|
صانعو القرار والحكومة الخفية في أميركا
من هم صانعو القرار الحقيقيين في الإدارة الأميركية الحالية؟ ومن هي القوى الخفية التي تدير وتنتج برامج ومخططات حزب الحرب الحاكم في أميركا ما بعد الحرب الباردة؟
هذه الأسئلة وغيرها هي اليوم محور نقاش واسع على مستوى العالم كله، حيث أصبح واضحاً أن المتضرر من المشروع الامبراطوري الذي تعمل له هذه الادارة لم يعد يقتصر على العالم العربي والعالم الثالث، بل أصبح الضرر يشمل دول العالم الصناعي المتقدم في أوروبا وآسيا، التي أصبحت تعيش قلقاً بالغاً من تداعيات هذه السياسة التي أفصحت عن وجهها العدواني الهادف الى الاستفراد بالقرار الدولي واستتباع باقي الأمم، والتي تحركها احلام وأوهام امبراطورية تراود بعض الاذهان القابعة في البيت الأبيض ومراكز الامن والدفاع والدراسات الاستراتيجية التابعة له.
وقد أصبح واضحاً ان صانعي القرار ومهندسيه ومروجيه ايديولوجياً واستراتيجياً يتمحورون في عصبتين كما سبق واشرنا في كتابنا "صناعة الارهاب" العصبة الاولى تتمثل بمجموعة من المبشرين من اليمين الديني المحافظ المعروفين بالانجيليين الجدد, وهؤلاء يقومون بأدلجة العداء والحرب ضد العالم، وبالترويج والتسويق لصدام الحضارات وتحديداً ضد العالم الإسلامي الذي أصبح يمثل في منطوقهم "محور الشر", حيث يتم وفق طروحاتهم أبلسة المسلمين وتعميم الصور النمطية عن العربي الارهابي الكاره والحاقد على نمط الحياة الغربية. يستخدم هؤلاء منطق بن لادن بصورة مقلوبة، فيعيدون إنتاج العلاقة بالانجيل والتوراة بما يشمل حتى النص الشعري والاسطوري المتضمن فيهما، ويعمدون الى اسقاط هذه النصوص والمفاهيم على الواقع المعاصر وخاصة فيما يتعلق بمفاهيم مثل وعد الله والشعب المختار ومسألة العودة.
العصبة الثانية تتمثل بتيار المحافظين الجدد الذي نجح في استيعاب الادارة الحالية، والذي يقوم بمهمة البرمجة ووضع السياسات والاستراتيجيات العامة, وقد اشرنا تفصيلاً الى اهداف وعقيدة وتركيبة هذا التيار في مقال سابق.
دبابات الفكر الجديدة
بين هاتين العصبتين تقبع مؤسسات ضخمة تعنى بالفكر الاستراتيجي، وبتحويله الى خطط وخرائط وبرامج وأولويات يطلق عليها Think Tanks أي دبابات الفكر، وهذه التسمية التي تمزج الفكر بفلسفة القوة لم تأتِ مصادفة، إنها تعبر عن التحالف بين الفكر والسلاح في الولايات المتحدة. هذه المؤسسات الاستراتيجية وبيوت الخبرة السياسية تمثل قوة ضاغطة وفاعلة تعمل بنشاط قل مثيله في العالم، وهي تتموّل وتتمتع بميزانيات ضخمة من كبريات الشركات الأميركية المعولمة.
