|
فإلى أين يمكن أن يقودنا تخبطها
عندما قررت منظمة التحرير الفلسطينية الدخول إلى الحلبة السياسية من بوابة المفاوضات مع العدو الصهيوني في الوقت الذي كان فيه التفاوض مع العدو أمرا محظورا، لم يكن قادتها على وعي تام بخطورة هذه الخطوة، ثم ما لبثوا أن ركبوا رؤوسهم ولم يلتفتوا إلى صوت العقل والحق والضمير الذي خاطبتهم به حركة المقاومة الإسلامية حماس عندما التقت بهم في تونس وذلك قبل الدخول في نفق أوسلو الظالم والمظلم، وأدت بذلك حماس واجبها الوطني والديني يوم وضعت بين يدي قادة المنظمة بكل أمانة محاذير ومخاطر الدخول في مستنقع التسويات، ولكن على ما يبدو أن دخول البيت الأبيض كان حلما يداعب قادة المنظمة فأصموا آذانهم ولم يستمعوا لهذا الصوت المخلص والخالص لوجه الله، ظانين للأسف الشديد أن الوصول إلى البيت الأبيض سيفتح أمامهم مغاليق الأبواب لتحقيق ما أطلقوا عليه الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ولكنهم اليوم يعيشون بكل تأكيد الصدمة وخيبة الأمل وقد تبخرت الأحلام إذ أدركوا أن الأبواب لا تفتح إلا لمن تجرد من آخر قطعة من الزي الوطني.
فلماذا وصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى هذا الوضع الخطير والبائس؟ مما لا شك فيه أن هناك عوامل عدة أدت بها إلى الانزلاق إلى هذا المنحدر ومنها :
- التفرد التام في اتخاذ القرارات المصيرية دون أدنى اعتبار لموقف الشعب الفلسطيني، وبعيدا عن المواقف والرؤى السليمة للقوى العاملة على الساحة الفلسطينية، وكذلك بعيدا عن أعين المراقبين والمهتمين بالقضية الفلسطينية والذين يملكون القدرة على إبداء رأي سديد لصالح القضية بل ولصالح المنظمة ذاتها، فكل شيء جرى في الخفاء، وما وقع قادة المنظمة في هذه السلسلة من الأخطاء إلا رغبة منهم في التفرد بما ظنوه إنجازا ومغنما، فهم لا يريدون أن تكون لهم شراكة في قيادة الشعب الفلسطيني، ولقد انعكس هذا الأمر سلبا ليس فقط على الوضع السياسي للقضية الفلسطينية، ولكن أيضا على الوضع الداخلي للشعب الفلسطيني، حيث كان التمييز الفئوي بين أبناء الشعب الواحد هو من أبرز معالم الفساد التي نخرت في دوائر ومؤسسات السلطة الفلسطينية، فقد أصبح العمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية حكرا على فئة بعينها خاصة الوظائف ذات المستوى العالي، فلم يكن هناك أدنى اعتبار للدرجة العلمية أو الكفاءة بقدر ما كان الاعتبار للانتماء، وقد بلغ الأمر أن يكون هناك تمييز بين زملاء القيد في الحقوق في الوقت الذي تساووا فيه في أداء الواجبات.
- التفرد التام في التوصل إلى اتفاقيات هزيلة كاتفاقية أوسلو بعيدا عن الموقف العربي الموحد الذي خاض غمار المفاوضات جماعة، ولكن فجأة ودون سابق إنذار فقد استقلت المنظمة بعقد اتفاقيات منفردة رغم الاتفاق المسبق بين كافة المسارات التفاوضية على السير في خطوات متوازية والعمل كفريق واحد.
- تخلي منظمة التحرير الفلسطينية عن أهدافها الوطنية قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، وما فعلت ذلك إلا من أجل الحصول على تأشيرة الدخول إلى البيت الأبيض، فاعترفت بما يسمى دولة إسرائيل، ونبذت المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال، وصبغتها بالإرهاب، وكل ذلك جرى مقابل اعتراف أمريكي بمنظمة التحرير الفلسطينية التي لم تعد في واقع الأمر منظمة للتحرير بعدما تنازلت عن 78% من فلسطين باعترافها بما يسمى دولة إسرائيل وذلك قبل الشروع بالمفاوضات.
- لم تكتف منظمة التحرير الفلسطينية بتهميش الفصائل الفلسطينية المقاومة وخاصة الإسلامية منها ولكنها ألزمت نفسها في اتفاقية أوسلو بالتعاون الأمني مع الاحتلال، وبمحاربة الفصائل الإسلامية، والعمل على شل المقاومة، وكل ذلك بدون مقابل اللهم إلا الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل العدو الصهيوني كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهذا الالتزام أدى بالمنظمة إلى فقدان أهم أوراق الضغط على طاولة المفاوضات، وجعلها دائما مطالبة بإشعال فتيل الحرب الأهلية.
