|
لقد أذهلت عملية السطو المسلح التي نفذتها ببراعة العصابات اليهودية الصهيونية قادة المافيا الذين كانوا يجهلون أن هناك من ينافسهم، ويزاحمهم، بل ويتفوق عليهم في عالمهم السفلي، كما أنها أذهلت الدول المساندة للإرهاب الصهيوني (أمريكا والغرب) لا لشيء إلا لأن العصابات الصهيونية قد خرجت عن قواعد اللعبة المعتمدة لديهم، والقائمة على قاعدة ممارسة الإرهاب والإجرام ضد الشعوب المستضعفة ولكن في ظل القانون الدولي، حيث أن ما قام به الصهاينة من سطو مسلح كان مخالفا للقانون الدولي، فقد قال المحلل الاقتصادي أحمد النمري "إن انتهاك حرمة البنوك الأردنية في الضفة يمثل انتهاكا صارخاً للشرعية الدولية". ووصف بشارة دباح، المدير الإقليمي لبنك القاهرة- عمان، العملية بأنها "سطو مسلح وقرصنة وعمل بربري" مضيفاً "إنها مخالفة أيضاً لكل الأعراف والقوانين الدولية بحق بنوك آمنة تعمل وفق القانون".
ولكن الأمر لم يقتصر على الصهاينة فمخالفة القوانين الدولية قد أصبح ديدن الغرب في الآونة الأخيرة، لأن القوانين الدولية بالرغم من كونها قد فُصلت خصيصا لتمكين الغرب من رقاب المستضعفين إلا أنها أحيانا قد تحد من مطامعهم ومخططاتهم مما يدفعهم إلى مخالفتها، فلو أن أمريكا مثلا التزمت القانون الدولي لما تمكنت من تنفيذ مخططها في احتلال وتدمير العراق ونهب خيراته، ولكنها ضربت بالقانون الدولي عرض الحائط، فاستخدمت القوة الغاشمة لإشباع جشعها ولو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين التي يكفلها القانون الدولي
. كما أن الغرب لا يتوانى في وضع القانون الدولي جانبا إذا تعلق الأمر بحق المستضعفين في الدفاع عن النفس، فقد أعطى لنفسه الحق في ممارسة العدوان كما يشاء والذرائع جاهزة مسبقا، بينما صادر حق المعتدى عليهم من الدفاع عن النفس، وإن فعلوا اتهمهم بالإرهاب.
وتعتبر عملية السطو المسلح تلك وما أدت إليه من نهب للأموال تحديا جديدا للمجتمع الدولي الذي لم يقم الصهاينة له وزنا في أي يوم من الأيام، وفي ظل هذه الجريمة التي سيكون لها من الآثار ما يتجاوز حدود الشعب الفلسطيني نذكر بما يلي:
أولا: هذه ليست عملية السطو المسلح الأولى التي ينفذها قادة العصابات الصهيونية، فهم يتفاخرون في مذكراتهم بما قاموا به من سطو مسلح على البنوك في الماضي، كسطوهم على البنك العثماني في 13 سبتمبر 1946، وبنك باركليز في أغسطس عام 1947، وسرقة 27 ألف ليرة من بنك ديسكونت في 24 مارس 1947، ولذا فالسطو المسلح خلق متأصل في العقلية الصهيونية.
ثانيا: إن المتضرر الأول من عملية السطو المسلح هذه هي البنوك التي سرقت أموالها، لأن ما نهب الصهاينة هي ودائع لدى البنوك لن يتضرر أصحابها بالسطو عليها، اللهم إلا إذا أعلنت تلك البنوك إفلاسها وهذا لم يحدث، والإضرار بالبنوك بهذه الطريقة كفيل بأن يهدد النظام المالي في العالم، فلا يستبعد أن تقوم دول أخرى بما قامت به العصابات الصهيونية طالما أن العالم بات يوفر الحماية للصوص.
ثالثا: ما من شك أن بعض الضرر سيمس بالاقتصاد الفلسطيني المدمر أصلا بيد الصهاينة المحتلين، ولكن في هذه المرة يأتي الإضرار عن طريق السطو المسلح الذي من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة أمام المقاومة الفلسطينية.
رابعا: إن ما يقوم به الصهاينة والأمريكان من خرق متعمد للقوانين الدولية القائمة لن يكون على المدى البعيد إلا في مصلحة الشعوب المستضعفة، التي اغتصبت أوطانها باسم القانون الدولي كما هو الحال في فلسطين، والتي تم احتلالها باسم القانون الدولي كأفغانستان، والتي حرمها حق الفيتو من حقوقها المشروعة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، فإن كانت الفوضى القائمة حاليا ستلحق بنا بعض الأضرار اليوم إلا إنها كفيلة بتحريك الشعوب المستضعفة لتثور على الإرهاب والظلم السافر غير المغلف بغلاف الشرعية الدولية التي لم تكن في حينه إلا الوسيلة الأمثل لانتهاك حقوق المستضعفين من الشعوب.
إن ما أضافته العصابات الصهيونية من ممارسات إفسادية من خلال السطو المسلح ستؤدي لا محالة إلى ارتفاع درجة الحقد في قلوب المستضعفين على الصهاينة والغرب خاصة الأمريكان الذين يقدمون كل أشكال الدعم للعدوان والإرهاب الذي يمارسه الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، وما من شك أن ارتفاع درجة الحقد ستؤدي إلى ارتفاع درجة الغليان الذي من شأنه أن يحدث التغيير، قد يحتاج التغيير إلى بعض الوقت ولكن لابد من بداية تتمثل في الثورة على الظلم التي بدونها لن نصل إلى التغيير المطلوب، والثورة لن تبدأ إلا إذا ازدادت القناعة بجدواها، وهذا هو ما تقوم به العصابات الصهيونية والأمريكية من حيث لا تدري.
خامسا: سيكون على رأس قائمة المتضررين من عملية السطو تلك معسكر المثبطين المنهزمين الذين طالما بشرونا بعدالة المجتمع الدولي، وأغرونا بالركون إلى القوانين الدولية، فلن يستطيعوا بعد اليوم إقناعنا بتلك العدالة السرابية، ولن يتمكنوا من ترويج بضاعة المجتمع الدولي الفاسدة.
سادسا: إن السطو على البنوك الأردنية في فلسطين يعد صفعة قوية لاتفاقية وادي عربة الموقعة من قبل الأردن، واتفاقية أوسلو، واتفاقية باريس الموقعة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية مع العدو الصهيوني، وهذا من شأنه أن يعزز خيار المقاومة كخيار وحيد أمام الشعب الفلسطيني.
من هنا لابد أن نذكر بقول الله عز وجل "فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (سورة النساء، آية 19)، فكم من مرة خطط الصهاينة والأمريكان، فارتدت خططهم وبالا عليهم، وحال الصهاينة مع الانتفاضة في فلسطين، وحال الأمريكان مع المقاومة في العراق يشهد بذلك. |