من هذه الشركات العملاقة الممولة لمركز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية والتي يقارب انتاجها ما يساوي 25 في المئة من الانتاج العالمي نذكر على سبيل المثال ان خمسة منها (جنرال موتورز – ووال مارت وإكسون موبيل وفورد وديملركرايسلر) يتجاوز ناتجها القومي 182 دولة في العالم. بل ان شركة أكسون يفوق دخلها دول الأوبك مجتمعة، وشركة جنرال موتورز يساوي دخلها دخل الدانمارك، وشركة بكتيل للمقاولات يساوي دخلها اسبانيا، وشركة شل يساوي دخلها فنزويلا. هذه الشركات وغيرها هي طليعة القوى الصانعة للعولمة، وهي الأسخى تبرعاً "وتمويلاً لمرشحي الرئاسة الأميركية ولمراكز الأبحاث وبيوت الخبرة السياسية والاستراتيجية مثل مؤسسة التراث (انشئت منذ 30 سنة) ومركز مانهاتن للدراسات (انشىء من 25 سنة) ومؤسسة المشروع الأميركي (انشىء منذ ستين سنة) ومركز هوفر (انشىء من 25 سنة) ومؤسسة المشاريع الأميركية AEI ومركز سياسة الأمن والمؤسسة اليهودية لشؤون الأمن القومي JINSA، وقد أصبح أعضاء في هذه المؤسسات نجوم الفضائيات وصانعو القرار في الادارة ومنهم كوندوليزا رايس وبول ولفوفيتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وريتشارد أرميتاج وديفيد ورمسر, ودونالد رامسفيلد، وديك تشيني.
يمكن القول ان هذه المؤسسات هي صانعة رؤساء الجمهوريات وواضعة البرامج والسياسات لكل الادارات المتعاقبة، وخلافها هو تعبير مباشر عن خلاف المصالح التي يعبر كل منها عنه، تبعاً للجهات الممولة. هذه المؤسسات هي إبنة التحالف الرأسمالي الصناعي – العسكري. وهو ما ألقى محمد حسنين هيكل عليه أضواء كاشفة في أكثر من مقال.
عام 1961 ألقى داويت ايزنهاور خطاب الوداع بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، كان في هذا الخطاب قنبلة سياسية بكل معنى الكلمة، إذ احتوى تحذيراً للمجتمع الأميركي من وحش كاسر ينمو في أحشائه. يقول بالحرف: "ان مواقع القرار الأميركي يجب حمايتها من هذا التحالف العسكري – الصناعي الرأسمالي وإلا ستكون العواقب كارثية، لاننا بذلك نضع سلطة القرار في أيدٍ غير مسؤولة، لأنها غير مفوضة، وبالتالي لا يصح ان تؤتمن عليه". ويتابع محذراً: "أود أن ألفت النظر إلى أنه إذا وقع القرار الأميركي رهينة لمثل هذا التحالف الصناعي – العسكري وأطرافه، فإن الخطر سوف يصيب حرياتنا وممارساتنا الديموقراطية كما أنه قد يصل إلى حيث يملك حجب الحقائق عن المواطنين الأميركيين وبالتالي الخلط بين أمن الشعب الأميركي وحرياته من جهة وبين أهداف أطراف هذا التحالف ومصالحهم".
ومنذ أشهر قليلة مضت، أي بعد ما يقارب أربعين عاماً على خطاب أيزنهاور صدرت "الإيكونوميست" وفيها افتتاحية بعنوان "هجمة دبابات الفكر" وفيها بالحرف: "كثيرون في العالم الخارجي يتمنون لو أن الولايات المتحدة ضبطت أعصابها ولو قليلاً، إذ أن هناك ضرورة للجم كلاب الحرب التي أطلقتها الرأسمالية الأميركية النفاثة –Jet Capitalism- أن أميركا أصبح لديها جيش خطر من المفكرين الذين احترفوا تهييج القوة الأميركية واستشارتها حتى تندفع أبعد, كل يوم, على طريق الحرب. إن هؤلاء الناس وضعوا لأميركا أجندة وجدول أعمال يتضمن الآن خطة لتغيير الشرق الأوسط كله، وفيما هو واضح فإن الرأسمالية الأميركية تمول وتدعم هذه المؤسسات الفكرية التي ضلت طريقها، وجنحت إلى الإصرار على تطبيق النظام الرأسمالي حتى في عوالم الفضاء الخارجي، ثم ينتظرون أن يصفق العالم لهذا الجنوح الأميركي المجنون المتحصن في دبابات الفكر الجديدة".
