|
مراجعات في الفكر والممارسة
من الجيد ونحن نخوض أقسى معركة مع الاحتلال الصهيوني، وفي ظل اختلال المعادلات والظروف إلى درجة التناقض، أن نعرج على انطلاقة "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) التي جاءت متزامنة مع الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987، وكلاهما أثّر في الآخر وتفاعل معه وأنتج معادلة جديدة مع الاحتلال، وكلاهما عبّر عن تغير في الوعي بمقاومة الاحتلال، هذا الوعي بدأ منذ 1987 ولم يتوقف حتى اللحظة، وإن أخذ منحنيات في الصعود والهبوط، والأوهام والحقائق. الآن وصلنا إلى نقطة صعود ولحظة صدق معًا: صدق بنهج المقاومة، وصعود في أدائه. والأهم الصعود في الملتفين حوله لدرجة أصبح فيها خيار المقاومة خيار الإجماع والشعب والأمة؛ لأنه غدا الإمكانية الوحيدة للتحرير.
مركبات الحركة وتساؤلات الناقدين
ولفهم "حماس" بعد ما يقرب من 16 عاما من انطلاقتها لا بد من قياس مركباتها الثلاث التي تميزت بها، وهي:
1- فلسفة الصراع القائمة على الفهم الإسلامي لقضية فلسطين ضمن المشروع الحضاري الكبير. 2- أداء المقاومة المرتبط ببقاء الاحتلال، والمستمر حتى زواله. 3- رفض خيار التسوية والحلول الجزئية أو الأطروحات النهائية لحل القضية الفلسطينية، وما ترتب عليها من استحقاقات، كونها تقوم على موازين مختلة ومعايير ظالمة، ولا تتعاطى مع الأمور من منظور الحقوق الثابتة، بل من خلال ما يتحصل من القوة الواقعة.
ومن المهم الغوص أكثر في تساؤلات الناقدين والمخالفين لما تؤمن به "حماس"، وما يجادلون به أو يتوقعونه منها:
1- أن توقف حماس عملها العسكري، وتحديدًا عمليات العمق. 2- أن تنسى حماس شعاراتها المثالية أو "اللاواقعية" بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. 3- تحول حماس من الدور الجهادي إلى الدور السياسي والمشاركة في السلطة.
تساؤلات حول الرؤية
تبرز على خلفية النظرة الإسلامية لحماس جملة تساؤلات هي:
1- أين تقع المقاومة في أجندة الصراع؟ وبالتالي موقعها من الغايات والوسائل؟ الإجابة قد تختلط على كثير من الباحثين؛ فالمقاومة هي وسيلة لإدارة الصراع، ولكن جملة العوامل التاريخية والسياسية والحضارية، بل والأفعال الصهيونية الواقعية، تجعل من المحتوم على حماس أن تكون المقاومة في الأولويات الإستراتيجية للصراع، وهي تقترب أحيانًا من أن تكون الهدف لتحقيق الردع وإشعار العدو باستمرار المقاومة، ولخلق دائرة مستمرة من التفاعل، ينتقل أفقها من القطر إلى الإقليم، ومن الإقليم إلى العالم، لكي تبقى قضية فلسطين في دائرة الاهتمام والمركزية.
2- هل تعقيدات الصراع تحتمل القبول بالحلول المؤقتة؟ "حماس" بالإجمال لا تسلم نهائيا بسلطة المحتل على شبر من الأرض لاعتبارات الصراع المتراكمة والمسلّم بها؛ لأن أبعاد الصراع عندها أكبر من الأرض. أما أطروحات الهدنة أو الإيقاف المؤقت للمقاومة فنستطيع بسهولة أن نفهم أنها تصب في فلسفة حماس للصراع، ولا تنحرف عن ثوابتها، ولكن كل ذلك في وقتها وتناسبها مع ما يحيط بها من ظروف ومعطيات. فالمتاح الشرعي يمكّن "حماس" من مرونة سياسية كبيرة، نعم، ولكنها تبقى محفوظة في الثوابت والرؤى، ولهدف وتوقيت ومصلحة، وليس مجرد عبث وفي كل حين. أما الاجتهادات في كيفية التفاعل مع المرونة الشرعية السياسية المتاحة فلا تعني وجود خلافات؛ لأنها ببساطة لا تنحرف عن الثوابت المحددة سواء في فهم الصراع أو تحصيل الحق ونهاياته، وبالتالي الانحراف عن الثوابت سيبقى ظواهر فردية جزئية وليست حالة انشقاقية عامة.
