تـقريباً، في السنوات القريبة الأخيرة منذ ما قبل " أحداث سبتمبر العظيمة " وحتى الآن، لا يمكن تجاوزه أو اعتباره مجرد فترة صعبة من الزمن يمكن مسحها وصياغة غيرها النقيض في فترة حكم جديدة .
ودون خوض في تفصيلات الخطة الإسرائيلية، أولاً، والمشتركة مع بريطانيا ثانياً، والمتشارك فيها أطراف مختلفة فيها مؤخراً، ومنها طرف فلسطيني، فإن سيناريو الخروج من قطاع غزة يحتاج إلى خلق أجواء مناسبة للطرف الإسرائيلي الذي يتجرع " سم الإنسحاب " بصعوبة، ولعل مثل هذه الوضعية قد تدفع بسلوك إسرائيلي عنيف وسريع وجارح إلى حد كبير لتمرير الإنسحاب العسكري على الجمهور اليهودي الذي ذهب يميناً متطرفاً ما بعده حد، فلا يرغب برؤية نموذج الجنوب الللبناني مرة أخرى، ولا يرغب الوسطاء بين طرفي الصراع في فلسطين في رؤيته أيضاً ليغيب نموذج " المقاوم البطل " من أذهان الأجيال القادمة في فلسطين وفي المنطقة كلها، في مقابل أن تبقى صورة القوة الإسرائيلية الضاربة، ودون رادع أخلاقي وقانوني لها من المجتمع الدولي، فيسقط الجدار الذي يمكن أن يستند إليه من يفكر في استقطاب الرأي العام الدولي والذي غيـبته القوى التي أضحت واقعاً حاكماً لأكبر دول العالم والموجهة لسياسات ومصائر الشعوب للسنوات القادمة .
وبهذا نجد صانعوا القرار الإسرائيلي المهووسين بالقوة، والمتشدقين بنظريات الغطرسة والعليائية مدفوعين لانتهاج درب دموي يسمح لهم بتمرير ما يخطط للمنطقة، بما فيها إسرائيل، ويسمح " لباني المعبد " (شارون) بأن يهدمه ليقدم نموذج الإنقلاب الفكري الآيديولوجي بقيادة ملوكه وأمرائه، ولا يخلو المشهد من مساندين من ذات النوع أمثال "إيهود أولمرت" وغيره الذين يتساعدون مع " المنظر العام " للشرق الوسط الجديد ( شيمون بيريس ) .
فعملية ولادة فلسطين الجديدة بدءاً بقطاع غزة ( مع تعديل) تمر بنبضات مؤلمة، وتترافق مع استخدام لمباضع جارحة تدفق بدماء الفلسطينيين إلى مسارب ترسم حدود نموذج دولتهم الجديدة، وترسم ملامح ذاكرتهم لعلها تمنعهم عن تكرار مسبباتها في المستقبل، أو على الأقل هكذا يريد صناع الذاكرة الجدد . |