|
«المعركة ليست على حرية التعبير لأنني لو قلت ما قلته وقد قيل أخطر منه في إسرائيل كفرد أو كاتب صحافي أو مثقف منفرد لما قدمت للمحاكمة، فهناك حيز لحرية التعبير يتسع لهذا الرأي نتيجة قوة المؤسسة الإسرائيلية ولكن المعركة سياسية وتهدف إلى ضرب التجمع الوطني الديموقراطي ومجمل الحركة الوطنية في الداخل ولتدجين الآلية العربية» -هذا ما صرحه الدكتور عزمي بشارة بعد نزع حصانته في تشرين الثاني/ نوفمبر عام (2001 م) ، ليكشف لنا بوضوح عورات الديموقراطية الإسرائيلية السائرة بخطى وئيدة نحو ديموقراطية الأسياد أي ديموقراطية ألابرتهايد . وأقول بخطى وئيدة لأن هناك نقاشا داخل الإجماع القومي الصهيوني حول حدود الديموقراطية الممنوحة للمواطنبن العرب ويأخذ هذا النقاش لأول وهلة شكلاً من أشكال النقاش داخل المدارس الليبرالية لأنه يدور بين «مفهوم الديموقراطية تدافع عن نفسها» وهو بمثابة صك غفران لشرعنة القمع وبين مفهوم "الديموقراطية تتنافس " وهو بمثابة تسوية لمنع المواجهة والعواقب التي ينتجها استحقاق المفهوم الأول .
لم نقرأ حتى الآن شروح وتفاصيل قرار الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن السماح للتجمع الوطني الديموقراطي وعزمي بشارة خوض الإنتخابات الإسرائيلية التي جرت في أواخر كانون ثاني عام (2001 م) إلا أن تصويت القضاة الذين انقسموا بين معارض ومؤيد يؤكد عمق المأزق الذي دخل به القضاء الإسرائيلي من جهة والسقف السياسي المسموح به (الخطوط الحمراء) من جهة أخرى .
عزمي بشارة شخصية كاريزمية يجمع بين الفكر والسياسة بشكل خلاق ، ديموقراطي في دولة تدّعي الديموقراطية ، قومي عربي في دولة تتنفس العداء للعرب ، يتعامل مع الإسرائيليين بلغة العارف والكبرياء والأعتزاز بالأمة وتاريخها ولا يعرف لغة التملق والشعور بالنقص ، إنه مفكر ومنظر سياسي واجتماعي من الدرجة الأولى وقائد للتيار القومي في الداخل لهذه الأسباب ولأخرى سنذكرها لاحقًا قررت إسرائيل ملاحقة عزمي بشارة .
نزعت إسرائيل حصانة عزمي بشارة وقدمته للمحاكمة بتهمة تنظيم زيارات مواطنين عرب إلى سوريا والتماثل مع المقاومة وبعدها اوصت لجنة الإنتخابات بمنع حزب التجمع الوطني ورئيسه عزمي بشارة خوض الإنتخابات فقررت لجنة الإنتخابات منعهما فقرر التجمع الإستئناف للمحكمة العليا .. ملاحقة التجمع رواية بدأت منذ نشأته فعزمي بشارة لم يقدم للمحاكمة لأنه نظم زيارات إلى سوريا أو لأنه طالب العرب بتوسيع حيز المقاومة لكي نستطيع أن نعيش ونقاوم أو لأنه قال إن " المساواة غير ممكنة في دولة إليهود اذ لا توجد نية ولا توجه لأن تصبح إسرائيل دولة كل المواطنين "، إنها تصفية حسابات مع شخصية مميزة لم تعهدها إسرائيل من قبل يحمل برنامجًا مليئًا بالاطروحات الغنية والمحركة للذهن ، الهوية والمواطنة والمساواة والمجتمع المدني ، نهضة المثقفين والنهضة المعاقة ، الديموقراطية والحداثة والمدينه العربية وطريق معرفة مغادرة الهزيمة .
وقبل أن نروي رواية ملاحقة عزمي بشارة لا بد أن نروي رواية العرب الفلسطينين في الداخل من خلال السؤال والصيرورة حول هوية الفلسطينيين في مناطق عام (1948 م) وواقعهم السياسي الراهن ، حضورهم ومشاركتهم السياسية وثقافتهم الوطنية والقومية .
بين النكبة والنكسة
بعد النكبة في العام (1948 م) وحتى حرب حزيران/ يونيو عام (1967 م) كان المميز لسياسة الدولة العبرية عزل الفلسطينيين في غيتوات معزولة تخضع للحكم العسكري وأجهزة المخابرات التي كانت تتحكم بحياتهم من خلال ربط مصالحهم بالأحزاب الصهيونية. وعاش عرب (1948 م) حصارًا وإفقارًا بواسطة نظام الحكم العسكري المباشر الذي لم يضمن نزع وعيهم القومي ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي، حيث أن أشكال القمع الإسرائيلي المختلفة كانت في نفس الوقت مصدرًا موضوعيًا لتغذية الوعي الجماعي للفلسطينيين ، وقد تعمدت الدولة العبرية إلغاء أي ذكر لفلسطين من الخارطة والتاريخ والأدب ومجمل اللغة المتداولة علنًا وتتالت بعد ذلك المرادفات فظهرت تسميات مثل عرب إسرائيل أو أبناء الأقلية دون الإعتراف بها كأقلية قومية لنزع صفة المجموعة القومية والوطنية عن أبناء الشعب المنكوب وأصحاب البلاد الأصليين .