3 - هل "حماس" تصارع اليهود أم الاحتلال؟! تنطلق "حماس" في رؤيتها للصراع مع دولة الاحتلال من كون المستوطنين اليهود محتلين غاصبين، وليس كونهم يهودا. لكن لما كان الصراع ذا طابع صهيوني بألوان يهودية، مضافا إليه استعراض التاريخ وفهم خلفياته، فإن كل ذلك يجعل العامل الديني متشكّلا في الوعي الإسلامي. فإن كانت حماس لا تقاتل اليهود لكونهم يهودًا، فهذا لا ينفي أن الصراع غدَا خليطًا من عوامل الدين والتاريخ والمصالح في إطار حضاري كلي، دون أن يعني ذلك أن محور الصراع هو الدين، بقدر ما هو يدور أساسا حول غصب الحق واحتلال الأرض.
4 - هل موازين القوى وتعقيدات القضية الفلسطينية تجعل من حماس حركة قادرة على التصدي لهذا الصراع؟ "حماس" كما تظهر لا تدعي أنها قادرة بإمكانياتها على التصدي لحجم الصراع، فهي حركة مقاومة على طريق التحرير. والتحرير برؤيتها يجب أن يكون متكاملا مع الأبعاد العربية والإسلامية. وموازين القوى لدى "حماس" غير ثابتة، مستندة في تحليلها إلى شواهد التاريخ وحقائق الغلبة فيه، فميل موازين القوة لصالح دولة الاحتلال لا يجعل "حماس" تتنازل عن ثوابتها لكي تسلك سلوكا "واقعيا" يجاري عامل القهر والجبروت، ولكنها تصبر وتقاوم؛ تتمسك بحقها وتقدم واجبها؛ وتنتظر الفرصة المناسبة لتحقيق النصر، معتبرة نفسها قوة مركزية فيه، ومحورًا محركًا لمفاعلَيه: القطرية والأممية: العربية والإسلامية.
5- كيف تستطيع أن تحل "حماس" التناقض بين المقاومة التي تخل عمليا بالتزامات السلطة وواجبها الملزم بالاستمرار في المقاومة؟ "حماس" في سلوكها ورؤيتها تعتبر ذلك تعارضا وليس تناقضا. وتريد أن تخلق حالة من الأمر الواقع بين متعارضين (المقاومة والوحدة الوطنية) من خلال استمرار المقاومة وتحمل الأذى. ويساعد في ذلك إجراء حوار ميداني دائم يخفف من حالة الاحتقان والمحاصرة في آن واحد. وكما يبدو فإن حماس تريد تكريس نموذج "الجيش الأيرلندي" من خلال الفصل بين الجسم السياسي المعبر عن السياسات والإستراتيجيات، والجسم العسكري صاحب الأداة والتنفيذ، وهو ما يمكّن حماس من إبقاء ورقة المقاومة بيدها دون تناقض مع الوحدة. وهي كذلك تسعى إلى أن تصل إلى حالة مثلى أخرى وهي النموذج اللبناني، أي أن تعتبرها السلطة الحاكمة حركة مقاومة من حقها الدفاع عن تحرير باقي الأجزاء المحتلة من الأرض، وبذلك من الممكن أن تحل التعارض المفترض. فإن لم يتحصّل ذلك بقيت حماس تتحمل الأذى وتوجه بنادقها نحو المحتل حتى تتطور الفرصة لتصبح حالة الانسجام هي القائمة، مترافقا مع كل ذلك حالة حوار دائمة تخفف المتعارضات وترتفع على الجراح.
