|
في آخر زيارة لي لمدينة الضباب وذلك قبل أكثر من عام أخذني – رئيس مجلس إدارة صحيفة "الحقائق" – لصديقه الشخصي ومحاسبه القانوني الأستاذ / مدحت عثمان لمناقشة مسائل تخص العمل ، وفي الطريق الطويل إلى الضاحية الراقية والجميلة التي يسكن بهاالأستاذ/ عثمان كنت مستاءاً إلى حد ما لهذه الرحلة وزيارة أشخاص من هذا النوع ، حريص على الاستمتاع بإجازتي إلى آخر رمق فيها ، فكما هو الانطباع السائد والمعروف عن المحاسبين القانونيين شخوص غير اجتماعيين لا يعرفون سوى لغة الأرقام، جامدون ومملون لا يطاقون بشكل عام ، ولا يحملون أي نوع من المشاعر والأحاسيس ، وفي طريقنا إليه زاد صديقي وهو يقود سيارته - بسرعة عالية كما هي عادته - الطين بله حيث ذكر لي أن (عثمان) يعيش منذ ما يقارب من العشرين سنه في لندن وأن زوجته إنجليزية ، مما كان له أثر مضاعف فنحن سنقضي الساعات الطوال مع محاسب ومتشبع بالبرود الإنجليزي حتى الثمالة ، ليكون إطراء ومديح صاحبي عن( مدحت ) محاولة باءت بالفشل الذريع ورأيت فيها مبالغة لن يستطيع من خلالها تغيير نفسيتي والصورة الملازمة لذهني عن هذه الفئة من الناس وعند باب ذلك المنزل الواسع الجميل كانت المفاجئة فلقد استقبلنا( مدحت ) بحرارة وبترحيب من يعيش في أبسط مناطق صعيد مصر، كان مرحاً بشوشاً حديثة شيق يعشق النكتة لدرجة أنه ينكت على نفسه وأقرب المقربين له طوال الوقت، أما زوجته( شارن) فقد غيرت صورة حملتها منذ نعومة أضافري عن إنجلترا وأهلها ، فبحفاوتها وتقديمها للأكل والمشروبات وإصرارها على تذوق الضيوف لكل شئ موجود كانت نموذجا للكرم والطيبة والأخلاق التي لم نجدها بين إخواننا العرب وأخواتنا العربيات في لندن وللأسف الشديد،أولئك الذين فقدوا أنفسهم فأصبحوا كما الغراب الذي لم يجيد مشية الحمامة ونسي خطواتة وإيقاعاتها.
لقد كانت أمسيتنا تلك في منزل ( مدحت ) شيقة لا تنسى محورها أحاديث عن الأدب والفن ، وجدت نفسي في حوار مع إنسان يحمل في داخله مشاعر فياضة، وأحاسيس مفرطة جياشة، وذائقه مرهفه عالية لقد كان خلفيته ومعرفته بالفن المصري وتاريخه تعادل معرفته وخلفيته عن أنظمة وقوانين الضرائب وقوانين المحاسبة البريطانية ، وما استوقفني هو عشقه وحبه حتى الهيام للفنانة (ماجدة الرومي) التي أحمل لها ذات المشاعر ليكون بيني وبين (مدحت ) قاسم مشترك ، لقد كانت (ماجدة ) محور حديثنا وخصوصا أدائها المميز في أغنيتها(كلمات... ) التي كتب كلماتها الراحل نزار قباني لقد كنا نحاول سبر أغوار، وفهم معاني التوصيف الرائع للكلمات، وكنت أحاول مخلصاً وجاهداً التحليق مع (مدحت) عالياً للوصول إلى الغيمات... إلى المستوى والحالة الإبداعية القبانية:
يسمعني حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات
يحملني من تحت ذراعي يزرعني في أحلى الغيمات
مند ذلك الوقت لايمكن أن أرى أو أسمع للفنانة (ماجدة) حتى أتذكر تلك الامسيةالرائعة...مدحت، وشارن، وإيما الصغيرة التي كانت تطل علينا من فينة لأخرى ونظراتها البريئة المشدودة تجاهنا وكأنها تقول ليس صوت ماجدة حكرا عليكم فأنا لي حق الاستماع والاستمتاع بتلك الأغنية.
لقد كان ذلك كله قبل أن تنقلب أمورنا رأس على عقب قبل غزو أمريكا (للشرق الأوسط) برمته قبل سقوط بغداد الإباء والشموخ والكرامة العربية، قبل أن نعرف السيد / بول بريمر ونشاهده على شاشات التلفزة وهو يتوعد بقمع المقاومة، ويقدم لنا الوعود تلو الأخرى بالأمن والاستقرار، والديمقراطية، والرفاه للشعب العراقي المغلوب على أمره وبأن كل شيء سيتحسن ويتغير إلى الأفضل إلاوتذكرت (ماجدة وكلمات) ولكن من زاوية:
(وأعود أعود لطاولتي لاشيء معي إلا الكلمات). |