|
في الذكرى العشرين لتأسيس "الصندوق الوطني لدعم الديموقراطية" الذي تأسس عام 1983م اثر خطاب رونالد ريجان التاريخي في قصر وستمنستر في لندن أعلن فيه اقتراب نهاية الاتحاد السوفييتي وأن العالم أمام نقطة تحول تاريخية باتجاه الديموقراطية.. جاء جورج بوش في السادس من نوفمبر الماضي ليحاول أن يلتقط هذه المناسبة ليعلن من واشنطن أن خطابه نحو الديموقراطية والحرية هو بمثابة إعلان جديد عن نقطة تحول تاريخية نحو الديموقراطية في الشرق الأوسط، رافضـًا الذرائع الدينية أو الثقافية التي تسلق لتفسير الاستثناء الشرق أوسطي للسير نحو الديموقراطية وتسائل بوش: "هل تبقى شعوب المنطقة وحيدة من دون ديموقراطية أو حرية" وأكد على أن الإسلام لا يعيق الديموقراطية" وقال: "إن نصف المسلمين في العالم يعيشون في ظل أنظمة ديموقراطية في تركيا واندونيسيا والسنغال والنيجر وسيراليون بما في ذلك الأقليات المسلمة التي تمارس الديموقراطية في دول مثل الهند وجنوب أفريقيا ودول شرق أوروبا وفي أمريكا نفسها"، وأضاف "إن غياب الديموقراطية في الشرق الأوسط أدى إلى نتائج رهيبة للمنطقة والعالم، ودعا الرئيس الأمريكي الأنظمة الحاكمة في المنطقة أن تسأل نفسها هل ستسجل على نفسها أنها أعاقت الديموقراطية أم أنها ساعدت على تحقيقها.. ودعا النظام الإيراني إلى أن يسمع أصوات الناس وصوت الحق أو أن يخسر الوصية للتمسك بالشرعية.. واعتبر أن الديموقراطية هي الطريق الوحيد إلى الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني من خلال قيادة ديموقراطية لا تعيق السلام".
وأعرب بوش عن استعداد بلاده لتقديم التضحيات في سبيل دعم الحرية في العالم ويؤكد بوش أن التـزامه بالديموقراطية يختبر في الشرق الأوسط حيث بؤرة السياسة الأمريكية ويعد بأن تبقى المنطقة كذلك في العقود المقبلة، وشدد على أن الديموقراطية ستـنجح من دمشق إلى طهران وستكون الحرية مصير كل الأمم.
وبعد أسبوعين فقط من هذا الخطاب طعنت الإدارة الأمريكية الديموقراطية وحاولت خنق الحرية عندما طلبت من السلطات البريطانية محاولة منع مسيرات الاحتجاجات السلمية في أجزاء من وسط لندن التي قرر المناهضون لحروب بوش القيام بها بمناسبة زيارته بريطانيا في التاسع عشر من نوفمبر الماضي للحيلولة دون ممارسة البريطانيين لحقهم المشروع في الاحتجاج، أضف إلى ذلك مطالبة بوش أثناء كلمته التي ألقاها في المعهد الملكي للدراسات الدفاعية بلندن الدولة العربية بأن تـنهي التحريض في وسائل إعلامها وأن تقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل.. ما أعجب ديموقراطية بوش التي ينادي فيها بفرض الرقابة على وسائل الإعلام.. وإقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال حقـًا إنها ديموقراطية وحرية أغرب من الخيال.