ثنائية الرفض والإصلاح
هنا إشكالية تحليلية تتعلق بالرفض الذي تمارسه حماس ضد أوسلو والدور الإصلاحي الملقى على عاتقها، وأن تكون معارضة سياسية تؤثر على الفعل السياسي الفلسطيني وحركة مقاومة مطلوب أن تبقي وتيرة الصراع متفاعلة.
ويترتب على ذلك تساؤلات هامة تُطرح دائما على حماس بخصوص إشكالية التحرير والبناء:
1- لماذا لا تحل حماس التعارض وتتخلى عن المقاومة إلى حين وتمارس المعارضة الإيجابية من داخل السلطة مشتركة في عملية بناء الوطن ومؤسساته؟
حماس كما يبدو تُفضل أن تسمي نفسها حركة رفض لا حركة معارضة؛ لأن المعارضة تستلزم تداول السلطة والمشاركة في آلياتها، صحيح أن حماس تمارس دورا إصلاحيا في المجتمع، وقد يظهر للبعض أنها تريد الوصول للسلطة، ولكن الواقع يخالف ذلك؛ فالمرحلة الحالية واستحقاقاتها السياسية وأمانة الصراع وأثقاله، وما تتحمله حماس يحتم عليها أن تكون حركة رفض وتصدٍّ ومقاومة إلى جانب دورها الإصلاحي. فثنائية الإصلاح والمقاومة لا يمكن فصلها، ولا يجوز أن يكون أحدهما على حساب الآخر؛ لأنهما يؤثران على بعضهما، ويساهمان في تحقيق الأهداف الكلية من أسلمة المجتمع إلى طرد المحتل؛ لذا لا بد من ممارسة الاثنين معا.
أما الحديث النظري هنا عن عجز حماس عن تقديم برامج سياسية محددة فهو لا يصح: لا على المستوى السياسي ولا حتى الإداري. فوثائق وأطروحات حماس تتحدث عن أشياء محددة من قبيل: نوقف قتل المدنيين مقابل كذا وكذا - نقبل بهدنة ما مقابل كذا وكذا - نرى في إصلاح الوضع كذا وكذا… بل إن لحماس رؤى في إعلان الدولة وحتى في القانون الأساسي، وأدبياتها شاهدة عليها، مع أننا لا نقع بوهم أن وجود برنامج سياسي هو الإشكال؛ فكثير من الأحزاب لها برامج، ولكنها لم تقدم قطرة دم أو تسدّ رمق جائع. بل إن الواقع أحيانا قد يكون أقوى من البرامج النظرية.
2- هل تسعى حماس لإفشال أوسلو وإسقاط ما أتت به السلطة؟ من الواضح أن حماس ترفض أوسلو بالكلية. وهي دون شك تسعى لتأكيد فشله سياسيا، وهي لم تتوان يوما عن بيان عيوبه ومخاطره، ولكنها ترغب في إفشاله دون اللجوء إلى عنف أو تَصادم مع إستراتيجية الوحدة أو حَرف للصراع عن تناقضه الرئيس مع العدو الصهيوني. ويبدو أن لدى حماس تفريقا ذكيا يُحسب لها، بين ما ترفضه من استحقاقات وبين الفرح لإيجابيات مثل الانسحاب من شبر من الأرض، رغم رفضها المبدئي للصفقة ككل أو الثمن المدفوع أو المستحقات التي تمس حماس مباشرة.
3- لماذا لا تشترك حماس في المفاوضات النهائية مثلا أو تقدم بدائل تفاوضية أخرى؟ كما نقرأ فإن حماس تدرك أن الأمور التفاوضية وصلت إلى نقطة لا يمكن للسلطة معها العودة إلى مشروع يتناسب مع أدنى متطلباتها، ناهيك عن إدراكها الكلي للصراع أو رفضها للتسوية أو تحكم موازين القوى فيها، وما يترتب على كل ذلك من فهم لما سيعطيه العدو من فتات. ولعل مفاوضات كامب ديفيد شاهد حي على كل ذلك. وعليه فإن تقديم البدائل والمقترحات لن يقدم أو يؤخر، فهو حديث نظري ومثالي يحاول تسجيل النقاط وتوريط حماس، ومحاولة للتشويش على نضالها ليس إلا.
