|
بعد وقوع العملية الاستشهادية الأخيرة في تل أبيب، وما تلاها من جريمة اغتيال إسرائيلية في غزة، وصف بيان للسلطة الفلسطينية الحادثين بأنهما عنف وعنف مضاد، بالطبع مع إدانة كلا الحادثين، وهو ما يعيد النقاش والجدال مرة أخرى لموضوع العنف والعنف المضاد، نظراً لما في هذه التسمية من مساواة بين عمليات المقاومة من جهة والجرائم والاعتداءات الإسرائيلية من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من مساواة بينها في الدوافع والقيمة الإنسانية والبعد الأخلاقي.
بطبيعة الحال لا علاقة لجريمة الاغتيال بعملية تل أبيب فالأولى وقعت قبل الثانية بحوالي نصف ساعة، إذن فالاعتداءات الإسرائيلية متواصلة ومتصاعدة، لا توقفها اعتبارات سياسية ولا تلجمها تهدئة فلسطينية، وقد سبقت جريمة الاغتيال في غزة اعتداءات إسرائيلية صارخة في الفترة الأخيرة كمجزرة رفح والبلدة القديمة في نابلس ومخيم بلاطة، ثم من جديد الهجمة المتواصلة على نابلس منذ أيام، وما إلى ذلك من الاعتداءات الإسرائيلية غير المنتهية.
في ظل هذه الأجواء يصبح من الصعب مطالبة أي فصيل فلسطيني بالامتناع عن تنفيذ عمليات مقاومة سواء في الأرض المحتلة عام 1948 أو في الضفة والقطاع، بل ويصبح من السخافة وقلة الحيلة طرح مثل هذه المطالبة، ففي أسوأ الأحوال يمكن تبرير عمليات المقاومة بأنه إن لم يكن هناك بد من استمرار القتل فليكن في الطرفين، وليس فقط في الطرف الفلسطيني المستضعف، لكن الموضوع له بالطبع أبعاد أوضح وأعمق، فعملية تل أبيب تثبت قدرة المقاومة الفلسطينية على الاستمرار في عملياتها وإنهاك واستنزاف الطرف الآخر رغم الضربات الإسرائيلية الموجعة والمتلاحقة لها، لكن للأسف الشديد لا يعطي هذا الأمر للقيادة الفلسطينية الرسمية أية إشارة يمكن أن تلتقطها ويجعلها تقلع عن مساعيها الحثيثة للاجتماع مع شارون دون أدنى مبرر لمثل هكذا اجتماع لا يمكن أن تكون له أية نتيجة.
من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن التهدئة الفلسطينية في العمليات داخل الخط الأخضر منذ بداية تشرين أول الماضي وحتى وقوع عملية تل أبيب لم تدفع الأمريكيين والأوروبيين للتحرك الجدي وممارسة الضغوط على إسرائيل للكف عن تحرشها بالفلسطينيين، بل رأينا دولة يعتبرها البعض صديقة للشعب الفلسطيني مثل فرنسا تقصر ردة فعلها على المجزرة الإسرائيلية في رفح على دعوة إسرائيل "للامتناع عن استخدام مفرط للعنف في المناطق المكتظة بالسكان". هذا كل ما في الأمر، تنديد خجول وباهت لا يؤدي إلا إلى زيادة الإسرائيليين صلفاً وطغياناً وعدواناً.
خلاصة القول ينبغي التأكيد من جديد على أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن تكون هي مشكلة الشعب الفلسطيني، ولا يجوز مساواة عمليات المقاومة بالجرائم الإسرائيلية، إن المشكلة الكبرى هي الاستمرار في وضع العصي في عجلات المقاومة، بشكل يجعل من الصعب على هذه المقاومة أن تؤتي ثمارها رغم عظم التضحيات، يجب على المعنيين استيعاب الدرس وتصحيح الخلل والكف عن التشكيك في المقاومة وتقزيمها والنظر إليها فقط على أنها جزء من دورة العنف والعنف المضاد، فهذا الأمر هو أكثر ما يسيء للمقاومة ويؤذيها، ... وحتى أكثر من الضربات الإسرائيلية. |