بين النكبة والنكسة انقسم العرب في إسرائيل إلى ثلاثة تيارات:
التيار الأول هو التيار القومي والذي تأثر بالحركة القومية العربية وعبد الناصر إلا أن هذا التيار الذي عُرف بحركة الأرض في حينه لم يكن منظما مما جعل إسرائيل تنجح في دفعه إلى الهامش ومحاصرته ومن ثم نزع صفة الشرعية عنه عندما قرر خوض الإنتخابات الإسرائيلية للكنيست السادسة ، خاف المجتمع العربي الذي عاش في فترة الخوف من الحكم العسكري الخروج والدفاع عن هذا التيار .
أما التيار الثاني فهو الحزب الشيوعي الإسرائيلي وهو حزب عربي يهودي ناضل من أجل تحقيق المساواة للعرب وإلغاء الحكم العسكري .
التيار الثالث هو التيار المرتبط بالأحزاب الصهيونية وخاصة حزب المباي (حركة العمل) وحزب مبام وهي أحزاب السلطة الحاكمة لفترة طويلة و لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا التيار كان سائدًا وعبر عن مصالح قوى اجتماعية وعائلية لضمان الوظيفة ولقمة العيش الأمر الذي ساهم كثيرًا في عملية التهميش الوطني والقومي .
بعد حزيران عام (1967 م) كانت الأجواء الشعبية التي احتقنت بالمرارة والأسى بسبب انكسار المشروع القومي النهضوي الذي قاده عبد الناصر ، قد انتقلت وبسرعة إلى عملية البحث عن الذات عبر اختراق المناطق المحتلة في العام (1967 م) والوصول إلى الأقارب والأصدقاء هناك ، في تلك المرحلة بدأ الشباب الفلسطيني في منطقة عام (1948 م) وبسبب غياب العمل السياسي المنظم وبسبب الهزيمة الإتصال بمنظمات المقاومة الفلسطينية التي تواجد الكثير من كوادرها القيادية في الضفة الغربية وقطاع غزة . هذه مرحلة المساهمة في العمل الفدائي وقد دفع المساهمون ثمنًا باهظًا لانتمائهم سواء بالتعذيب والسجن والتنكر لهم من قبل الوجهاء الذي تحول لاحقًا إلى تمجيد هؤلاء المناضلين .
في بداية السبعينات ومع تصاعد العمل الفلسطيني المسلح وصعود نجم منظمة التحرير وإنتصار أكتوبر عام (1973 م) تنامى الوعي الفلسطيني وتزايدت الجرأة الجماهيرية ، وقد تجسد هذا الوعي بتأسيس الحركة الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية والاتحاد القطري للطلاب الثانويين وتنظيمات محلية دافعها قومي مثل حركة أبناء البلد .
أدت التغييرات الإجتماعية والسياسية إلى أول مواجهة عنيفة مع المؤسسة الإسرائيلية في (30 إذار/مارس 1976 م) وقد عُرف هذا اليوم بيوم الأرض الذي يعتبره المحللون والأكاديميون فاتحة نضال الشعب الفلسطيني في مناطق عام (1948 م) ونقطة تحول مفصلية في حياة العرب ، شعر العرب الذين نظموا إضرابًا عاما ومظاهرات أسفرت عن استشهاد ستة مواطنين أنهم أقوياء مع أنهم خافوا من قوتهم ، منذ ذلك الحين تحول يوم الأرض إلى يوم ذكرى للشهداء تحتفل به الأوساط المناصرة للقضية الفلسطينية .بعد يوم الأرض بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تهتم بالموضوع الفلسطيني في الداخل وراحت تربط علاقات مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومع الحركة التقدمية . كان الهدف من هذه اللقاءات في حينه تحويل العرب إلى قوة تأثير في المجتمع الإسرائيلي وغالبًا ما تدخلت منظمة التحرير ، في مجرى الإنتخابات الإسرائيلية من خلال الدعوة للتصويت لصالح الجبهة أو الحركة التقدمية .
بعد الإنتفاضة الأولى في العام (1987 م) والتي أفرزت اتفاقات أوسلو عام (1993 م) بدأ الشعور أن قضية الفلسطينيين داخل إسرائيل تعتبر شأنا إسرائيليا داخليا وانتاب العرب شعور اللامبالاة ودخلوا لعبة الأسرلة وفي هذا السياق أود إن اذكر انه بعد أوسلو جند حزب العمل الذي ترأسه رابين في حينه حوالي (70) ألف مواطن عربي إلى صفوفه . في تلك الفترة برزت الحاجة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية العربية في الداخل بعد أن تشتتت صفوفها في أواخر الثمانينات لغياب المعادلة الصحيحة للنضال لمواجهة المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ، كان لابد من برنامج يربط الحقوق المدنية بالحقوق القومية ويؤكد على تنظيم الأقلية العربيه داخل إسرائيل .
عرب عام (1948 م) ومساندة الإنتفاضة الثانية
كشف عرب عام (1948 م) في انتفاضتهم في أكتوبر عام (2000 م) عند اندلاع الإنتفاضة والتي استشهد فيها (13) مواطنًا عربيًا تمسكهم أكثر من أي وقت مضى بهويتهم القومية والوطنية. ويشار في هذا السياق إلى أن المواجهات التي شهدتها إسرائيل في عقر دارها اعتبرت مفصلية أيضًا كيوم الأرض عام (1976 م) . وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد يوم الأرض عام (1976 م) أثيرت قضية الاعتراف بالمواطنين العرب كأقلية قومية مع إن إسرائيل تعترف بالسكان هناك على أساس الانتماء الديني فهي تجزىء السكان "غير إليهود" كما تسميهم إلى مسلمين ومسيحيين ودروز . أما بعد أكتوبر فقد بدأ الحديث هنا في إسرائيل عن الإقصاء السياسي للعرب ومحاولة منعهم من المشاركة السياسية والتأثير على الساحة الإسرائيلية .