4- استمرار حماس في المقاومة -برأي البعض- قد يحطم منجزات السلطة، ويعطي الفرصة للحكومات الإسرائيلية لكي تستمر في العدوان وتهرب من استحقاقات التسوية.. والتساؤل هو: لماذا تستمر حماس في هذه السياسة "المدمرة" –كما يقولون؟ "حماس" لا ترى نفسها ملزمة بتبني سياسة بديلة؛ لأن التسوية قائمة على موازين ظالمة ولن تؤدي إلى حل عادل، وهي ترى أن تمسكها بالإصلاح والمقاومة هو الأسلم في الحفاظ على الحقوق؛ لأنها لا تفهم الصراع وكأنه لحظة زمنية، بل إنها تدرك أنه طويل ومعقد ويحسم بالتراكم. ولكنها إضافة إلى كل ذلك، تتمسك بالأمل والنصر المحتوم نتاج بشائر دينية وقراءة تاريخية، كما أنها تدرك جيدا وضمن القراءة المنطقية لطبيعة الاحتلال أنه لن يتوقف عن كل أشكال الاحتلال والعدوان مهما قدم من وعود وقطع من مواثيق. وتجربة أوسلو أكبر دليل على ذلك، فالاستيطان تعاظم وحالة القتل والاستهداف ما زالت مستمرة، وهي تطول الآن الجميع دون تفريق، وهو ما يعني أن استمرار المقاومة أو توقفها لن يؤخر أو يقدم شيئًا جديدًا، ناهيك عن أن استمرار المقاومة كما يبدو هو الحل الوحيد لتحقيق توازن الرعب. أما المراهنة على أدوار أمريكية تقترب من الحياد فقد ثبت بطلانها، وحتى الدول الأوروبية في لحظات الحسم تجد نفسها مع الموقف الأمريكي، فثمة إستراتيجيات تحكم كل هؤلاء؛ فلماذا التعويل على أوهام أن الرأي الدولي قادر على إنصافنا أو أن فوز حزب أو اتجاهٍ كفيلٌ بإعادة حق واحد لنا؟ وقد مارست حماس في مرات كثيرة حالات ضبط النفس وترك الأمور لمفاعيلها الذاتية وليس لأفعالها الجهادية، وفي كل مرة ثبت أن وقف المقاومة أو غيابها لا يعني شيئا للاحتلال المستمر في عدوانه وزحفه الاستيطاني.
الأمل
ان حركة المقاومة الإسلامية حماس مشروع متميز في المزج بين الواقع والمتوقع او المامؤل والمحدود ، وان تجربة المقاومة الإسلامية تسير في سياق تطور تاريخي قابل للنقص كما هو قابل للنقد لانه صنع انساني ، ولكن ميزته انه يسير بايمان واثق ، وبتطور سياسي متسارع ، ونظرا لحجم الثقل الواقع على المقاومة الفلسطينية من كل حدب ، والمراهنة الإسلامية والعربية الكبيرة عليها ، فانها تجربة اثبتت قدرة عالية على الاستفادة من اخطائها ومن اخطاء غيرها ، ولكنها تجربة تستحق ان تلقى تكاملا ودعما اكبر من امتها العربية والاسلامية ، وهذا يعتمد على الحركات الاسلامية والقومية بتاكيد مركزية واولوية القضية الفلسطينية وتغليب الاسلامي والعربي على الهم القطري ، والالتفات للخطر الاكبر بدل البقاء متورطين في معالجة الخطر الأصغر ، فننشغل عن عدونا الذي هو سبب بلائنا ، في صراعات تبقينا في معالجات جزئية ضيقة ، والاجدر الوعي بالاسباب والمقدمات ، لخلق تكامل في الوعي وتراكم في الميدان يبقي الاستنزاف مستمرا لمشروع الهيمنة الصهيوينة وما خلفه من مصالح استعمارية قديمة متجددة. |