|
رغم الأحداث المتسارعة على الساحة العراقية في عملية القبض على صدام حسين، ورغم المحاولات الأمريكية في إسباغ أثواب "الأكشن" الهوليودي على تلك الأحداث، إلا أنني مازلت مصرا على أنها مسرحية كوميدية استطاع مخرجها أن يجعلها مسرحية "المليار مشاهد" لضرب الأرقام التي سجلها عادل إمام في مسرحية مدرسة المشاغبين.
فرغم الإسهاب الذي أطلقته الأبواق الأمريكية أو سمحت بإطلاقه، ورغم المصطلحات الرنانة التي أعتاد الجيش الأمريكي المغوار أن يطلقها على بطولاته الكرتونية أو ما نسميه نحن المصريون بالعامية "الهجايص" مثل مصطلحات "عملية الفجر الأحمر" وموقع "عش العنكبوت" الذي كان يختبئ فيه صدام وقبل ذلك عاصفة الصحراء وثعلب الصحراء وصولا إلى كلب الصحراء وفأر الصحراء الذي يقف مذعورا خلف كوادر الشرطة العراقية طلبا للحماية من هجمات أبناء العراق، أقول رغم انطلاق هذه الموجات المتلاحقة من الهجايص فإنني مازلت أجزم أن صدام كان عميلا للأمريكان، وأنه من وقت لآخر، شأنه في ذلك شأن أترابه من العملاء أصحاب الفخامة رئيس كولومبيا ورئيس بنما السابقين، كان يخرج على السيناريو الهوليودي المكتوب بشكل يستدعي تجريد الجيوش الأمريكية لغزوه لتحقيق كل أو بعض فوائد السفر السبع.
حتى إسرائيل التي استطاعت خلال فترة حكم صدام أن تأمن على وجودها من نبوخذ نصر جديد رأت أن تدلو بدلوها في محاولة سخيفة "لتبييض التاريخ" الأسود لصدام حسين أو للفت انتباه المحللين عن الحقيقة، فادعت أنها كانت بصدد التخطيط لاغتيال صدام حسين بعملية فدائية لولا أن جميع المكلفين بالعملية لقوا حتفهم أثناء البيان العملي التدريبي في صحراء النقب، وكأن هذا السبب كان كافيا لأن تتراجع إسرائيل عن فكرها الإرهابي تجاه صدام حسين، وكأن هذا السبب قد أقنع من سمعه.
تزعم إسرائيل أن هذه العملية كانت انتقاما لقصف اسرائيل بصواريخ سكود عام 1991 أثناء حرب الخليج الثانية، وعصرت مخي وأجهدت ذاكرتي حتى تذكرت أن صدام حسين الذي أمطر العاصمة السعودية الرياض بأكثر من عشرين صاروخا في تلك الفترة كان قد أطلق صاروخين من نوع سكود باتجاه اسرائيل، وكان لدى الإسرائيليين كافة بيانات الإطلاق وتوقيته حتى استطاعوا تفجير أحدهما في سماء الأردن وسقط الثاني في الصحراء، وانطلقت اسرائيل بعد ذلك تطلب من أمريكا أجهزة استشعار من بعد وصواريخ باتريوت، وطبعا كانت الاستجابة فورية لأن اسرائيل صنفت في ذلك الوقت كدولة معتدلة يهددها صدام مثلها في ذلك مثل السعودية والبحرين والإمارات والأردن تماما، تمثيلية محبوكة يقف فيها محرك العرائس وراء ستار ليمتع الجماهير المتعطشة لمزيد من الإثارة،أي أن المهيب الركن صدام أوصل اسرائيل الى مكانة لم تحلم بها على مدار سنوات الصراع.
لقد احتل صدام حسين الصفحات التي شغلها أيمن السويدي وزوجته ذكرى خلال الأسبوع الماضي، ولكن أيمن السويدي كان لديه من الحمية وأخلاق الرجال ما يدفعه للثورة على زوجته فيطلق خزنة رشاشه في صدرها وصدر من حولها ثم يكافئ نفسه التي لم تطعه على أن يصبر على استمتاع جموع العرب بصوت زوجته برصاصة فى فمه، أما صدام الذي كان يحمل نفس الأسلحة فقد اتسع صدره لأن يرى أرضه نهبا للقطاء وأبناء الخطيئة، والسبب بسيط أن صدام صنيعة الموساد الذين وصفهم القرآن بأنهم"أحرص الناس على حياة" حياته هي أغلى ما لديه.
كانت حياة صدام سلسلة متوالية من الصراع الشبيه برحلة مجرم من السجن إلى كرسي الرئاسة في صراعات ملؤها الغدر والخيانة والتنكر لأصحاب الفضل عليه، بدءا بابن خاله وشقيق زوجته عدنان خير الله الى الرئيس البكر الذي جعله نائبا له إلى حردان التكريتي إلى الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال والسنة في وسط العراق الى إيران جاره من الشرق إلى الكويت جاره وشقيقه من الجنوب ثم باقي الأشقاء في السعودية والإمارات وقطر والبحرين، ولم يعرف صدام من معاني الرجولة سوى الصوت الأجش والميل إلى النساء.
وأخيرا تألمت كثيرا عندما قال الفنان عادل إمام وتبعه في هذا الاتجاه عدد من المفكرين والصحفيين المصريين والعرب أن صورة صدام بلحيته الكثة وشعره الأشعث تعبر عن الهوان العربي، لأن الهوان خيم على هذه الأمة يوم جثم هذا السفاح على صدرها وأفسحت لمثله المجال للجلوس على كرسي الرشيد في بغداد. |