بدأت الأكاديمية الإسرائيلية تبحث وتحقق في موضوعات الهوية واندماج العرب في المجتمع الإسرائيلي، ففي استطلاع أكاديمي أجراه البروفسور سامي سموحة من جامعة حيفا بعد تشرين الأول/ أكتوبر عام (2000 م) على عينة من الفلسطينيين أشارت نتائجه إلى "تراجع ظاهرة الأسرلة التي انتشرت بعد أوسلو وازدياد الوعي القومي والديني بفضل خطاب التيارين القومي والإسلامي " .
بدون شك ازداد الوعي القومي بفضل خطاب التيار القومي تحديدًا بحيث تم تغيير في الرؤية المستقبلية لعرب عام (1948 م) والمطالبة بإلغاء الطابع إليهودي لإسرائيل وطرح المساواة بين المواطنين العرب واليهود داخل الدولة العبرية بأسلوب مختلف عما طرحته في الماضي بعض الأحزاب الفاعلة في الشارع العربي والتي أخذت تتأثر به وتحول خطاب هذا التيار إلى خطة مواجهة مع الحركة الصهيونية وكشف زيف الديمقراطية الإسرائيلية .
بعد أكتوبر انشغل الإسرائيليون وأروقة المخابرات وأجهزة المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة بالتحريض على العرب من خلال نشر وبث السموم العنصرية بالصحف العبرية ووسائل الإعلام وتضييق الخناق الإقتصادي وازدياد البطالة المتفشية واتباع أساليب جديدة في التعامل مع العرب من خلال محاصرة الوطنيين والقوميين ومحاولة دق الإسفين بين أبناء الشعب الواحد وانقسام الشارع العربي بين مؤيد ومعارض للإندماج وبين مؤيد ومعارض للأسرلة التي باتت لتصبح موقفًا زيادة على تشويه وتهميش الثقافة والهوية للفلسطينيين هنا في الداخل. في هذه الأجواء المعادية والسائدة يجد المواطنون العرب أنفسهم يعاملون أكثر من الماضي بمزيد من الشك ناهيك عن محاولة الحكومة الشارونية تحييدهم من ممارسة دورهم السياسي من خلال الترهيب والتخويف مستعينة بشخصيات " عربية " تمارس الإستمناء السياسي لكسب رضا الإسرائيليين عبر شرعنة الإندماج ، هذه الشخصيات وصل بها الأمر إلى مطالبة المواطنين العرب في شباط/ فبراير عام (2001 م) التصويت لصالح باراك وعدم الإنجرار " وراء القومجيين المتطرفين " أمثال عزمي بشارة الذين قاطعوا حملة الإنتخابات الإسرائيلية . وقد تعرض مؤخرًا التيار القومي المتمثل بالتجمع الوطني الديمقراطي لتحريض سلطوي جراء زيارات الأقارب إلى سوريا والدور الذي لعبه في هبة القدس والأقصى، بسبب هذا التحريض الإسرائيلي وجد التيار القومي نفسه في حالة تأييد قطاعات واسعة من الناس وبسبب خطابه السياسي جعل المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية إليكيم روبنشطاين مدعوما بتقرير من المخابرات الإسرائيلية " الشباك" حول نشاط التجمع الوطني وعزمي بشارة وخطورة خطابه السياسي ، أن يقدم طلبًا للجنة الإنتخابات بمنع التجمع من خوض الإنتخابات الإسرائيلية المقبلة ،وفعلاً قامت لجنة الإنتخابات بشطب ترشيح عزمي بشارة وقائمة التجمع الأمر الذي أدى إلى التوجه للمحكمة العليا اعتراضًا على قرار لجنة الإنتخابات ، ويذكر في هذا السياق إن لجنة الإنتخابات المركزية شطبت ترشيح الدكتور أحمد الطيبي، المرشح الثالث في قائمة الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير بطلب من عضو الكنيست ميكي ايتان من الليكود وكانت المحكمة العليا قد وافقت على ترشيحه بأغلبية (11) قاضيًا، أما قائمة التجمع الوطني الديمقراطي فقد سمحت لها المحكمة العليا خوض الإنتخابات بعد أن وافق سبعة قضاة ومعارضة أربعة ، وكان المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية قد قدم طلبًا بمنع بارو خ مرزل المرشح الثاني في قائمة "حيروت" لأن لجنة الإنتخابات المركزية لم توافق على طلبه وكانت المحكمة قد صادقت على قرار لجنة الإنتخابات بموافقة سبعة قضاة ومعارضة أربعة وبهذا تكون المحكمة قد منعت المواجهة مع اليمين من جهة ومنعت التصعيد مع المواطنين العرب الذين هددوا بمقاطعة الإنتخابات المقبلة في حالة شطب قائمة التجمع الوطني .
المشاركة السياسية والوضع الجديد
لعل أهم إشارة إلى " الوضع الجديد "، الذي يسم الحضور السياسي للعرب في الداخل بعد تشرين الأول/ أكتوبر عام (2000 م)، تتمثل في تواتر الحديث إليهودي ، بصيغة " الإجماع القومي"، حول الضرورة المتجددة للحفاظ على "الطابع إليهودي لدولة إسرائيل" وما يتطلبه ذلك من إجراءات حد الزيادة الديمغرافية للعرب وحد تأثيرهم السياسي.
