|
بين ديموغوغية الخطاب وديناميكية الوقائع
أهداف شارون
كان هاجس شارون على كل الصعد تحقيق ثلاثة أهداف:
1- على الأرض، سعى شارون إلى تثبيت مكونات الاحتلال والاستيطان في العمق الفلسطيني، وتأكيد حالة الفصل السياسي بشكل امني يمنع قيام استقلالية فلسطينية سياسية، ويفرض الحل الإسرائيلي من طرف واحد بما يؤمن شروط التسوية المريحة لإسرائيل ويبقى الفلسطينيين تحت الرحمة الإسرائيلية. 2- في المنطقة، تأكيد الهيمنة الإسرائيلية، كجزء مكمل استراتيجيا أو مستقل تكتيكيا عن الهيمنة الاميركية. 3- في السياسات، الحفاظ على ائتلافه وحكمه، ولفت انتباه الشعب الإسرائيلي عن أزماته الاقتصادية والوجودية، بإعلاء حالة الاتحاد الأمني في تصعيد المواجهة مع الفلسطينيين بدل السعي لأي حلول ولو كانت هامشية، واضعا اشتراطات سياسية وأمنية مستحيلة القبول.
خطاب هرتسيليا
خطاب شارون في مؤتمر( هرتسيليا) الشهير لم يأت بجديد يشذ عن تلك الأهداف، وقد جمع بين الغموض في بعض أجزائه والوضوح في بعضه الآخر بما يمكن من تفسيره على نحو دبلوماسي لدى المجتمع الدولي، وعلى نحو ابتزازي لدى الفلسطينيين، وعلى نحو تكتيكي يرضى كل مكونات المجتمع الإسرائيلي بقواه الأمنية والحزبية والنخبوية ...... وكانت رسائل شارون كالتالي:
1- للاميركان والمجتمع الدولي: انه مع خارطة الطريق وإعادة تموضع أو ترتيب المواقع الاستيطانية - التي تسمى - "غير القانونية". 2- للسلطة الفلسطينية: إما أن ترضوا بما أراه من حلول سياسية يمكن تحسينها وبقائكم كسلطة، او سأفرض الحل الأحادي الأمني بما يبقيكم ممزقين سياديا وسلطويا واقتصاديا. 3- للمجتمع الإسرائيلي المأزوم سياسيا ووجوديا واقتصاديا: حاول أن يعدل صورته السياسية الغامضة تجاه الحلول السياسية، إلى صورة من يملك الحل التفصيلي، فمن جهة يوهم المستمع المأزوم انه يريد الانسحاب الأحادي لحل مشاكله، ومن جهة يوهم مستمعه اليميني ورصيده الانتخابي، انه ماض في الفصل الأحادي بما يلبي الشروط الأمنية ويحافظ على الهوية اليهودية.
دواعي إعلان هرتسيليا
في غمرة تعارضات الصورة أو الرسالة الملتقطة من خطاب (شارون) علينا أن نحدد ما يريده شارون ؟ في غمرة التفسير المتسرع وكأن (شارون) انفصل عن ( شارون) القديم أو انه بدواعي أزمات المجتمع الإسرائيلي يريد التخلي عن حلمه اليهودي أو ارض إسرائيل الكبرى ؟
وبرأينا.. شارون لم ينفصل عن شارون، وهو لازال يؤمن بالاستيطان ولم يتخل عن حلمه الصهيوني، وخطابه في هرتسيليا محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعه بأفضل لغة دبلوماسية واقل تنازلات ممكنة، وبما يمكن من بقائه سياسيا أطول زمن ، في ظل عدة تطورات هامة يمكن رصدها كالتالي:
1- تصاعد أحاديث انعدام الأفق السياسي والأمني لحكومته على وقع الصمود الفلسطيني وبقاء وتيرة المقاومة، وترجمة ذلك بجدل سياسي حتى داخل اليمين الصهيوني، والاهم الجدل العاصف داخل المؤسسة الأمنية. 2- قطع الطريق على محاولات بعض اليساريين الاسرائيلين، إعطاء الفلسطينيين أثمانا يراها شارون إشكالا تكتيكيا يحرجه ويؤخر مُضيه في مشروع الجدار الفاصل الهاجس الأكبر لشارون، و الذي هو أهم بنظره مما حصّلته إسرائيل في “ جنيف "من تنازلات جديدة من الفلسطينيين في قضية اللاجئين . 3- تراكم خطير لازمة إسرائيلية مستعجلة هي(اقتصادية)،وأزمة آتية هي (ديمغرافية) . 4- تزايد تأكد تُهم الفساد ضد شارون وابنيه فيما أطلق عليه " قضية الجزيرة اليونانية " التي تثبت تلقي شارون تمويلا خارجيا وغير مشروع لحملته الانتخابية السابقة .
