|
اعتقال صدام حسين من قبل قوات الاحتلال الأمريكي هو وصمة عار جديدة في جبين أمة العرب، بالطبع ليس لأن صدام إنسان شريف وعفيف وعزيز على قلوبنا، إنما لأن اعتقاله بهذا الشكل ومن خلال قوات الغزو الأمريكي ينبئ بالحال البائسة والمزرية التي وصلنا إليها، فحكامنا ظلمة ومستبدون، وشعوبنا عاجزة وتائهة، وأمريكا والغرب قذرون وسفلة بكل معنى الكلمة، لا تهمهم سوى مصالحهم، فإذا نفذ الحاكم العربي مآربهم وسار في ركبهم دعموه، ولو بلغ من الفساد والقمع والطغيان ما بلغ، وصدام نفسه أكبر مثال، فقد دعموه سنين طويلة، واستعدوه على الجار المسلم إيران، كل ما في الأمر أن صدام شطح وشب عن الطوق فكان مصيره بشعاً كما رأينا. لكن الأمر لا يتعلق إطلاقاً بديمقراطية الحكام وصلاح أمرهم، فهذا آخر ما يهم أمريكا والغرب، وإلا ما معنى دعمهم للكثير من الأنظمة التي لا تقل قمعاً وفساداً عن صدام ونظامه؟!
الملفت للنظر والمثير للسخرية في نفس الوقت أن بعض الحكام والمسؤولين العرب، وفور القبض على صدام، بدأوا يطلقون أمنيات ومواعظ حول الكيفية التي يجب أن يعامل بها والمصير الذي يجب أن يؤول إليه، وكأنهم وأنظمتهم أفضل من صدام ونظامه وأحسن حالاً، وكأن شعوبهم تتنسم هواء الحرية، وتتفيأ ظلال الديمقراطية.
ردود فعل أخرى جاءت غريبة عجيبة، وتحديداً من الكويت، فأحد نواب البرلمان هناك أعرب عن أمله في أن يعم السلام منطقة الشرق الأوسط بعد اعتقال الرئيس الهارب، وكأن صدام كان المشكلة الوحيدة في الشرق الأوسط، أما إسرائيل واغتصابها لفلسطين وقمعها للفلسطينيين، فلم يأت النائب المحترم على ذكرها، إذ يبدو أن الأمر ليس بالمهم في نظره ولا يشكل أي تهديد للسلام في الشرق الأوسط.
على أية حال رب ضارة نافعة، فاعتقال صدام سيضع الأمور على المحك، فإما أن تخفت المقاومة وعمليات التفجير في العراق أو أن تتصاعد تلك المقاومة، سواء من قبل الموالين لصدام -إن بقي له موالون- أو من قبل المترددين الخائفين من إمكانية عودة صدام التي انتهت بالتأكيد إلى غير رجعة.
خلاصة الأمر أن الأمة تعيش فصلاً قاسياً وموحشاً من فصول تاريخها الطويل، وإن هذه المرحلة سيكون لها ما بعدها، فإما أن تزداد عربدة أمريكا وغرورها، وهو ما توحي به تصريحات بوش، حين قال أن اعتقال صدام غير المعادلة وأن أمريكا ستركز في البحث الآن على زعماء القاعدة، أو أن تتعلم الأمة وشعوبها الدرس وتغير ما بحالها حتى يغير الله ما بها. |