ويرى أحد الباحثين أنه في هذا الشأن ثمة عودة إسرائيلية، أيضًا بصيغة" الإجماع القومي"، إلى غايات الصهيونية الكلاسيكية وموقفها من " القضية العربية" ، وهو ما برز عينيا في ما عرف باسم ‹ميثاق طبريا›.
تعترف الوزيرة الإسرائيلية السابقة يولي تمير بأن ‹ميثاق طبريا› الذي كانت من ابرز المبادرين إلى التخطيط له واعتماده، لا يطمح لأن يكون بديلاً عن الحوار المدني الشامل لمواطني الدولة (إسرائيل). وفور ذلك تضيف، على محمل التوضيح غير القابل للتأويل: إذا لم يتم وضع وثيقة مدنية، وبمشاركة جميع مواطني إسرائيل، تعرِّف الحقوق المتساوية لابناء جميع الشعوب الكائنة في إسرائيل، وتعرّف واجبات الدولة تجاه مواطنيها وتحدد معايير لتوزيع عادل للموارد، فلن تصبح إسرائيل مجتمعا ديمقراطيًا جديرًا بهذه الصفة.
إذا كانت الحال هكذا فما هو الداعي، إذا، لكتابة ‹ميثاق طبريا›؟ في بحثنا عن جواب على هذا السؤال لدى تمير نفسها، بصفتها جهة مخولة بأن تصرّح، نعثر على ما يلي: "ميثاق طبريا" هو بداية لنقاش جماهيري عام، لا أكثر، على قاعدة كسر المونولوج والإنتقال إلى الحوار بين مختلف الفئات السياسية (اليهودية) من اليسار واليمين، العلمانيين والمتدينين، أنصار السلام والمستوطنين .
وطبقًا لذلك، من الممكن الاستنتاج بأن اصدار مثل هذا الميثاق جاء، أكثر شيء، من أجل إشباع حاجة داخلية (يهودية) إلى بدء نقاش جماهيري عام يحتكم إلى قاسم مشترك ما .
أين المشكلة إذًا؟
المشكلة، في قراءتنا المخصوصة، أن المشروع المعروض في الميثاق لبداية هذا النقاش محكوم بعدة اختيارات مسبقة البرمجة ومسبقة الأدلجة .
ومهما يكن فإن ما يهمنا من هذه الاختيارات هو ما يلي:
أولاً: اختيار اقصاء العرب الفلسطينيين، المواطنين في إسرائيل، من دائرة هذا النقاش. في هذا الصدد تقرّ تمير، شأن غيرها من المشاركين في صياغة الميثاق ومن المعقبين عليه، بأن محاولات عديدة لكتابة وثيقة يهودية - عربية قد فشلت. وتعزو هذا الفشل إلى عدم الإتفاق على تعريف دولة إسرائيل .
ثانيًا: عطفا على ما سبق فإن الاختيار الثاني، مسبق البرمجة ومسبق الأدلجة كما ذكرنا، يتحدد في التمسك بتعريف طابع إسرائيل، الصهيوني، باعتبارها دولة للشعب إليهودي. ليس هذا فحسب، بل كذلك التأشير إلى ما يتطلبه الإحتفاظ بهذا التعريف من إجراءات مثل "الاستمرار في بناء أغلبية يهودية ملحوظة فيها".
"هكذا يضعنا "ميثاق طبريا" أمام صيرورة إسرائيلية تفيد بأنه ما من موضوع راهن يحتقن حوله "اجماع قومي يهودي" أكثر من موضوع المحافظة على "الطابع إليهودي - الصهيوني" لدولة إسرائيل. ويجدر التذكير بأن هذا "الإجماع" ومع استمرار الإنتفاضة الفلسطينية وامتدادها، ولو إلى حين، إلى الجماهير الفلسطينية داخل تخوم "الخط الاخضر" (ما عرف باسم "هبّة اكتوبر عام 2000 م") سرعان ما أجج حديثًا متواترًا حول ما يسمى بـ "الخطر الديمغرافي" الذي يشكله العرب الفلسطينيون على طابع إسرائيل السالف، بين أوساط اليمين واليمين المتطرف وأيضًا بين أوساط محسوبة على "اليسار الصهيوني" .
قبل ‹ميثاق طبريا› صدرت ‹وثيقة هرتسليًا› واقترح مخططوها، وهم شخصيات بارزة في القيادة الأمنية وفي النخبة الأكاديمية في إسرائيل، مواجهة هذا "الخطر"، ضمن أشياء أخرى، بواسطة طريقة تعيد إلى الأذهان، وان بصورة غير معلنة، فكرة "الترانسفير" الجهنمية. أما في ‹ميثاق طبريا› فان النص يطالب بمراعاة ان يحافظ على هذه الأغلبية "بطرق اخلاقية فقط" .