رؤية شارون
شارون البارع في التكتيك، تعود كجندي على الالتفاف والسيطرة على الأحداث قبل ان تدهمه وتسحقه، وخطابه في( هرتسيليا) رغم انه تعبير عن أزمة عميقة يعايشها شارون وحكومته ومجتمعه نتاج مفرزات الانتفاضة الفلسطينية إلا أن علينا أن لا نتسرع في القول أن شارون تخلى عن شارون أو أن الحلم الصهيوني الذي يعشعش في مخيلته قد تنازل عنه بهذه البساطة. فشارون كان يعارض الجدار الفاصل على سبيل المثال ، خوفا من تهمة (تحديد الحدود السياسية لإسرائيل) ، ولكن شارون استغل التواطؤ الاميركي والتأييد الشعبي الإسرائيلي والسكوت الفلسطيني الرسمي، لتحويل الجدار من مسار على طول تخوم المدن الإسرائيلية إلى جدار في عمق الأراضي والقرى الفلسطينية، وبما يؤدي في النهاية إلى تأكيد رؤيته السياسية التي أعلن عنها في برنامجه الانتخابي منذ اليوم الأول ، بإعطاء الفلسطينيين" دويلة " على حوالي 45 % من أراضي الضفة الغربية... وبرأينا إن الخطوات الأحادية التي أعلن عنها شارون في (هرتسيليا) بالكثير من التزويق والتزيين السياسي وعبارات التأييد لتسوية خارطة الطريق ، ما هي إلا كلمات فارغة لان( شارون) ماض في هذه الخطوات بشكل فعلي ومنذ أكثر من سنة ونصف ، وبما يؤكد رؤيته السياسية والأيدلوجية ويستبق الإشكالات الديمغرافية والاقتصادية والأمنية....وتقوم رؤية شارون على عدة محاور أهمها:
1- بقاء قطاع بعرض (16-20 كم) في غور الأردن من النهر وحتى شارع ألون تحت السيطرة الإسرائيلية 2- بقاء قطاع بعرض حوالي 10 كم من صحراء يهودا (الطريق الذي يربط القدس بأريحا عبر نهر الأردن). 3- بقاء قطاع أضيق على طول الخط الأخضر من الغرب بطول ما بين عدة مئات من الأمتار وحتى 7.5 كم.
وبالشكل التفصيلي فان خطة شارون سينتج عنها...
- إقامة أربع كتل فلسطينية في الضفة الغربية مشتتة شمالا ووسطا وجنوبا. - ترتبط هذه الكتل بممرات ضيقة_ تبقى تحت الرحمة الأمنية الإسرائيلية_مع بعضها ومع غزة وباستثناء القدس ومحيطها كما يتضح باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الدولة اليهودية. - بقاء مناطق واسعة من(ج) في يد إسرائيل لابقاء ما يمكنها من مساومة الفلسطينيين لاحقا . - بقاء المستوطنات المعزولة في عمق الأراضي الفلسطينية بغرض المساومة ايضا . - تقليص العلاقة الاقتصادية ما بين إسرائيل والفلسطينيين إلى الحد الادني ، لدفعهم للبحث عن حلول أخرى في الرزق والعلاقة من خلال الهجرة إلى دول الجوار .
الجدار يكشف النوايا
يؤكد استمرار البناء في الجدار الفاصل وقرار التسريع في بنائه مؤخرا... أن خطاب شارون لم يكن الا عملا دعائيا لكسب الوقت كون الجدار ومساره يجري بنائه منذ سنتين و، واذا ماتم الجدار حسب ماهو مخطط ويتمنى شارون ... فسيؤدي ذلك إلى عدة حقائق:
1- شمول حوالي 53000 مستوطن يعيشون في 14 مستوطنة في غربي الجدار، أي ستكون مضمونة عملياً لإسرائيل . 2- ستقع (19) بلدة وقرية فلسطينية غربي هذا الجدار (جدار العمق)، ويبلغ عدد سكانها أكثر من (100) ألف نسمة، وبذلك ستصبح أكثر من 150 قرية وبلدة وتجمع سكاني يقطنها حوالي (697) ألف نسمة معزولة غربي الجدران العازلة (الغربي وجدار العمق)، بينما ستصبح 36 قرية واقعة شرقي هذين الجدارين في الوقت الذي تعزل فيه أراضيها غربي الجدارين وتعداد سكان هذه التجمعات 72 ألف نسمة . 3- تصل المساحة المستهدفة بجداري العزل (الغربي وجدار العمق) إلى ما يربو على 1248 كم2 أي ما يعادل 21.3% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية . 4- أما مساحة العزل الشرقي على طول الأغوار فتبلغ حوالي 1242 كلم2 ، أي ما نسبته 21.2% من مساحة الضفة الغربية، وتضم 20 تجمعاً سكانياً فلسطينياً يعيش فيها حوالي 17 ألف نسمة ، إضافة إلى 41 مستوطنة وبؤرة استيطانية يعيش فيها حوالي 8000 مستوطن. 5- وهذا يعني عمليا ضم ما نسبته 42 % من مساحة الضفة الغربية وحوالي 2490 كم2 ، وفصل 714 ألف فلسطينيا و 170 تجمع فلسطيني عن ترابطهم السكاني المدني، وتأكيد وجود 96 مستوطنة في عمق وبجانب الضفة الغربية .
