|
أطلق موشيه يعلون رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي تصريحات في الأيام الأخيرة من السنة الماضية جاء فيها أنه لم يعد هناك عالم عربي أو وحدة عربية، معتبراً أن كل ما هو موجود ليس سوى مصالح فئوية خاصة بكل بلد، وقد جاءت هذه التصريحات في سياق مقابلة أجرتها معه صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية.
ومع شديد الأسف تقارب أحداث كثيرة في الأيام الأخيرة إلى حد كبير ما ذهب إليه يعلون، فمسلسل الأحداث على الصعيد العربي تتوالى حلقاته على نحو بائس ومحزن، وهاكم بعض المشاهد:
ليبيا أعلنت، وعلى نحو مفاجئ إلى حد كبير، تخليها عن برامجها الخاصة بإنتاج وتطوير الأسلحة النووية، وسط حديث دائر عن اتصالات ليبية إسرائيلية. سبق هذه الخطوة موافقة ليبيا على دفع تعويضات هائلة لعائلات ضحايا حادثة لوكربي (2,7 مليار دولار في مقابل 270 قتيل)، ثم جاءت موافقة ليبيا على تعويض أسر ضحايا الطائرة الفرنسية التي تحطمت فوق النيجر سنة 1989( تبلغ قيمة التعويض 170 مليون دولار، وقد قتل في الحادث 170 شخص من 17 جنسية بينهم 54 فرنسي)، وحالياً هناك مفاوضات ليبية ألمانية تهدف لتعويض عائلات ضحايا الهجوم على مرقص (لابيل) في برلين سنة 1986 الذي استهدف أميركيين (قتل في الحادث 3 أشخاص وجرح 60 آخرين)، وبالطبع فالهدف واضح، إذ أن ليبيا وبعد كل هذه السنوات من الحصار والعقوبات لا تأل جهداً في محاولة نيل الرضا الأمريكي والأوروبي، ولم يعد لها هم سوى ذلك.
ومنذ أيام هناك (حرب حدود) بين ليبيا ومصر، بدأت بمطالبة ليبيا للمصريين الراغبين في دخولها بالحصول على تأشيرات، وردت مصر بإجراء مماثل. والإجراء الليبي جاء، فيما يبدو، رداً على مقالات النقد التي حفلت بها الصحف المصرية بعد الإعلان الليبي للتخلي عن البرنامج النووي، واعتباره خطوة (مخزية) كما جاء في بعض الصحف المصرية.
سقوط نظام صدام حسين واعتقاله لا يبدو أنه أنهى الحرب الكلامية بين العراقيين والكويتيين، فهناك دعوات في الكويت لاعتبار حزب المؤتمر الوطني العراقي (مجموعة عدوة) إثر مطالبة مسؤول في المؤتمر باستئجار العراق لجزيرتي وربة وبوبيان الكويتيتين. وفي (اشتباك) عربي آخر وصف نائب كويتي رئيس اليمن بأنه (صدام الصغير) واتهمه بالتآمر مع صدام حسين ضد الكويت.
وفي مشهد أخر رأينا مسؤول عربي يعترف بوضوح أن الدول العربية تتسابق للحصول على الرضا والثناء الأمريكي، ويعتبر أن على دول الخليج ألا تخجل من الاحتماء بالمظلة الأمريكية.
في السودان اتفاق بين الحكومة والمتمردين قد يفضي إلى تقوية شوكة هؤلاء الأخيرين، بما قد يتسبب مستقبلاً في انفصال الجنوب عن الدولة الأم. وفي سوريا نفي للتسريبات الإسرائيلية عن وجود اتصالات سورية إسرائيلية، وقد سبقت تلك التسربيات تهديدات من قادة الجيش في إسرائيل لسوريا فيما إذا واصلت دعمها (لإرهاب) الفصائل الفلسطينية وحزب الله.
وبعد فالمشهد العربي غاية في الكآبة، وواقع الحال يشي بالمزيد من مواقف التراجع والانكسار، بشكل يشجع موشيه يعلون وغيره على الاعتقاد بانتهاء العالم العربي، لكن ينبغي التأكيد في هذا المجال على أن ما يجري في هذه الأيام ربما يؤشر لنهاية مراحل وبداية مراحل أخرى بالنسبة للكثير من الدول العربية، بما يترتب على ذلك من سقوط منظومات من المسالك والقيم والشعارات التي رفعت لسنين طويلة وانهارت عند المنعطفات الخطيرة. أيضاً ينبغي التأكيد على أن ما يجري هو نتيجة طبيعية ومنطقية، ولا ريب، لسنوات طويلة من الاستبداد والاستعباد والفساد الذي سيطر على دول ومجتمعات عربية حتى أصبح كل ذلك القانون الحاكم والناظم بشكل أدى إلى انعدام أي مظهر من مظاهر الهيبة والاحترام لأمة العرب، وبشكل أدى إلى توسيع مساحات الإحباط والقنوط عند المواطن العربي، لذا من الطبيعي أن يشمت بنا يعلون، لكن بالتأكيد أن قادم الأيام حبلى بالمفاجآت والأحداث، فما تقدم ليس نهاية المطاف، والواقع الراهن لا يمكن أن يدوم، فالهزيمة هي لأصحابها فقط، ولا تصم ولا تشين غيرهم بأي حال من الأحوال، والتغيير حاصل لا محالة لأنه سنة من سنن الله في خلقه. |