ونظرًا لازدواجية التطبيق بين أقوال الرئيس الأمريكي وأفعاله فإن كثير من المثقفين داخل الولايات المتحدة فقدوا الثقة والمصداقية برأيهم حيث يقول ديمتري سيميس رئيس مركز نيكسون والناشر لمجلة "ناشيونال انترست الأمريكية" إن الدول الديموقراطية لا تشن حروبـًا ضد بعضها البعض وإن تحويل العراق إلى محمية أمريكية أمر يصعب تبريره خاصة وإن الولايات المتحدة لا تملك تفويضـًا دوليـًا لذلك، كما أن إضافة حروب جديدة ستكون مغامرة.. وتجبر واشنطن على ممارسة نظام الاستغلال والاستعباد على طريق الإمبراطورية الرومانية، وهو ما زرع تدمير الإمبراطورية، أما جاك بالكين أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق جامعة ييل فقال: "يواجه العالم اليوم رجلا مدججـًا بأسلحة الدمار الشامل يتصرف بسلوك عدواني إن لم يحسن حساباته سيغرق العالم في الدم والفوضى.. هذا الرجل هو أخطر رجل على وجه الأرض، والمشكلة أن اسمه جورج بوش وإنه رئيسنا".
السياسات الأمريكية تـنسف المصداقية
وبعيدًا عن تصرف الإدارة الأمريكية في بريطانيا ورأي بعض المثقفين الأمريكيين في رئيسهم فالسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية جوهر الصراع في الشرق الأوسط تـنسف كل ما يعلنه بوش عن الحرية والديموقراطية، فالحكومات الأمريكية المتعاقبة أشبعت دول الشرق الأوسط كل صنوف القهر والاستبداد والحرمان من العدل على مدى أكثر من نصف قرن وقدمت لإسرائيل أحدث أنواع الأسلحة لقتل الشعب الفلسطيني شبابـًا وشيوخـًا ونساء وأطفال وضمنت لإسرائيل التفوق العسكري على دول المنطقة، كما أنها استخدمت حق الفيتو 38 مرة ضد كل قرار من مجلس الأمن ينادي بحرية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة والعادلة لتحرمه من أن ينـتصر له القانون الدولي حتى لو كان ذلك معنويـًا وليس على الأرض، وتؤيد أساليب الحكومة الإسرائيلية الإجرامية والإرهابية ضد الشعب الفلسطيني رغم أن بعض الإسرائيليين يرفضون هذه الأساليب مثل حركة السلام الآن وكذلك رفض عدد من الطيارين الإسرائيليين تـنفيذ أوامر قصف المواقع السكنية في الضفة والقطاع حيث يسقط عشرات الأبرياء المدنيين ووصفوا هذه الأوامر بأنها غير قانونية وليست أخلاقية بينما تعلن إدارة بوش أنها تتفهم الموقف الإسرائيلي في الدفاع عن النفس، والأكثر من ذلك أن الأمين العام للأمم المتحدة، وصف السلوك الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بأنه يمثل انـتهاكـًا للقانون الإنساني، كما أن الرأي العام الأوروبي الذي لا يستطيع أن يجادل بوش في حقه بأنه رأي حر وديموقراطي وضع إسرائيل كأول دولة في العالم تمثل تهديدًا للسلام العالمي بينما يرى بوش شارون بكل جرائمه وعنصريته أنه رجل سلام.
وتدرك شعوب الشرق الأوسط أن الرئيس بوش غير مؤهل على الإطلاق بأن يتحدث عن الديموقراطية أو الحرية لدول المنطقة، فلا يمكن للذئب أن يعطي فريسته الحرية أو الديموقراطية ودول الشرق الأوسط هي فريسة أمريكا النفطية والاستراتيجية تخطط لها المؤامرات وترتب لها الادعاءات لاحتلالها بكافة الذرائع والاتهامات وما حدث في العراق هو دليل لا يقبل الشك على المؤامرات الأمريكية بالمنطقة تحت ذرائع باطلة، فمنذ دخول القوات الأمريكية بغداد في التاسع من أبريل الماضي (أي أكثر من 8 شهور) واحتلالها بكامل أراضي العراق لم تستطع أن تعثر على مبرر الحرب وهي أسلحة الدمار الشامل كما لم تستطع أن تحقق ما تعلنه عن الحرية والديموقراطية للشعب العراقي، حتى أن الرئيس بوش عندما زار العراق في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي ليقضي عيد الشكر مع جنوده جاء متسللا وخرج مغامرًا ولم يستطع المكوث أكثر من ساعتين ونصف في زيارة أشبه بعمليات الكاوبوي الأمريكية.