غير أنه منذ نشر ‹ميثاق طبريا› جرت مياه كثيرة في النهر، كما يقولون. وتمثلت إحدى نتائج هذا الجريان في انتقال التأييد لفكرة "الترانسفير"، باعتبارها أحد افضل الحلول لمسألة "الخطر الديمغرافي"، من الأطراف أو الهوامش السياسية إلى قوى واحزاب واقفة في واجهة نظام الحكم الإسرائيلي . هنا يحتاج الأمر إلى بعض التفاصيل:
* في أواخر شهر إذار/مارس عام (2002 م) أعلن الوزير "العمالي" أفرايم سنيه أنه بلور لنفسه برنامجًا خاصا حول الحل الدائم للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني " على أساس الفصل". ويدعو البرنامج، على وجه الخصوص، إلى "تبادل سكاني" (وهو التعبير الملطَّف، الأكثر تزويقا، لمصطلح "الترانسفير") بين إسرائيل والكيان السياسي الفلسطيني العتيد، يسفر عن ضم "تجمعات استيطانية يهودية كبرى" في الضفة الغربية إلى مناطق سيادة "الدولة الإسرائيلية" فيما يجري ضم "مناطق عربية" متاخمة لـ "الخط الاخضر" (ويقصد، تحديدا، منطقة أم الفحم والقرى المحيطة بها فيما يعرف باسم "المثلث الصغير") إلى مناطق سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي السياق الذي كشف فيه النقاب عن برنامجه هذا (وكان عبارة عن لقاء صحافي مطول أدلى به لملحق ‹7 ايام› الأسبوعي التابع لصحيفة ‹يديعوت احرونوت›) رفض سنيه التطرق إلى »آفاق القضية الديمغرافية« ومخاطرها على »مستقبل التطلع إليهودي لدولة إسرائيل«، وفيما إذا كانت هذه القضية تشكل حافزًا رئيسيًا خلف دعوته إلى تطبيق "الترانسفير". أكثر من ذلك حاول سنيه أن يسبغ أخلاقية ما على دعوته هذه، من خلال نفيه أن تكون منطوية على أية "لدغة عنصرية" موازنًا، بفهلوية بائسة، بين أصحاب الوطن الأصليين من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وبين المستوطنين الكولونياليين في الضفة الغربية، الذين سيتم "التبادل" فيما بينهم .
* قبل طرح برنامج سنيه أشار استطلاع للرأي أجراه مركز "يافه" للأبحاث الاستراتيجية في جامعة تل أبيب إلى ارتفاع نسبة التأييد، في أوساط إليهود الإسرائيليين، لحل يعتمد على تطبيق "الترانسفير" ضد الفلسطينيين. فقد أعلن (46) بالمئة من هؤلاء أنهم يؤيدون تطبيق "الترانسفير" ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويؤيد (31%) منهم تطبيقه أيضًا ضد المواطنين العرب في إسرائيل .
* كشف الصحافي آرييه ديان (‹هارتس›) أن الزعيم الجديد لحزب "موليدت"، الوزير المستقيل بيني الون، عاد للترويج لبرنامج "الترانسفير" ضد الفلسطينيين، في أكثر تطبيقاته وحشية، مستمدا التشجيع من المناخات السياسية المذكورة، والتي تعيد هذا الموضوع المسكوت عنه إلى بؤرة "الإجماع القومي". وعلى ذمة الصحافي نفسه كان الون سابقًا في طليعة الذين ألحوا على زعيم "موليدت" السابق، الوزير المقتول رحبعام زئيفي، ان لا يطرح حل "الترانسفير" في واجهة البرنامج السياسي للحزب الذي بدا أنه »منفرد في تأييد الفكرة«! وتمثلت "عودة الون"، التي يقصدها ديان، في تخصيص العدد الأخير من نشرة ‹موليدت› لطرح برنامج سياسي يدعو إلى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة في حالة عدم قبولهم برنامج تسوية الصراع، حسب مواصفات ‹موليدت›، والذي ينص على ان تكون الأردن "دولة الفلسطينيين العتيدة" . وحرفيًا ورد ذلك من خلال العبارات التالية: إذا لم يكونوا (يقصد الفلسطينيين) مهيئين للحياة معنا، هنا، في سلام فإنهم لن يحيوا معنا، هنا، البتة. إن قوة الردع الإسرائيلية لن تستعاد إذا ظل غير واضح لجيراننا أن الإرهاب من شأنه أن يؤدي بهم إلى خسارة أرضهم، تمامًا كما حصل في عام (1948 م) – " نكبة" لهم وعيد استقلال لنا ! ويقترح البرنامج نفسه جعل المواطنين في الضفة والقطاع تابعين "لدولة فلسطينية عاصمتها عمان"، مع منحهم إمكانية الإحتفاظ بتجمعاتهم السكانية القائمة (باستثناء المخيمات)، شريطة الحفاظ على "سلام مع إسرائيل"، لكن في حالة "عودتهم إلى إعلان الحرب علينا فعندها لا مندوحة من طردهم بالقوة إلى دولتهم فيما وراء نهر الأردن".
* إضافة إلى بيني الون، طرح وزير يميني مستقيل آخر هو افيغدور ليبرمان، زعيم حزب ‹إسرائيل بيتنا› (من المهاجرين الروس) وهو الحزب الشريك مع ‹موليدت› ومع حزب ‹حيروت› في تكتل ‹الاتحاد القومي› اليميني المتطرف الاستيطاني، برنامجًا سياسيًا يدعو إلى تطبيق "الترانسفير" بالأساس ضد المواطنين العرب في إسرائيل «الذين يرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي» و «الذين يرفضون التعهد خطيا بالولاء المطلق لدولة إسرائيل» ! وهو يقترح ترحيلهم إلى «مناطق فلسطينية» في غزة وأريحا و «منطقة يهودا»، يطالب البرنامج بإعلانها ككانتونات صغيرة منزوعة السلاح ولا يوجد أي تواصل إقليمي بينها، باعتبار أن إقامة هذه المناطق الثلاث هي أوج ما يمكن ان يتغياه حل دائم للصراع تسعى إليه إسرائيل، بموجب هذا البرنامج .