وتتابع "الإيكونوميست" في افتتاحيتها: "ان احداً لم يعد في مقدوره ان يناقش أن هذه المراكز أصبحت بذاتها حكومة الظل في اميركا، بل وتأكد أنها الحكومة الخفية الحقيقية التي تصوغ القرار السياسي وتكتبه، ثم تترك مهمة التوقيع عليه للرئيس ومعاونيه الكبار في الادارة".
أمركة العقول
في المقابل لا تكتفي هذه المؤسسات بصناعة الاستراتيجيات بل تتجه نحو صياغة العقول عبر الهيمنة على الاعلام من خلال شركات ومؤسسات إعلامية عملاقة. فالولايات المتحدة تتحكم بحوالي 80 بالمئة من الصور المبثوثة في العالم، وداخل الاتحاد الأوروبي تمثل نسبة الأقلام الأميركية المعروضة 75 في المئة مما يعرض في دور العرض، فيما نجد 53 في المئة من المواد المقدمة في قنوات التلفزيون الاوروبية البالغ عددها حوالي خمسين قناة، غير القنوات المشفرة، هي مواد أميركية أيضاً، كما تهيمن على قطاع الأخبار والمعلومات المتداولة، فالاسوشيتد برس الأميركية تزود بالانباء والصور ما يناهز 1600 صحيفة يومية و5900 محطة للراديو والتلفزيون في مختلف انحاء العالم، بالاضافة إلى أن 90 في المئة من مواقع شبكة الانترنت هي مواقع أميركية، كل هذه العوامل تسهم في تعميم وتسويق الافكار الأميركية، بل تنشر بنشاط النموذج الأميركي لنمط العيش في مختلف أنحاء العالم.
إذن ثمة مربع ذهبي تلعب الهيمنة الأميركية ومشروعها الامبراطوري لعبتها بين أضلاعه وهو: الانجيليون الجدد، المحافظون الجدد، التحالف الصناعي العسكري، الاعلام المعولم، وهو مربع يبدأ بالترويج الايديولوجي ثم برسم السياسيات والبرامج ووضعها موضع التنفيذ عبر تكامل مصالح بين الرأسمالية الأميركية المتوحشة وصناعة السلاح والسيطرة على مصادر الطاقة، يغطي كل ذلك قدرة إعلامية عابرة للقارات قادرة على اختراق العقول والترويج للمشاريع العدوانية الجديدة.
المأزق الامبراطوري
لا يعني ما سبق استعراضه أن الارض معبدة أمام هذا المشروع الاستعماري الجديد الذي يلبس لباس الديموقراطية والاصالح والليبرالية والحداثة. على العكس إن الهدف هو ان نقرأ بهدوء وموضوعية واقع العدو الذي يحاربنا وان نقترب مما يقولونه هم عن انفسهم وان نفهم وما يقولونه وليس ما نقوله نحن عنهم، وكي نجيب على الاسئلة الصعبة مثل، كيف يصنع عدونا قوته، وكيف يتخذ قراراته وكيف يصنعها؟ بل من هي القوى الخفية والصانع الحقيقي لهذه القرارات؟ إن معرفة الإجابة على هذه الاسئلة هي المقدمة الضرورية كي نعرف من ومتى وكيف نواجه ونقاوم؟ وما لم نفهم عدونا جيداً نحرم أنفسنا من المعرفة التي هي في عصر العولمة كما كانت في كل العصور، مفتاح المقاومة الناجحة.
