|
الأداء الفلسطيني بعد أوسلو يبدأ مع عودة (أبو عمار) إلى غزة. الأداء الفلسطيني بعد أوسلو كان كئيباً. كان المفروض أن يكون يوم عودة قائد مسيرة الشعب الفلسطيني لعقود خلت، يوم فرح وأمل، ومناسبة تاريخية مشهودة بكل المقاييس. وكان لا بد من استغلال تلك المناسبة لتوضيح الرؤية للشعب الفلسطيني، وإعطائه دفعة إلى الأمام، وشحنة نفسية كبيرة تزيل سحب التشاؤم والتساؤل حول الاتفاق الأول على مبادئ حضارية وواقعية تتجاوز مرحلة العنف والعنتريات الجوفاء.
لقد كانت حوارات أوسلو – رغم غموضها – فاتحة لكسر الحاجز العدائي ضد أي لقاء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفرصة لمعرفة كل طرف ما عند الطرف الآخر، على الأقل في ظل انكفاء الأنظمة العربية على نفسها، وترك الفلسطينيين في العراء دون أي غطاء سياسي ناضج أو موقف شجاع.
كان الفلسطينيون والإسرائيليون والعالم بأسره يترقبون خطاباً من (أبو عمار)، يبين قدر المستطاع التحول الجديد الذي طرأ على الموقف الفلسطيني وتفاعلاته كتصور وكممارسة، وكان المفروض في الخطاب أن يشتمل على النقاط التالية:
1. قدرة الخطاب على إعطاء رؤية للفلسطينيين: إلى أين المسار؟ 2. وأن يعطى الفلسطينيين دفعة طموح وأمل مع الرجاء ويشحذ هممهم. 3. ويتسم بالواقعية، ويتناولها بشكل رمزي. 4. ويتسم بالبلاغة، بحيث يصبح خطاب (أبو عمار) قطعة أدبية نحفظها كما نحفظ خطبة طارق بن زياد. ولدينا من يصوغها أمثال محمود درويش شاعر العربية المبدع في العصر الحديث.
ولكن ماذا حدث في الواقع؟ أنظروا إلى خطاب عودة الرئيس ياسر عرفات على شريط الفيديو، والله إنني أخجل من نفسي كلما رأيت ذلك الشريط، لقد اتسم بعدم تقدير سليم للأمور. هل قالت أوسلو لا تصوغوا خطاباً لعودة الأخ (أبو عمار)، وضيعوا هذه الفرصة التاريخية، أم أنه قصور في سلوك ما بعد أوسلو؟
نقطة أخرى: إن اتفاق أوسلو القائل بحل النقاط الخلافية من خلال المفاوضات، وعدم اللجوء إلى العنف، كان يقتضي نشاطين:
الأول تدريبي: فعندما تتغير سياسات وإجراءات منشأة ما، أو يتم تطويرها تنظيمياً، فأول ما تقوم به المنشأة هو تدريب موظفيها للعمل في ظل السياسات والإجراءات الجديدة. كان لا بد من تدريب كوادر لدينا على استخدام تقنية اللاعنف في تحقيق الأهداف الوطنية.
هل اتصل أحد بالهند - وهي دولة صديقة للفلسطينيين بكل المعايير - لتدريب فرق عمل فلسطينية على استخدام الأدوات الجديدة بعد أوسلو والمتسمة باللاعنف؟ هل اتصل احد بالدكتور جمهان غاندي، حفيد الزعيم الإنساني الخالد المهاتما غاندي، وهو أستاذ باحث في مركز الدراسات السياسية في نيودلهي؟ هل وجهت السلطة الفلسطينية دعوة له لزيارة أراضي السلطة الفلسطينية؟ وأنا متأكد أنه سيكون سعيداً بهذا. هل أوسلو ألزمتنا بعدم تدريب كوادرنا للعمل تحت المعطيات الجديدة، أم أنه قصور في الأداء بعد أوسلو؟! ً الثاني تخطيطي: لبناء استراتيجية تعمل في ظل التزاماتنا في أوسلو. لا أريد أن أسمع اكتشاف غدر إسرائيل ونكثها المواثيق، فنحن نعرف أعظم من ذلك فهي تستخدم سيارات الإسعاف في مواجهتها مع الفلسطينيين، لكن هذا السلوك يمثل أحد سيناريوهات المحاكاة للأوضاع المحتملة عند بناء الاستراتيجية. كان على فتح أن تقوم بتحول بنيوي لتحييد قيادات التوجه العسكري وطريق العنف والتحول إلى منظمة سياسية من خلال قيادات إدارية مدنية كفؤة. لقد استبشرنا عندما ضمت فتح إليها شخصيات مدنية مرموقة احترافياً مثل الدكتور نبيل شعت وهو من الإداريين المحترفين المرموقين على مستوى العالم العربي أو الدكتورة حنان عشراوي (وكان يمكن أن يضم رجالاً من هذا النوع مثل الدكتور مصطفى البرغوثي والدكتور غسان الخطيب في الآونة الأخيرة)، واعتقدنا أن هناك تحولاَ في فتح لاستيعاب سياسات وإجراءات ما بعد أوسلو. وبدلاً من ذلك دخلت فتح باب المزايدات على الشعبية في الشارع الفلسطيني المحبط من تصرفات السلطة نفسها من خلال بناء كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح للقيام بعمليات استشهادية، وهو تصرف لاأخلاقي من قبل فتح الموقعة على اتفاق أوسلو. كان على السلطة بناء استراتيجية. للوصول إلى أهدافنا الوطنية في ظل معطيات إلتزامات أوسلو، أليس هذا قصوراً في الأداء بعد أوسلو؟
أخيراً بدأت السلطة تفيق .. فمثلاً، تصريح (أبو علاء)، بإعلان الدولة بقوميتين، هو بداية تحرك سياسي ملتزم بأوسلو، لكن تم إجهاض فعالية هذا التحرك على الفور، من خلال تصريح الدكتور صائب عريقات، حتى قبل أن يتفاعل التصريح. كان يجب أن يتخذ أبو علاء، على الأقل، بعض الخطوات التي تدل على جديته في الأمر، مثل الكتابة للأمين العام للأمم المتحدة، واعتبار هذه الخطوة موضوعية نتيجة تصرفات شارون، فالأرض المتبقية لا تكفي لإقامة دولة مستقلة، ومن ثم المطالبة بالمساواة بين مواطني هذه الدولة، والكتابة لجمعيات حقوق الإنسان. تصرُّف أهل "بدروس"، مثلٌ آخر للتحرك بأدوات اللاعنف، وإذا استمروا فلن يستطيع الإسرائيليون أن يكملوا بناء جدار الفصل العنصري في منطقتهم.