* نبقى في إطار معسكر اليمين الاستيطاني لنشير إلى أن حزب ‹حيروت› (أحد الأطراف الشريكة في تحالف ‹الاتحاد القومي›) يرفض الحديث جهارًا عن تأييد ‹الترانسفير› ضد الفلسطينيين سواء داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية وغزة. لكن زعيم هذا الحزب عضو الكنيست ميخائيل كلاينر طرح مؤخرًا على جدول أعمال الكنيست مشروع قانون يدعو إلى اعتماد "سلة امتيازات" (مُغريات) لتشجيع الهجرة إلى "الدول العربية" .
أما في حزب ‹المفدال› فإن الإتجاه الطاغي على قادة الحزب هو انتظار "أن تضع الحرب الدائرة هنا حاليًا أوزارها" ومن ثم يجري طرح برنامج سياسي للحل الدائم يعارض ضمن أشياء أخرى قيام دولة فلسطينية مستقلة ويدعو إلى اعتبار المستوطنين الكولونياليين في الضفة الغربية وغزة مواطنين إسرائيليين (كما هي وضعيتهم حاليًا) واعتبار الفلسطينيين في هذه المناطق مواطنين في الأردن، الأردن نفسها التي يدعو برنامج ‹موليدت› إلى ترحيل الفلسطينيين إليها إما جسديًا واما مواطنةً، حسبما أسلفت الإشارة .
مؤخرًا انضم "المفدال" إلى ائتلاف حكومة ارئيل شارون، بعد ان نصّب عليه زعيمًا جديدًا هو الجنرال في الاحتياط ايفي ايتام، الذي أصبح وزيرًا. وقبل تزعمه أدلى ايتام بحوار طويل لملحق صحيفة "هآرتس" دعا فيه علنًا لطرد الفلسطينيين إلى صحراء سيناء. كما تطرق إلى موضوع "الترانسفير" بهذه العبارات: الترانسفير ليس مسألة من الضروري التكلم عنها. لكن الحرب لعبة أخرى. أعتقد ان الأساتذة الجامعيين، الذين يدعمون السلام ويعيشون في راحة في البيت الاخضر الذي يقع في حرم جامعة تل أبيب، يعرفون ان الحرم الجامعي كان في زمن مضى قرية تدعى الشيخ مؤنس. دولة إسرائيل لن تجبر الأفراد على تغيير أماكن إقامتهم، ولكن إذا فرضت علينا الحرب الشاملة، فالنتيجة أن أكثر من شيخ مؤنس سوف تنشأ في أماكن أخرى. أنا لا أريد لذلك ان يحدث لأني أرى نتيجته المريرة. على العكس أقترح حلاً يمنع ذلك. ولكن إذا كانوا لا يريدون الإلتقاء معنا في منتصف الطريق، وإذا لم يكن هناك من حل إقليمي، واستمر الهجوم الفلسطيني، فإن النتيجة ستكون حربًا شاملة تؤدي إلى مأساة على الشعب الفلسطيني. إذا فرضت علينا الحرب يجب أن نتصرف كما في الحرب. وأستطيع رؤية ان نتيجة الحرب ستكون أن العرب الذين سيبقون هنا لن يكونوا كثيري العدد .
* في "الليكود" لا يبدون ميالين، على مستوى التصريح العلني، لتبني برامج تتحدث مباشرة عن "الترانسفير". لكن الناطقين بلسان هذا الحزب يعبّرون عن تفهمهم البالغ لنزوع جماهير اليهود الإسرائيليين إلى تأييد "برامج ترحيل الفلسطينيين". وقد اعتبر وزير القضاء، أحد قادة هذا الحزب، مئير شطريت، أن الحديث المجرد عن "الترانسفير" لا يعد تحريضا، بموجب احكام القانون الإسرائيلي، بل يبقى حديثًا تكفله "حرية التعبير عن الرأي" .
ربما يجدر بنا، عند هذا الحد، ذكر ما يلي:
1) فكرة "الترانسفير" عادت لتطل برأسها من جديد وتحشد لها المزيد من المؤيدين، منزاحة من الأطراف إلى المركز، في أعقاب تفجّر الإنتفاضة وهبّة الاحتجاج الشعبية للفلسطينيين في إسرائيل. وبحسب أحد الباحثين، فإن التوصيف المشوّه من جانب الإسرائيليين لما حدث في "كامب ديفيد" ولمترتبات "عملية التسوية" برمتها (لا سيما منذ صعود بنيامين نتنياهو إلى الحكم في عام 1996 م) أدى أيضًا إلى توحيد خطاب المركز السياسي في إسرائيل المتمثل في حزبي "الليكود" و "العمل". وطبقًا لهذا الخطاب فإنه بسبب "خيانة" الفلسطينيين لمبدأ التسوية (وبالتالي مبدأ "السلام")لا يبقى أمام إسرائيل سوى محاولة حل مشكلة النزاع من خلال القوة. وعليه يمكن القول أن الإلحاح على تطبيق "الترانسفير" يضمر طرحًا لإحدى الطرق التي تتسق مع متطلبات "الحل بواسطة القوة". وبكلمات أخرى فإن تأييد "الترانسفير" هو الوجه الآخر من عملة القوة التي تمارسها إسرائيل في المناطق الفلسطينية، والتي تشتمل على وسائل تضييق الخناق والحصار والإغلاق وعلى التصفيات وقتل المدنيين والهدم والتدمير.. إلخ .