إعلان حرب على المنطقة
وبرغم الضجة الإعلامية والوصف الأمريكي حول خطاب بوش بأنه دعوة للديموقراطية فإن القراءة المتأنية تبرز بين ثنايا الخطاب ما يعتبر إعلان حرب على منطقة الشرق الأوسط بأكملها ووضعها في حالة طوارئ دائمة تحت رحمة الإدارة الأمريكية، والخطاب يوضح أربعة محاور سوف تتعامل معها الولايات المتحدة على المدى المنظور بالمنطقة:
أولا: المحور الفلسطيني: حيث يقول بوش في خطابه "إن الديموقراطية هي الطريق الوحيد إلى الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني من خلال قيادة ديموقراطية لا تعيق السلام" فاشترط بوش للديموقراطية الفلسطينية تغيير قيادته، وقد طالبت الإدارة الأمريكية سابقـًا بإقالة الرئيس عرفات، وهو ما أكد عليه أثناء زيارته لبريطانيا حيث دعا المسؤولين الأوروبيين إلى قطع الاتصالات مع عرفات دون أن يسميه قال: "إن السلام لن يتحقق على أيدي الزعماء الفلسطينيين الذين على صلة بالجماعات الإرهابية" (ويقصد بالجماعات الإرهابية المقاومة الفلسطينية) وبرغم أن الرئيس عرفات رئيس منتخب في انتخابات حرة تم مراقبتها دوليـًا وقدم العديد من التـنازلات التي لم يرحب بها عدد من الفصائل الفلسطينية إلا أن بوش يريد التـنازل عن كل شيء حتى يكون رجلا ديموقراطيـًا ويقضي على المقاومة الفلسطينية حتى لا يكون إرهابيـًا وهو ما يتـناقض تمامـًا مع الادعاء بأن خطاب بوش دعوة للديموقراطية ويعتبر تدخلا سافرًا في الشؤون الفلسطينية ويوضح بجلاء إصرار الإدارة الأمريكية على تغيير الرئيس عرفات بقيادة توافق على السياسات والمخططات والتـنازلات التي تفرضها الولايات المتحدة على المنطقة.
ثانيـًا: المحور السوري: فقد أكد بوش تمسكه الشديد بالتغيير في سوريا حيث قال: "أن الديموقراطية ستـنجح من دمشق إلى طهران" في نفس الوقت التي تقوم إدارته بمحاصرة سوريا بقانون "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان" ووصف النظام السوري بأنه نظام ديكتاتوري وهو نفس الوصف الذي أطلقه على النظام السابق في العراق مما يستشعر بأن سوريا ستكون المرحلة التالية إذا حققت أمريكا كامل أهدافها في العراق حيث المؤشرات تراهن على أن تقوم إسرائيل بالدور الأمريكي صوب دمشق وهو ما هدد به شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي من واشنطن عندما تـزامنت زيارته لها بموافقة مجلس الشيوخ على قانون محاسبة سوريا حيث أكد "أن الغارة الإسرائيلية على قرية عين الصاحي في الخامس من أكتوبر الماضي لن تكون الأخيرة إذا لم تغير سوريا سياساتها".
ثالثـًا: المحور الإيراني: بنفس ما وصف به النظام السوري من ديكتاتورية تم وصف نظام الحكم في إيران وبنفس القوة من طرف الإدارة الأمريكية برغم أن النظام الإيراني يتمتع بنظام سياسي مقارب للنظام الغربي حيث الانتخابات الرئاسية لا تتعدى دورتين متتاليتين والانتخابات البرلمانية بالاقتراع الحر المباشر والمحافظة على حقوق الأقليات وتمثيلهم في البرلمان وفقـًا لنسبتهم في إجمالي عدد سكان الدولة، ومع ذلك يدعو بوش النظام الإيراني أن يسمع أصوات الناس وصوت الحق أو أن يخسر حجته الوحيدة للتمسك بالشرعية.. ويتوعد بأن الديموقراطية ستـنجح من دمشق إلى طهران، وقد حاولت أمريكا وضع إيران تحت مقصلة مجلس الأمن بتحويل ملفها النووي إلى أروقة المجلس لفرض العقوبات عليها في الوقت الذي يناسبها إلا أن الدبلوماسية الإيرانية نجحت في تفادي ذلك على الأقل مؤقتـًا من خلال الاتجاه أوروبيـًا والاتفاق مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية، ومع ذلك ستظل الإدارة الأمريكية تتربص بإيران خلال السنوات القادمة وتعتبرها أكبر تحدياتها في المنطقة.
