|

عند الحديث عن اصلاح النظام العربي الشامل واصلاح الأنظمة العربية من الداخل لا يمكن اغفال قضايا اساسية تمثل مفتاح الحل الأمثل و"خريطة الطريق" الخروج من المأزق الراهن والبحث عن شعاع نور في نهاية النفق المظلم الذي دخله العرب هذه الأيام طوعاً أو بالإكراه وبيدهم قبل ان يكون بيد الآخر... أي الآخر المحلي... والعربي والاقليمي والاجنبي.
هذا المفتاح هو الانسان بشكل عام والمواطن, اي مواطن مهما كان دوره ووزنه ومكانته الاجتماعية والسياسية والمالية, وعلاقته بالوطن وبالنظام الحاكم فيه ضمن اطار الحقوق والواجبات والمسؤوليات بعدما دخلنا في متاهات ما أنزل بها من سلطان, واجريت علينا تجارب أين منها تجارب المختبرات على الفئران بكل ما تحمله من عذابات وقسوة وتدمير لمقومات الحياة.
والفرق بين التجربتين ان الثانية ربما كانت تستهدف مصلحة البشرية عن طريق اكتشاف أدوية ووسائل معالجة لأمراض, وسبر خبايا بحر العلوم الواسع, أما الأولى فقد كانت تجارب عبثية لا مسؤولة لم نجن منها سوى الخراب والدمار والفرقة والتشرذم والفقر والضياع وتسليم راياتنا الواحدة تلو الآخرى الى الطامعين والأجانب وأولهم الصهاينة في فلسطين وما تلاها.
وكنت قد اشرت في مقال سابق الى حال الانسان العربي عنوانه: "الانسان - الوطن - المواطن" وركزت فيه على السلبيات التي مرّ بها والمظالم التي ارتكبت في حقه. وأعود اليوم لأكمل ما بدأته من رصد للحالة ومحاولة لتوجيه الإصبع نحو الأسباب والمسببات والمسببين ومعها الاخطاء والخطايا التي ارتكبت بحق أمتنا ليس في نصف قرن بل في قرن مضى, وربما نعود الى ما قبل ذلك بكثير. فقد نجحت معاول الهدم في تدمير البنى التحتية لمجتمعاتنا وأوطاننا وصولاً الى "الانسان" فينا, وطاولت كل ما وصلت اليه من قيم وايمان وعادات وتقاليد وأصالة وركائز اجتماعية وعائلية وتاريخية وحضارية. ولا أريد هنا المشاركة في نوبات الندب وجلد الذات والبكاء على الاطلال وتوجيه سهام الاتهامات جزافاً, خصوصاً بعد تسليم العراق إن لم نقل "تضييعه" والخوف من تحويله الى فلسطين اخرى, ولكن ما أردته من هذه السلسلة هو الدعوة لحوار موضوعي وجاد حول وسائل الاصلاح العربي العام والخاص مع التركيز على محوره المهم والفاعل وهو الانسان الذي تعرض لحملة تهميش وتهشيم وتهجير وتيئيس.
وقد أدى هذا السلوك الى قمع كل الامكانات والقدرات والطاقات لهذا الانسان والتقليل من دوره ان لم نقل انكاره والانتقاص من قيمته وتدجنيه بالترهيب والترغيب واقناعه بعقد نقص لم يستطع التخلص منها على رغم ان التجارب والوقائع اثبتت بشكل لا يقبل الجدل تفوقه ونجاحه في أي مجال علمي أو عملي أو مهني عندما يعطى الفرص المناسبة ويتنفس اوكسجين الحرية ويحظى بالدعم والتشجيع. واكبر مثال على ذلك تفوق آلاف بل مئات الألوف من المغتربين العرب في ديار الاغتراب ووصولهم الى أعلى المراتب وتحقيقهم انجازات اعترف بأهميتها العالم كله.
ولهذا فإن كلمة السر التي تفتح باب الاصلاح المطلوب كانت وستبقى على الدوام هي "الانسان" بجناحيه, الرجل والمرأة.
ومن انطلاقته تبدأ رحلة الألف ميل نحو بناء الوطن القوي المعطاء والنظام العادل الحـكيم. والمواطن الكريم العزيز وفق المعادلة الطبيعية والفاعلة, أي معادلة الحقوق والواجبات ومسؤوليات الوطن والمواطن والنظام مقابل الواجبات المترتبة على أطراف البناء السليم المعافى. والقناعة بهذه المعادلة تأتي أولاً قبل الحديث حتى عن عقد اجتماعي جديد يحدد المسؤوليات والواجبات ويعالج النواقص والأخطاء المتوالية ومن بعدها يأتي العمل الجدي لتحقيق الأهداف المنشودة ولو بدأ من نقطة الصفر, ونحن لسنا في حاجة الى دروس جديدة, فتعاليم ديننا وسنة رسولنا الكريم واضحة في الدعوة للمحبة والعدل والمساواة والتضامن والتآزر ومسؤولية الجميع بلا تمييز ولا تفرقة. فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته. وكما نكون يولى علينا, ولا يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا.