2) سياسة القوة هذه لا تقفز، بطبيعة الحال، عن الفلسطينيين في إسرائيل .
ومن الأمور الجلية أنه فضلاً عن سياسة التمييز العنصري السافر واللجوء إلى العنف كوسيلة رئيسة في السياسة الإسرائيلية تجاه المواطنين الفلسطينيين، فإن سياسة القوة هذه تستهدف أيضًا أن تصيب الهوية الوطنية والسياسية لهؤلاء الفلسطينيين في مقتل. وهذا ما تؤكده بعض التشريعات القانونية الأخيرة، بمقدار ما تؤكده المحاكمة السياسية غير المسبوقة المنعقدة ضد النائب عزمي بشارة، رئيس "التجمع الوطني الديمقراطي".
* إذا شئنا إجمال الاختيار الثاني لمعدي "ميثاق طبريا" المحدد في التمسك بتعريف إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، يبدو أن أهم ما ينبغي التشديد عليه هو كون الحديث عن مراعاة "الحفاظ على أغلبية يهودية ملحوظة" بواسطة "طرق أخلاقية فقط" حديثًا بعيدًا جدًا عن الرؤية الحقيقية السائدة لهذه المسألة كما بينت التفاصيل المذكورة أعلاه. ومرة أخرى فإن هذه الرؤية سائدة ليس فقط بين أوساط اليمين القومي والديني والعنصري .
ثالثًا: يختار "ميثاق طبريا" لدى الحديث عن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تعابير ومصطلحات غائمة في توصيف وقائع التاريخ. وهو اختيار يُراد به بالأساس، من باب أولي، قطع صلة الحاضر بالماضي، إذ أن التدقيق في هذه الصلة يفترض، ولو من منطق الاستقامة الفكرية أو المعقولية السياسية، العودة إلى جذور الصراع .
وهذا القطع أفضى بمعدي الميثاق، كما تقول يولي تمير، إلى رؤية أن الحل الأنسب للصراع هو: دولتان لشعبين، أو بشكل أدق، دولتان قوميتان لقوميتين. وبربط هذا الحل مع سائر بنود الميثاق يتبين أن الحديث يجري عن حل دائم، أو نهائي .
لا شك ان إقامة دولة فلسطينية، تطبيقًا لحل "دولتين لشعبين"، هو مرحلة حيوية لكنها بكل تأكيد ليست "حلاً نهائيًا"، وليست حلاً «تكون فيه الحقوق متساوية لجميع الشعوب»وهذا الحل ليس فقط غير متضمن مقتربًا كافيا لقضية اللاجئين وحق العودة، وانما من شأنه كذلك ان يكرس مكانة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وأن يمس بحقوقهم، نظرًا لكونه في الواقع الحالي حلاً يجسد ويشدد على رؤية إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. وفي إطار ذلك ما من ضمان في أن لا ينظر إلى كل مطلب يطرحه هؤلاء المواطنون باعتباره مطلبًا غير شرعي يشكل أساسًا لمعركة سياسية وقضائية وحتى عسكرية ضدهم. والدليل على ذلك هو قتل ثلاثة عشر شابًا عربيًا مواطنين في إسرائيل بأيدي الشرطة في تشرين الأول/ اكتوبر عام (2000 م) .
في هذا الخصوص يؤكد أحد الباحثين أن من شأن العودة إلى حدود عام (1967 م) أن تكون بالنسبة للمواطنين العرب عودة إلى عام (1966 م)، أي إلى فترة الحكم العسكري. ففي غالبية الفترة من عام (1948 م) إلى عام (1967 م) خضعت حقوق العرب في إسرائيل لقيود الأحكام العسكرية. وعندما يطرح حل "دولتين لشعبين" كإطار لنهاية النزاع فمعنى ذلك العودة إلى المبادئ نفسها التي شرعنت القيود الكاملة التي فرضت في تلك الفترة على العرب في إسرائيل .
بتعابير أخرى، موازية لما سبق ذكره ومكملة له، في مقدرتنا القول أن التمسك بحل "دولتين لشعبين" بوصفه حلاً نهائيًا يعبّر عن تمسك بنهج حصر النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني في حدود "دائرة مغلقة" هي دائرة إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية منذ حزيران عام (1967 م). وهو النهج نفسه الذي تتبناه الصهيونية الجديدة والمنطلق من نقض مبدأ التوسع الصهيوني الاستيطاني، القائم على قضم المزيد من الأرض خارج "تخوم الدولة". وعلى رغم أهمية هذا النقض فإن ذلك لا يبرر عدم رؤية أنه، في العمق، يعلل الحاجة والضرورة إلى المس بالمبدأ الاصلي لهذا التوسع الذي أفضى، في لحظة ما، إلى نشوء تلك الدولة وما استجره هذا النشوء من تبعات شديدة الوطأة على الشعب الفلسطيني .
أما بالنسبة للديمقراطية فإنه في ضوء هذه الاختيارات، لا يمكن أن نعير حديث يولي تمير عنها أهمية إضافية، اللهم إلا فيما هو مختص بالنوايا الحسنة .