خدع إزالة المستوطنات
ما تغير في تكتيكات (شارون) هو حديثه عن تبديل بعض مواقع المستوطنات التي يطلق عليها زورا “غير القانونية " ولكن علينا أن لا نقع في الخداع الذي يحاول أن يسوقه شارون بهذا الشأن لسببين:
الأول: أن البؤر الاستطيانية التي أخليت في حقبة شارون الأولى على يد ( بنامين بن اليعازر ) وزير الدفاع العمالي في حكومة الوحدة، أعيد افتتاحها في حقبة شارون الثانية بل وبزيادة 5 مواقع وعاد العدد ليرتفع من 101 إلى 110 . الثاني: أن مجمل البؤر غير القانونية التي وصل تعدادها إلى 110، أقيم أكثر من 60 منها أي أكثر من نصفها، في عهد شارون وبالتالي فان إزالة بضع منها هو خداع كبير، وهو عملية وهمية ما أسهل التراجع عنها تحت وقع ضغوط المستوطنين واليمين الصهيوني. الثالث: حتى لو أزال شارون عشرات المستوطنات "غير القانونية" في ضوء تصوره وفعله الأحادي النهائي والبعيد فان ذلك سيصب في مصلحة إسرائيل الاستراتيجية وتحديدا الأمنية وليس العكس، وسيتفهم المستوطنين ذلك مع الوقت حينما يرون ما حققه شارون لهم شارون على الأرض .
الأفق
خطاب شارون إنتاج جديد لاستراتيجيا شارون القديمة التي أعلن عنها من أول يوم، وهو محاولة التفافية وتكتيكية على ما تحققه استراتيجيا المقاومة الفلسطينية، وسيكون من الخطيئة الفلسطينية الوقوع في مصيدتها التي توهم بإمكانية الحوار مع شارون لتحسين رؤيته أو التخفيف من آثارها، ولعل رفض شارون للتنازلات الفلسطينية الجديدة التي أتت عبر وثيقة(جنيف) مؤشر على تصميم شارون على رؤاه ورفض كل ما يشوش على إستراتجيته، وخطاب شارون يدعو الفلسطينيين إلى مزيد من التنازل بما يتوافق مع استراتيجيته..التي كما تقدم تعطي الفلسطينيين، فتات مقطع في ممرات مهترئة دون سيادة أو قوة أو لاجئين أو قدس ... بما يوفق بين مشكلة بقائهم الدولية والواقعية ضمن منطق (أكثر سكان واقل ارض)، وحلم شارون الصهيوني اليهودي في( دولة يهودية ديمقراطية مهيمنة في ابعد من النيل والفرات)، كل هذا يؤكد الاستنتاجات التالية:
1- أن لا تسوية مع شارون إلا بما يتوافق مع خطته أو يقترب منها. 2-إن المراهنة على سقوط شارون بفعل تفكيك بعض البؤر الاستطيانية وقراءة خطاب شارون وكأنه اصطدام مع اليمين الصهيوني قراءة خاطئة لشارون الأب الروحي للاستطيان واليمني حتى النخاع، وان استخدم بعضا من تكتيكاته اللفظية ومناوراته السياسية. 3- إن التأييد الاميركي لخطاب شارون، والتصريح اللافت للمبعوث الأوروبي للشرق الأوسط (مارك اوتييه) ، الذي اعتبر الجدار الفاصل " قرارا سياديا إسرائيليا " ، لا يمكن فهمه إلا في إطار الضغط على الفلسطينيين ودفعهم للقبول لمجاراة شارون على أمل توريطه سياسيا ، بينما ما سيحدث هو تورط الفلسطينيين وليس العكس ، في ضوء أن الثمن لردع شارون وتدخل الاميركان والاوروببين الفاعل ، هو حدوث حرب أهلية فلسطينية وحتى دون ثمن سياسي مضمون ، ولعل نموذج الهدنة الذي تسعى مصر لتثبيته أكد أن المنطق المقبول لإسرائيل هو الهدنة المجانية فقط . 4- في ضوء ما تقدم يبقى للفلسطينيين مقاومتهم كونها ، السلاح المنطقي والوحيد الكفيل بتسريع نهاية (شارون) وحقبته السياسية، والتهادن معها لا يسهم إلا بإعطاء شارون المزيد من الوقت لاستمرار مشروعه المتسارع على الأرض، فاستراتيجيا المقاومة وتصاعدها هي المنافس الحقيقي لاستراتيجيا شارون بزيادة الجدل الصهيوني وتعميق الأزمات الداخلية، والتي يحاول شارون الالتفاف عليها، في كسب المزيد من الوقت. |