وقد رأينا بأم أعيننا كيف انهارت دولة الظلم في العراق في لمح البصر مع اننا نعرف ان دولة الباطل ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة. فلو كان الانسان العراقي عزيزاً في بلده, حاصلاً على حقوقه ويعيش حياة كريمة لا ظلم فيها ولا ارهاب ولا قهر, لما سمح بما جرى, ولتصدى الجيش والشعب للعدوان مهما بلغت قوته ومهما امتلك من أسلحة دمار وطائرات وصواريخ. والأمثلة كثيرة علينا التعلم من دروسها والاتعاظ من عبرها والحرص على عدم تكرار الاخطاء والخطايا وترك فرد واحد يتحكم بمصائر الناس ورقابهم وحياتهم ومصدر رزقهم فيعلن الحرب بقرار جنوني ويستسلم بقرار جبان ويهدر البلايين بجرة قلم ويدمر حياة الملايين بمزاجيته وارادته ويحرق الأخضر واليابس بهوسه النيروني.
والتعلم من الدروس يجب ان يتلازم مع توفر الإرادة والعزيمة على تحقيق الاصلاح الحقيقي والجدي. فلا اصلاح بلا مصارحة, ولا فضيلة الا بالعودة عن الأخطاء, ولا علاج ان لم نعترف بوجود المرض أو العلل, ولا حلول إلا بتحديد المسؤوليات والواجبات وتوزيعها على قطاعات واسعة, ولا مصالحة وطنية الا بمساهمة الجميع في عملية البناء, ولا مستقبل الا بدولة المؤسسات والقيم, ولا مؤسسات إلا بقضاء عادل ونزيه وادارة نظيفة قادرة لا فساد فيها ولا روتين ولا بيروقراطية ولا رشاوى.
ولا أتحدث هنا عن الجمهورية الفاضلة ولا عن الحلم المستحيل بل عن الحد الأدنى المطلوب والواقع الذي تعيشه شعوب اخرى كثيرة لسنا بأقل منها قيمة وقدرة ونضجاً. فالمطلوب صوغ عقد اجتماعي جديد يأخذ في الاعتبار هذه الأسس والمبادئ يشارك فيه أهل الحل والعقد والعلماء والمفكرون ورجال الاعلام والأعمال والخبراء والمحامون والقضاة ورجال التعليم والتربية وهيئات المجتمع المدني والمنظمات الاهلية وكل فعاليات المجتمع من رجال ونساء حتى يتم سد الثغرات وقطع الطريق على المخربين والمتطرفين والعملاء والارهابيين وأصحاب النيات الشريرة ودعاة التفرقة واثارة الفتن والنعرات.
ومن خلال هذه الخطوات تمكن اعادة بناء الانسان الحر والمواطن الصالح والتمسك بالحقوق وتأدية الواجبات. وعندها يمكن ان نطالب المواطن بأن يتخلى عن فرديته وانانيته ومصالحه الضيقة ونعراته وحساسياته لنحمله على التفاني ومحاسبة نفسه وسؤالها: ماذا قدمت أنا لوطني قبل ان اسأل ماذا قدم وطني لي؟ وهو سؤال كنا نتمنى ان يكون محور حياتنا منذ زمن بعيد لو كان العدل اساس الملك ولو كانت التجارب التي مرت بها أمتنا أقل ايلاماً وظلماً وجوراً.
وقد أعجبني قول للكاردينال نصرالله صفير بطريرك الموارنة في لبنان قبل مدة جاء فيه: "انه لا يجوز الإقبال على الوطن وهو في حال ازدهار وهجره وهو في حال افتقار. فإذا صح ان الوطن هو بمثابة أب... فالأب أب في جميع حالاته والوطن وطن في جميع حالاته".
حقاً ان الوطن أب لا غنى عنه وسقف نحتمي به وعز نتفاخر بقوته وقلب يضخ لنا اكسير الحياة... وهذا ما نحتاج اليه للخروج من المحنة الراهنة... ونسمع هذه الأيام كلمة الإصلاح تستهلك وتتردد على الألسنة: اصلاح الأوضاع, اصلاح النظام العربي, اصلاح الجامعة العربية, اصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية, وتعرض مشاريع وتصورات لن تبصر النور الا اذا أخذت الانسان كهدف اساسي لرعايته وترميم بنيانه وتأمين حقوقه حتى ينهض من جديد مواطناً صالحاً ايجابياً يرفض السلبية وينفض غبار اللامبالاة ويمنح شرف المشاركة في البناء.
والبناء يشمل البيت والأهل والمدرسة والجامعة والمناهج والمؤسسات والنوادي والمجتمع والمصنع والجيش والأمن وكل منحى من مناحي الحياة. فالمخاطر التي يواجهها العرب, كل العرب, كبيرة لا بد من التصدي لها بجرأة وحكمة وموضوعية - ونحن في عصر العولمة والغزو الثقافي والفكري والأسواق المفتوحة والمطامع الصهيونية والتكتلات الاقليمية والعالمية. والمفتاح الأساسي للدخول الى عالم العصر الرهيب ومقارعة القوى المتربعة على عرشه يكمن في خطوة اساسية تكون في اعادة الاعتبار للانسان العربي واحياء روح الوطنية بمعناها الشعري الجميل والمواطنة بمعناها العملي الفاعل واعادة بناء الوطن وفق معادلة الحقوق والواجبات والانطلاق نحو المجال الأرحب على مستوى العالم العربي كله. |