الأحزاب العربية وتحالفاتها
خاضت الإنتخابات الإسرائيلية التي جرت في كانون الثاني/ يناير عام (2003 م) أربعة قوائم عربية:
1) القائمة العربية الموحدة ويترأسها عضو الكنيست عبد المالك دهامشه، وتتألف القائمة من الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي والحزب العربي الديمقراطي ويمثله في القائمة عضو الكنيست طلب الصانع الذي يحتل المكان الثاني في القائمة ، والحزب القومي العربي والذي تأسس مع انشقاق عضو الكنيست محمد حسن كنعان عن الحزب العربي الديمقراطي واحتل كنعان المكان الرابع في القائمة أما المكان الثالث فترشح له سلمان أبو أحمد من الناصرة وهو ممثل عن الحركة الإسلامية . على الرغم من الصراعات الداخلية والتناقضات القائمة داخل هذه القائمة نجح إلى حد ما رؤساء الأحزاب التي تشكل هذه القائمة بالتوصل إلى اتفاق لتركيبة القائمة لكنهم فشلوا في الإتفاق مع عضو الكنيست هاشم محاميد ممثل قائمة التحالف التقدمي الوطني والذي احتل في الإنتخابات السابقة المكان الثالث في القائمة العربية الموحده ونتيجة ذلك اضطر النائب هاشم محاميد إلى تشكيل قائمة منفردة . وكانت القائمة العربية الموحدة قد حصلت في الإنتخابات السابقة على خمسة مقاعد الا أن في انتخابات عام (2003 م) شهدت تراجعًا ملحوظًا في التأييد الجماهيري لهذه القائمة وحصلت على مقعدين لأنها عبرت عن "وحدة كراسي" كما أسماها أحد المراقبين في إحدى الأسبوعيات العربية في الداخل إضافة إلى عدم وجود قاعدة تنظيمية جدية للأحزاب المؤتلفة في إطار القائمة المذكورة هذا إضافة إلى فقدان مميزات في الأداء البرلماني للنواب المذكورين أعلاه .
2) التجمع الوطني الديموقراطي والذي يرأسه الدكتور عزمي بشارة: وكان المستشار القضائي للحكومة قد قدم طلبًا بشطبه كما ذكرت أعلاه إلا أن تهديد التجمع من خلال استراتيجية إعلاميه وقانونية مدروسة منعت من حصول هذا الشطب إضافة إلى تهديد أوساط يسارية وصحافية منعت من حصول ذلك . وكان التجمع وعزمي بشاره قد هددوا بمقاطعة الإنتخابات الأمر الذي جعل أوساطًا قضائية في إسرائيل تتخوف من التصعيد مع العرب وخطورة الإقصاء السياسي . أهم ما يطرحه التجمع ميزة خطابه السياسي وبرنامج دولة المواطنين والذي جعل حتى المخابرات الإسرائيلية تتخوف منه لتأثيره على جدول أعمال العرب في الداخل .
هذا البرنامج يكشف التناقض القائم بين الصهيونية والديموقراطية كذلك يكشف التناقض القائم بين طابع الدولة اليهودية وديموقراطيتها . وقد حصل التجمع على ثلاثة مقاعد وهذا ما توقعه المراقبون واستطلاعات الرأي لهذا التيار لأن برنامجه يؤكد على الهوية القومية ليمنع التهميش ومن جهة أخرى يطرح المواطنه الكاملة كون العرب سكان البلاد الأصليين .
3) الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والحركة العربيه للتغيير: الجبهة الديموقراطية وعمودها الفقري الحزب الشيوعي ألإسرائيلي وهو حزب عريق في الدفاع عن حقوق العرب في الداخل منذ العام (1948 م)، وكانت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة قد تشكلت في العام (1977 م) ويعتبر الحزب الشيوعي القوة الرئيسية فيها إضافة إلى شخصيات عربية ورؤساء مجالس محلية وبلدية ، أما الحركة العربية للتغيير فهي حركة يترأسها عضو الكنيست الطيبي وكان المرشح الثالث في قائمة الجبهة والعربية للتغيير ، من المهم هنا الإشارة إلى أن الجبهة شهدت خلافًا حول التحالف مع النائب الطيبي والخلاف الداخلي تمحور حول مكان الطيبي في القائمه وذلك كون المرشح الثالث في الجبهة الديموقراطية يهوديًا فقد اعتبر الحزب الشيوعي اعطاء النائب الطيبي المكان الثالث تنازلاً عن مبدأ الحزب العربي اليهودي وقد ترشح للمكان الرابع في قائمة الجبهة والعربية للتغيير دوف حنين من نشطاء الحزب الشيوعي وابن أحد أعضاء راكاح المخضرمين . وقد حصلت قائمة تحالف الجبهة والعربية للتغيير على ثلاثة مقاعد .
4) التحالف الوطني التقدمي برئاسة النائب هاشم محاميد وهي قائمة انبثقت بعد فشل المفاوضات مع القائمة العربية الموحدة وعدم موافقتها على المكان الخامس في القائمة العربية الموحدة ولم تجتاز قائمة محاميد نسبة الحسم الإنتخابات الأخيرة .
هذه القوائم مجتمعة حصلت على ما مجموعه (8) مقاعد ، بالنسبة للعرب الفلسطينيين في الداخل، يعني هذا استمرار الوضع السابق مع احتمال قوي بأن تصعد القوى اليمينية والفاشية التي تشكل حكومة شارون الجديدة هجمتها على العرب وعلى حقوقهم وكذلك على مشاركتهم السياسية .
_______________________
(*) فصل من كتاب " عزمي بشارة - القضية والمحاكمة" الصادر حديثا عن منشورات "قدمس" ( بيروت/دمشق) من إعداد د. زياد منى. |