|
بداية الحالة الفلسطينية المعاصرة هي اتفاقية أوسلو وإعلان المبادئ، والتي يثار كثير من الجدل حولها، لدرجة أنهم اختزلوا كل مصائب الشعب الفلسطيني وأرجعوها إلى أوسلو. جزء كبير من الشعب الفلسطيني يرى أن اتفاقية أوسلو هي وراء المصائب التي تحل بالشعب الفلسطيني، ولا يرد هذه المصائب لأسبابها الحقيقية. وأنا أتساءل: متى توقفت المصائب عن الشعب الفلسطيني حتى نقول إن بدايتها أوسلو؟؟!! هل أوسلو مسؤولة عن نسف مركز خان يونس عام 1955م.ج. وموت الكثير من الأبرياء؟ هل كانت أوسلو عند اجتياح لبنان 1982م.ج. والوصول إلى مشارف بيروت؟ هل أوسلو مسؤولة عن كل ما نحن عليه من إرتباك وتخلف وإحباط؟ سؤال لا بد من طرحه بموضوعية.
بداية الحالة الألمانية المعاصرة كانت توقيع وثيقة الاستسلام من قبل الجنرال كايتل بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في مايو 1945م.ج. كانت البداية الألمانية وثيقة استسلام غير مشروط (بالألمانية Bedinungslose Kapitulation). لم يسمح له الحلفاء بفتح الوثيقة، كما لم يسمحوا له بالجلوس، فوقع وثيقة الاستسلام غير المشروط واقفاً وخرج. ومع ذلك فالشعب الألماني لم يلطم ويندب حظه العاثر، ويتهم الجنرال كايتل بالخيانة العظمى، وأنه قد باع حقوق بلاده، ففرط في وحدة الشعب الألماني وقَبِل تقسيم ألمانيا.
مقارنة بسيطة بين البدايتين: نجد أن الفلسطينيين في أوسلو وقعوا اتفاقاً بعد مفاوضات، أي أن التوقيع لم يكن استسلاماً غير مشروط، أي أن الوضع الفلسطيني كان أحسن من الوضع الألماني بمراحل، ومع ذلك فقد انتظمت الأمور في ألمانيا بعد أربع سنوات من التوقيع (في سنة 1949م.ج.)، لتنطلق مسيرة البناء في ألمانيا تحت قيادة أديناور، بينما في الحالة الفلسطينية بعد ثماني سنوات ماتزال تراوح مكانها، إن لم تكن تسير إلى الأسوأ، لماذا؟!
لقد أدرك الشعب الألماني أن النقطة لا تستطيع تكوين متجه، فلا بد من نقطة أخرى حتى يتم تحديد متجه. فإذا كانت النقطة التالية في نفس مستوى الأولى، كان المتجه أفقياً، وإذا كانت أعلى منها كان المتجه صاعداً، أما إذا كانت أقل فالمتجه يكون هابطاً. لذا ركز الشعب الألماني على النقطة الثانية، حتى يحدد المتجه إلى أعلى. اتجهت ألمانيا إلى البناء. وقد ركزت على بناء بنيتها الأساسية، ونظرت إلى سلبيات الظروف، كنقاط تحد وبناء. المصانع التي لم يتم هدمها في ألمانيا أثناء الحرب، تم تفكيكها ونقلها بكاملها إلى خارج ألمانيا. بدلاً من لطم الخدود والبكاء على الأطلال، رأى الشعب الألماني في هذا الظرف فرصة جديدة لتجديد التكنولوجيا الألمانية.
في الحالة الفلسطينية اتخذ الهجوم على إنجاز أوسلو أحياناً كثيرة كلاماً إنشائياً وعاطفياً جميلاً يدغدغ المشاعر الفلسطينية، لكن عندما تتمحصه، لا ترى أي استنتاجات معقولة، ولا أي برنامج عمل. خذ مثلاً الفقرة التي تعلق على عدم عودة أبو اللطف: "رفض أن يعود إلى الوطن بتأشيرة دخول أسلوية على غرار الذين عادوا فأطفأوا الشعلة وأحرقوا الراية". كلام كبير أجوف، بل ومغلوط. أليس مجرد وجود الفلسطيني على أرض فلسطين، أرض الرباط، هو رفع للراية وإشعال للشعلة؟؟!!