نقطة ثالثة تنطلق من كون الفلسطينيين يمثلون الدعوى، والإسرائيليين يمثلون نقيضها، فيوجد على الأقل حلٌّ تركيبي واحد، يكون بدرجة تطورية أعلى من أيٍّ من الدعوى ونقيضها منفردتين؟ حل تركيبي يعمل لصالح الفسطينيين أكثر مما يطرحونه في دعواهم، ويمنح الاسرائيليين أكثر مما يطرحونه في دعواهم. لماذا ننظر إلى المعوقات كمثبطات وليس كفرصة لتحفيز العقل للعمل وإيجاد حلول إبداعية وخلاقة؟ فقط يحتاج الأمر إلى وقت، لذا نجمدها حتى نصل إلى الحل التركيبي الذي يجمع بين الدعوى ونقيضها، وفي هذه الحالة نصل بالتجربة إلى مستواها الإنساني.
لذا فأبجديات التفاوض تقول: إذا كنت الطرف الضعيف، فعليك أن تتفق على ما تستطيع الاتفاق عليه، وجمّد الباقي على وضعه لفترة محددة، بعدها إن لم نصل إلى حل مرضٍ نجمده لفترة أخرى. أما إذا أراد الطرف الضعيف أن يحل كل المشاكل في هذه المرحلة وهو بهذا الضعف، فهذا لا يعني فقط أنه ليس لديه مهارات تفاوضية، بل إن مفهوم التفاوض لديه مشوش أو غير واضح. أليس ذلك قصوراً في الأداء؟
نقطة رابعة تبدأ بحقيقة أن الانتقال من المبادئ إلى الحياة الملموسة ليس متناظراً نقطة بنقطة، فعندما أقول: ابتعد عن نقطة ما متراً، فلديك في الفراغ عدد لانهائي من النقاط التي تلبي هذا الشرط. اختيار نقطة بعينها من تلك النقاط المحتملة، يرجع إلى استراتيجيتك في استخداماتها المستقبلية. وتثبت بذلك بطريقة تلقائية كسابقة.
هناك الكثير من الممارسات على نقط العبور التي تفتقد المرجعية. وعليك أن تجتهد فيها، ومن ثم تبلغ الجانب الإسرائيلي بها، وتصبح حالة أي (سابقة) يسترشد بها لاحقاً. وبذا تكون القواعد الملموسة في الممارسة الحقلية في الوضع الأنسب لرؤيتنا المستقبلية. وإهمال السلطة في ممارستها لهذا الجانب الحيوي هو قصور في الأداء.
ولو التفتنا داخلياً إلى إدارتها للأمور، فنجد تلاعب السلطة في الانتخابات التشريعية؟ حيث تقوم بدعم أناس بحجة أنهم مناضلون، ثم إلغاء انتخابات المحافظات والبلديات التي نصت عليها أوسلو، واستعيض عن ذلك بتعيين المحافظين ورؤساء البلديات، أي أن حقوق الشعب الفلسطيني في أوسلو قد تم انتهاكها من قبل السلطة الفلسطيبية نفسها بـ"فهلوة" ما بعد أوسلو!!!
كتب عديدة يمكن كتابتها عن أداء السلطة وقصوره بعد أوسلو، لهذا كله كانت النقطة الثانية بعد أوسلو أقل من مستوى إنجاز أوسلو، فكان المتجه منحدراً إلى أسفل، وما زلنا بعد ثماني سنوات نراوح مكاننا في الحالة الفلسطينية، لم يستطع الشعب الفلسطيني أن يبدأ مسيرته لأخذ دوره الجدير به في مسيرة الحضارة الإنسانية، بينما انطلقت الماكينة الألمانية بعد أربع سنوات، برغم تعاسة بدايتها وهو الاستسلام الكامل دون قيد أو شرط. |