|
خبر في دقيقة، بل وأقل من ذلك لعلها ثوان معدودات لاتتجاوز العشرة كما أصبحنا نراها في نشرات أخبار المحطات الفضائية الإخبارية العربية، هو نصيب الأخبار الفلسطينية التي اختزلت إلى هذا القدر الضئيل من الوقت وحجم العرض بل والاهتمام.
في متابعة سريعة لنشرات الأخبار التي كانت تتعيش على الأخبار الفلسطينية والبطولات التي أذهل الفلسطينيون بها العالم وهم يقدمون نماذج أسطورية من أساليب الدفاع عن النفس والوطن والعقيدة، كانت محل تغطية سريعة ومفصلة وحرة في مناقشتها إلى حد أنها أصبحت النموذج الأكثر تقديراً بين الشباب العربي والمسلم وغيرهم من الفئات الحرة، فاعتبرته الأنظمة الحاكمة في كثير من الدول باختلافها نبوءة خطيرة لإمكان تطبيق النموذج النضالي الفلسطيني ضد هذه الأنظمة إذا ما أطلق مرجع ديني ما فتواه بجواز تطبيق نموذج الاستشهادي ضد حكومة دولة معينة !! فأدرك القائمون على الأنظمة أن الوقت قد حان لوقف حالة الإعجاب بالنموذج الفلسطيني المناضل بل وتجريمه وتحريمه إن تمكن، ولعلنا ونحن نستذكر الفتاوى المترددة والمتأرجحة التي صدرت من هنا وهناك عن المراجع الدينية باختلافها يؤكد ما نقول.
ويظهر هنا التناول الإسرائيلي بوضوح في كيفية تصنيف الأعمال المقاومة الفلسطينية وإدراجها في إطار الإرهاب المتناغم مع الموجة الدولية التي نجحت الولايات المتحدة بإدارتها الحالية في استقطاب ( غزلاً وضغطاً ) دولاً مختلفة وفي مواقع جغرافية مختلفة أيضاً لتصب في إطار جهودها الهادفة لمحاربة كل من يقف في طريقها ( أقصد طريق المجموعة المسيطرة على الحكم الأمريكي ) ووصمه بنظام إرهلبي أو نظام داعم للإرهاب فيحل لها تنفيذ أحكامها ضد النظام والدولة التي يستهدفون أولاً بالهجمات الإعلامية التي يطلقها إعلامهم قبلاً.
مرة أخرى، التناول الإعلامي الإسرائيلي نجح في محاكاة المواقف مع الأمريكان ليحول الدفة في اتجاهات العالم المزمع صياغته إلى قبول الأعمال العدائية والمغموسة بعمليات القتل العشوائي والقتل المنظم (عن عمد وإصرار) التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد شعب فلسطين.
هذا العرض السريع المستذكر لتوالي الأحداث في منطقتنا مربوطة بالعالم ( الذي انحسر في إدارة الولايات المتحدة ) يبين أنه من الخطأ المريع أن تقف غرف الأخبار وإدارات المحطات الإخبارية الفضائية العربية والأجنبية في خانة المؤيد لهذا النهج المنتظم والمقصود والذي يهدف إلى ترويض العالم العربي وشعوبه ليتحول إلى نعامات تدفن رؤوسها في الأرض أو تدفع بعقولها إلى الفراغ فيجد المشاهد العربي نفسه غارقا في متابعة أخبار سريعة وقليلة النفع والتأثير فينا تقع في مناطق بعيدة جغرافياً عنا وليس لها تأثير في عمليات صياغة مستقبلنا فنصبح كمن تخدر لارد فعل له، أو كمن تغسل عقله فأصبح يؤمن بمناهج عقلية جديدة غريبة عن تراثنا الثقافي والوعي الجمعي لأهل منطقتنا.
في ذات الوقت، جاءت مجموعة الحكم المتطرفة التفكير والأداء الإسرائيلية لتعيد إحياء وتنظيم الفكر الصهيوني الجديد ممسوحاً بالفكر المتطرف الذي ينهجه ليبرمان ولانداو ووزير السياحة المقتول. فالشقاق واضح والابتعاد واضح والعمل باتجاه الوصول إلى حلول وسطية مقطوع، فيما، وهو مهم، العمل الإعلامي للدول المصدرة للحريات (على الأقل في ادعاءاتها) يتجاوز السلوك الإسرائيلي الفاحش ضد شعب فلسطين وضد الثقافة الشعبية لأهل المنطقة بل وضد دينهم معتبراً أن الحرب على "الإرهاب" الذي يقصدون يجنب الدولة الإستيطانية العدوانية خطط التغيير والترويض التي يطلقونها ضد دول مختلفة في المنطقة العربية ومناطق أخرى.
من كل هذا نتبين أن عدم إدراك القائمين على المحطات الإخبارية العربية بالذات والعالمية معها و بإغفالهم لكثافة الدم الفلسطيني المهدور، وحقوق الإنسان الفلسطيني المسفوكة، وسبل الحياة الفلسطينية المتحطمة في نابلس وجنين ورفح وخانيونس وكل المناطق الفلسطينية، يدفع الجمهور المشاهد والمتابع لمحطاتهم للإعتقاد بأنها ( أي المحطات ) قد أصبحت جزءاً من الحرب على الوعي الجمعي العربي بل وينغمس، بقصد أو دون قصد، في عمليات غسل العقول وبشكل جماعي لتصبح عقول أهل منطقتنا مرتبطة بعقل النعامة الدافع للدفن في الرمال، ولربما تمهيداً للذبح.
ما يحدث في فلسطين خطير خطورة شديدة ليس على أهل فلسطين فحسب بل وعلى المنطقة، خاصة إذا ما استذكرنا تنبيهاتنا السابقة بأن النموذج المسخ الذي فرض على أفغانستان والذي تم تطويره ليناسب العراق، جاري العمل على تعميمه وتثبيته في المنطقة، فتأتينا الديموقراطية المزعومة في قوالب مستوردة عبر وسائل الإعلام التي تستقي أجندتها من وسائل الإعلام الأمريكية والحليفة فنجد الخبر الفلسطيني يتم تناوله من وكالة أجنبية والخبر العراقي من المتحدث الرسمي الأمريكي وتصبح الأمة في "خبر كان". |