ردود الفعل المتشنجة هي ردود فعل مناعية زائدة، بمعنى أنها حالة مرضية،فلا بد من علاجها. يجب أن نعرف كيف نوجه ردود فعلنا، حتى نستطيع أن نعود بأكبر فائدة لشعبنا. في الحالة الألمانيةحدثت بعض الظواهر العرضية من هذا القبيل، لكنها لم تكن سمة غالبة. لقد اتهم المستشار الألماني برانت بالخيانة من البعض، عندما قام بعقد سلسلة اتفاقيات مع ألمانيا الشرقية وبرعاية روسية، والتي سميت بالاتفاقيات الشرقية (Ostvertraege)، لتخفيف الألم عن الشعب الألماني بعد عقود من المعاناة. هل الاتفاقيات الشرقية أجهضت حلم الشعب الألماني بالوحدة؟؟!!
إعلان المبادئ تضمن الاعتراف المتبادل بين حكومة اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. أليس هذا مكسباً للفلسطينيين؟ ألم تكن المقولة الصهيونية تدعي بأن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؟ واليوم اسرائيل استفاقت لتقول: آه، لقد اكتشفنا أننا كنا على خطأ، لأنه يوجد شعب لفلسطين. لماذا لا نعتبر هذا إنجازاً؟
هل نصت أوسلو على التنازل عن شيء؟ ما الذي تتنازل عنه عندما يكون كل شيء قابل للتفاوض، مع التأكيد على مبدأ نبذ العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وهو ما يعني تغيير قواعد اللعبة، أصبح لدينا بعد أوسلو وبالضرورة أداة رئيسة جديدة للتعامل من خلالها مع الاسرائيليين.
لا يعمل مبدأ نبذ العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين لصالح الاسرائيليين فقط، إنه يعمل أيضاً لصالح الفلسطينيين. هل اتفاق المبادئ منع الفلسطينيين من أن تدريب مسؤوليهم للعمل تحت القواعد الجديدة، بإرسال محترفين إلى الهند، وهي دولة صديقة بكل المعايير، ليطلعوا على تجربة المهاتما غاندي وليدرسوها بعمق واحترافية؟؟!!! هل نص اتفاق أوسلو للمبادئ على منع الفلسطينيين من بناء استراتيجية تفاوضية، وهل .. وهل .. تساؤلات كثيرة.
هل اتفاق أوسلو يقول بوقف أحلام الفلسطينيين؟ إعلان المبادئ يقول فقط إن قواعد اللعبة تغيرت، فعلينا أن تتدرب على اللعبة حسب القواعد الجديدة، تحت مبدأ اللاعنف. وفي النهاية قدر الله نافذ.
أكثر من ثماني سنوات والحالة الفلسطينية تراوح مكانها، ثماني سنوات ضاعت من عمر الشعب الفلسطيني، لماذا؟ بينما انطلقت الماكينة الألمانية بعد أربع سنوات فقط؟ أين الخلل؟ إن لم يكن في أوسلو، دعونا نفحص ما بعد أوسلو، وما بعد أوسلوهو مقام النقطة الثانية لتحديد المتجه، نفحصها لنرى أخطاءنا، فأخطاؤنا هي فرص نتعلم منها، سهل أن نلوم الآخرين، لكن باستمرارنا لوم الآخرين، لن نتعلم، لأننا نبقى متفرجين... لماذا لا نقول هنا لدينا مشكلة؟ عندها نقوم بمعالجتها. فلا داعي لأن يحجب غبار نقاش أوسلو المتشنج رؤيتنا لقصور أدائنا. |