- كانت منظمة التحرير الفلسطينية تجهل تماما حقيقة وطبيعة هذا العدو الصهيوني عندما خاضت المفاوضات، كما كانت تجهل العلاقة القائمة بين الغرب وهذا الكيان الصهيوني خاصة أمريكا التي رأت المنظمة فيها المخلِّص، فراهنت على حصان خاسر.
- على صعيد المفاوضات كان هناك اختلال في موازين القوى بين الطرفين المتفاوضين، ولا أعني بذلك ما يتمتع به كل طرف من القوة العسكرية، ولكن كان هناك فروق هائلة على مستوى الوعي السياسي، والقدرة على استخدام أساليب المناورة والتكتيك، والحرص على تحقيق الأهداف والتمسك بالثوابت حتى أصبح معلوما أن العُقَد التفاوضية لا تحل إلا بتنازلات فلسطينية، كما كانت هناك فروق في القدرة على صياغة مسودات الاتفاقيات، بل هناك فروق في الشعور بالبعد الديني واستثماره لصالح تحقيق الأهداف.
- في الوقت الذي كان يستند فيه العدو الصهيوني في اتخاذ القرار على القواعد الديموقراطية، فقد كان يشترط أحيانا للموافقة على أي اتفاق يتم إبرامه موافقة الكنيست، وأحيانا أخرى يشترط الاستناد إلى استفتاء شعبي، كان الجانب الفلسطيني المفاوض يعتمد على قرارات فردية، أحيانا تكون واضحة الفردية وأحيانا أخرى تكون مغلفة بثوب ديموقراطي وهمي لا ينطلي على أحد كما جرى عند اتخاذ قرار تعديل الميثاق في حضور رئيس الولايات المتحدة بل كلينتون.
- لم يكتف الجانب الفلسطيني الرسمي بتغييب الشارع الفلسطيني عما يدور في المفاوضات، ولكن كانت هناك عملية تضليل متعمدة تجري عبر الإعلام الفلسطيني الذي كان يتعمد تغييب الرأي الآخر، وفي نفس الوقت يُمنِّي الشعب الفلسطيني أحيانا بسنغافورة وأحيانا أخرى بانطلاقة سياسية غير واقعية، مما أدى إلى خلق عزلة شعورية للسلطة الفلسطينية في ضمائر ووجدان الشعب الفلسطيني، وكل ذلك أضعفها أمام المفاوض الصهيوني.
هذه بعض العوامل التي أدت إلى الوصول إلى هذا المنحدر الخطير في ظل التحرك السياسي المتفائل، فإلى أي كارثة يمكن أن يصل بنا التخبط السياسي الحالي، فتارة يخرج علينا رئيس الوزراء مطالبا بدولة ثنائية القومية أي دولة مشتركة مع اللصوص قادة العصابات الصهيونية الذين يغتصبون الوطن، ثم يتراجع بعد أقل من 48 ساعة عن هذا الطرح ليعود من جديد إلى المطالبة بدولة فلسطينية في حدود 67 وفي نفس الوقت تخرج علينا أصوات من "آل السلطة" مطالبة بحل السلطة، ومن هذه الأصوات صوت عبد ربه صاحب وثيقة جنيف، وكذلك عدلي صادق الذي قال في مقال "وحدك يا.. نابلس00جبل النار" الذي نشر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 5/1/2004 ، "ولم نسمع أن المعنيين بالمفاوضات، وقفوا، ومعهم رئيس الحكومة، ليقولوا للعدو، بأننا لا نملك حيال هذا التدمير الإجرامي، إلا حسم أمرنا، في اتجاه تحميل المسؤولية كلها، عن الأراضي المحتلة في العام 1967 للمحتلين، حتى وإن اقتضى الأمر، حلّ السلطة، وطي رمزياتها، والتحول كلياً إلى صيغة ما قبل أوسلو بالعودة إلى نقطة الصفر، وليتحملوا كل المسؤولية عن الاحتلال. فليس من العيب، أن نكون تحت الاحتلال. فلنا أسلوبنا المعروف، للتصرف على هذا الأساس. أما العيب، فهو أن نتصرف كأننا أصحاب مسؤولية، ثم نقف متفرجين، مثل شُهّاد الزور! ".
من الواضح أن سياسة التخبط لن تقودنا إلا إلى الهاوية، واستدراكا للأمر قبل فوات الأوان لابد من وضع حد للكارثة السياسية ولا يكون ذلك إلا بالاستجابة لما ذهب إليه "آل السلطة" إن لم يكن طرحهم من باب المناورة التكتيكية بهدف الضغط على الجانب الصهيوني الذي يرى في بقاء السلطة الفلسطينية مصلحة قومية عليا لخدمة الاحتلال، فمثل هذه المناورة التكتيكية لا تسمن ولا تغني من جوع لأن الصهاينة يدركون أن بقاء سلطة فلسطينية ولو بغير هدف تشكل المتنفس الوحيد لقادة أوسلو. |