|
ارتباك شديد ونفاذ للابتكار!
بات من المؤكد أن لا صحة التصريحات التي قال فيها وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم بأن مباحثات سرية قد جرت منذ سبعة أشهر مع أطراف مُقربة من الرئيس السوري بشار الأسد وأنها قد توقفت عندما تسربت أنباء عنها، فهذه التصريحات مكررة وبات معروفاً للقاصي والداني أنها كاذبة ومُختلقة وتشكل هروباً إلى الأمام بسبب الإرباك الذي سببته المبادرة السورية بإطلاق العملية السلمية .
ما قيل بات "اسطوانة مشروخة " عبر ما دأبت إسرائيل على تكراره من هذه الأنباء المختلقة وكان يثبت أنها كاذبة جملة وتفصيلاً، وهي تكررت عبر أكثر من عشر سنوات وخصوصاً للعب على المسارات التفاوضية والضغط على المسار الفلسطيني، حتى أن المرء يتساءل : هل باتت الماكينة الإسرائيلية ساذجة ومفلسة إلى حدّ عدم ابتكار مادة جديدة للعب غير هذه المادة الممجوجة.
و يحق لنا أن نتساءل : لماذا تحتاج سورية إلى قناة سرية وليس لديها ما تخفيه عن الملأ، فضلاً عن أنها تعتبر السلام أمراً مُشرفاً لا يحتاج إلى قنوات سرية ، فمن من أولى بديهيات التفاوض أن القناة السرية تعني للإسرائيليين أن من يقبل بها لديه استعداد لتقديم تنازلات لهم ، وسورية ليست مستعدة للقبول بأقل من الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من يونيو لعام 1967 ، وهي تعرف(أي إسرائيل ) تمام المعرفة أن المفاوضات السرية ستُضعف موقفها التفاوضي.
ثمّ لماذا قبلت إسرائيل قبل نحو سبعة أشهر بالمفاوضات المزعومة دون شروط بينما تضع شروطاً على الدعوة السورية الصادقة والخالصة لاستئناف المفاوضات على المسار السوري، الأمر الذي يقوض المزاعم عن تلك المفاوضات المزعومة، ويؤكد بأن الإسرائيليين لا يريدون السلام.
إن الهدف من هذه التصريحات إضعاف مصداقية دمشق ، فالسؤال يطرح نفسه هنا:
لماذا تحتاج العاصمة السورية إلى وسطاء من التجار ورجال الأعمال ولديها قنواتها عبر الطرف الأمريكي وعبر الأوروبيين وهم أكثر مصداقية وتأثيراً، فضلاً عن قناعة سورية بأن السلام ليس صفقة وبالتالي فهو يحتاج إلى شركاء سياسيين وليس إلى تجار!.
إن التصريحات التي جاءت على لسان وزير خارجية هذه المرة تعبير واضح عن مدى الارتباك الإسرائيلي؛ بسبب الموقف السوري الذي نسميه ( هجمة سلمية)، فالموقف الدفاعي الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية، المتأرجح بين الرفض المطلق ووضع العصيّ في الدواليب بطرح شروط تعجيزية للدخول في المفاوضات وصولاً إلى الحديث عن مفاوضات من أجل التفاوض ، يمكن تسميته بالدفاع(الدونكيشوتي)؛ كمن يُقاتل طواحين الهواء ، أي أن سورية هجمت بالسلام فارتبكوا؛ لأنهم كانوا يتوقعون أنها في وضعية دفاعية ستستجدي أي حل.
أما عن الدعوات المتتالية للتخلي عما يزعم أنه دعم للإرهاب أو تزويد حزب الله بالسلاح ،ففي كل هذا محاولة لوأد المشروع السلمي السوري والهروب إلى الأمام نظراً إلى أن سحب الأوراق السورية و(التعرية التفاوضية) من أجل التفاوض ،وهم يعرفون سلفاً أن دمشق لن تتجاوب معه ، ليس أكثر من ذرّ للرماد في العيون.
و إذ تسترسل الماكينة الإسرائيلية فتطلع دعوة كالتي وجهها الرئيس الإسرائيلي كتساب للرئيس السوري بشار الأسد لزيارة إسرائيل والتفاوض من البداية مع الإسرائيليين بدون شروط مسبقة ، فإنه قد بات من غير المتوقع أن يلتفت الأسد لهذه الدعوة؛ لأنها تفسر نفسها بنفسها فهي دعوة للتطبيع المجاني ، فضلاً عن أنها لا تمثل فعلياً أكثر من لعبة للهروب أيضاً إلى الأمام لأن كتساب كرر اسطوانة المفاوضات بدون شروط مسبقة ومن نقطة الصفر ، مما يعني أن الطرف الإسرائيلي بعد أن أُحرج كثيراً من أنه كرر بأن ليس ثمة من شريك سوري للتفاوض قد اُسقط في يده بسبب الدعوة السورية السلمية ، وبات مكشوفاً بأنه هو نفسه ليس شريكاً للسلام على أيّ مسار، فبدأ بحملة تصريحات مدروسة بهدف إظهار وكأن سورية هي التي لا تريد السلام.
أما من حيث المطالبات الإسرائيلية لسورية ببوادر حسن نية، فإن ليس لنا إلاّ أن ننوه باستمرار إلى أن سورية وكلّ العرب يريدون البوادر من إسرائيل لأن إسرائيل هي المعتدية وهي التي لا تريد السلام وبالتالي فهي بأمسّ الحاجة لأن تظهر للرأي العام العالمي مدى جدّيتها في السلام فالأمن حاجة متبادلة ولكن للعرب هي، باعتراف العديد من الدول العظمى ، حاجة أكثر راهنية .
وإذ يتبادل الطرفان رمي الكرات إلى ملعبيهما ، فإنه من المؤكد أن تفاعلات الدعوة التي وجهها الرئيس السوري بشار الأسد لاستئناف عملية السلام قد سببت فعلياً ارتباكاً شديداً خصوصاً و أن المؤسسة العسكرية (الحاكمة فعلياً ) في إسرائيل قد بات من المعروف أنها تضغط بشدة من أجل التفاوض مع سورية ، وقد تكون كل هذه الحملة السياسية المنظمة لرفع السياسيين هناك عنهم ثقل الضغط الآتي من تلك المؤسسة النافذة. |