رابعـًا: محور الوصاية على المنطقة: إن كل السياسات والتوجهات الأمريكية تبرهن على أن الرئيس بوش يتوق للهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط ويضع دول المنطقة في قبضته تحت أي مسميات وبكل الذرائع والمبررات ليدير المنطقة من واشنطن بالريموت كنترول فهو يقول في خطابه "إن الديموقراطية تختبر في الشرق الأوسط حيث بؤرة السياسة الأمريكية.. وأن المنطقة ستبقى كذلك خلال العقود المقبلة"، أي أن على شعوب المنطقة أن تستعد من الآن ولعقود مقبلة للاهتمام الأمريكي البالغ بها، والأكثر من ذلك قول بوش "إن بلاده على استعداد لتقديم التضحيات في سبيل دعم الحرية" في إشارة قوية لحروب مقبلة إذا اقتضى الأمر ذلك، فالإدارة الأمريكية تعلن أن احتلالها للعراق هو لتخليص شعب العراق من الديكتاتورية وأن جنودها يقتلون في بغداد من أجل الحرية والديموقراطية والقضاء على الإرهاب، بعد كذبة أسلحة الدمار الشامل التي لم تجدها.
بوش خطر على كوكبنا
ويبدو أن المستقبل يحمل للمنطقة مفاجآت ومخاطر محدقة تحت مسميات مختلفة، ندعو الله أن يلطف بنا من ديموقراطية بوش وأهدافها، فالرئيس الأمريكي أصبح يرتدي زي الرجل الشرير الذي يملك أضخم قوة عسكرية في العالم وهو ما دعى عمدة لندن كن ليفغنستون ليشن عليه هجومـًا لاذعـًا أثناء زيارته بريطانيا الشهر الماضي حيث قال "إن بوش أكبر خطر على الحياة فوق كوكبنا.. وأن سياساته التي يتخذها ستقودنا إلى الانقراض.. أنا لا أعترف ببوش لأنه لم ينتخب رسميـًا".
فهل الديموقراطية التي يريد تسويقها بوش في الشرق الأوسط هي حق شعوب المنطقة في انتخاب حكامها؟ أم حق شعوب المنطقة في اختيار من تريدهم واشنطن فقط؟ وهل ستدعم واشنطن انتخابات تفرز حكومات وقيادات معادية للولايات المتحدة وهو أكبر الاحتمالات؟! أم ستكون هنا الديموقراطية أكثر بشاعة من الديكتاتورية بمجرد إنها جاءت بقيادات تخالف واشنطن في السياسات وتعارضها في الاستراتيجيات؟!
إن الديموقراطية التي ينادي بها بوش هي ديموقراطية بالخلطة السرية بحيث تأتي بقيادات تدين بالولاء للإدارة الأمريكية وتركع لأمريكا فور نجاحها في الانتخابات وتهرول إلى واشنطن لتطوف حول البيت الأبيض لتلقى التعليمات والتحذيرات.
أما نحن فنزيد الديموقراطية التي تصون مصالح منطقتـنا وتحميها من الأطماع الدولية وليست الديموقراطية التي تضع رقابنا تحت سيف المصالح الأمريكية، نريد الحرية التي تجعل المنطقة كقوة دولية لها وزنها الاقتصادي والسياسي في وضع القرار الدولي وتحفظ لشعوب المنطقة العزة والكرامة ولا نريد الحرية التي تأتي بالاحتلال تحت نيران القصف بالأسلحة الذكية.. إننا نريد ديمقراطيتنا وحريتـنا ولا نريد ديموقراطية وحرية بوش. |