لقد بات من الواضح أن الاقتصاد الأميركي في السنوات الأخيرة يعاني عدة صعوبات من بينها الركود، فقد وصل عجز الميزانية الأميركية في العقد الأخير من العقد الماضي الى ما يناهز 350 ملياراً وبلغ حجم الديون الخارجية 3.5 تريليون دولار، وزادت ديون الافراد بنسبة 12 في المئة، في حين لم يرتفع دخل الفرد إلا بنسبة 7 في المئة، كما ارتفعت معدلات البطالة إلى 6.6 بالمئة. وخلال فترة التسعينيات هبطت معدلات البيع في أسواق السيارات والعقارات هبوطاً حاداً, واصبحت سرعة الانتاجية تقل ثلاث مرات عن مثيلاتها في اليابان ومرتين عنها في اوروبا الغربية، هذا بالاضافة الى التردي الذي تعرفه الخدمات الصحية والتعليمية، وتزايدت نسبة الاقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة, وتراجعت نسبة العلميين والفنيين حسب تقرير التنمية البشرية في العالم، فهناك 55 فنياً وباحثاً لكل الف من السكان الأميركيين مقابل 129 في كل من السويد وهولندا، و257 في كندا و317 في اليابان، وتشهد المدارس والجامعات الأميركية حالات من التدهور يبرزها تراجع طلابها أمام الطلاب الأجانب وخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي. وحسب ايمانويل تود صاحب كتاب: (ما بعد الامبراطورية، دراسة في تفكك النظام الأميركية) الذي يتنبأ بإنهيار الولايات المتحدة الأميركية، وهو كان سبق وتنبأ بتفكك الاتحاد السوفياتي قبل عشر سنوات من انهياره، فإن أميركا بحاجة الى 1.5 مليار دولار يومياً لتغطية العجز في ميزانها التجاري والذي قارب العام الماضي الـ 450 مليار دولار. وهو يعتبر ان اميركا عشية القرن الحادي والعشرين اصبحت غير قادرة على ان تعيش على انتاجها وحده إذا شاءت الاحتفاظ بنفس مستوى المعيشة، ويتنبأ المؤلف الذي أثار كتابه ضجة, بأنه مع إزدياد قوة "أوراسيا" ستنخفض وتتوقف التدفقات المادية والمالية التي تغذي اميركا اليوم، مما سيجعل منها دولة مثل غيرها من الأمم.
أما صموئيل هنتنغتون، صاحب نظرية صدام الحضارات فيكشف في مقال حديث له الهاجس الديموغرافي الذي يخيف اميركا ويستشهد بإحصائية تقول أنه عام 2050 سيكون من بين السكان الأميركيين 23 بالمئة من أصول لاتينية و16 بالمئة سوداً و10 بالمئة آسيويين. ويعلق على هذه الاحصائية بالقول انه اذا نجحت الولايات المتحدة في السابق في استيعاب المهاجرين فلأنهم في الغالب كانوا أوروبيين، فهل ستنجح مستقبلاً عندما سيصبح 50 بالمئة من السكان لاتينيين أو غير بيض؟
نعم الولايات المتحدة الأميركية هي الأولى في الانفاق العسكري والرؤوس النووية والطائرات المقاتلة، إلاّ أنها الثامنة في متوسط عمر الفرد والثامنة عشرة في معدل وفيات الاطفال وأظهرت دراسات أكاديمية حديثة فيما يتعلق بالكسب والعمالة والتعليم والجريمة ان الولايات المتحدة تبدو وكأنها تتكون من أمتين بينهما تفاوت هائل.
لا يعني عرض ما تقدم التهوين من قدرات الولايات المتحدة الأميركية وقوتها، إلا أنه يعني بوضوح أن المشروع الامبراطوري على المدى البعيد يقف على أرض اقتصادية واجتماعية رخوة, وهي تتجه يوماً بعد يوم لتصبح أكثر هشاشة، في ظل إدارة يحركها الجنوح المجنون نحو خوض حروب تستنزف الكثير من طاقاتها وقدراتها وهو ما يذكرنا بقول لأحد الحكماء: إن شاء ربك ان يهلك عبده، أفقده أولاً عقله. |