|
كسبيل لحماية الدول والأنظمة... والشعوب
يُرفع على دولنا، فضلاً عن شعوبنا العربية، سيف مسلّط هو سيف"الديمقراطية"، الذي يعني خليطاً غير متعيّن مفهومياً ولا مؤسساتياً بين الحريات العامة وسيادة القانون وتبادل السلطة السياسية.
وفي حقيقة الأمر، أن الأمريكيين يسوّقونه لدى الشعوب العربية المغلوبة على أمرها حقوقياً باعتباره خليطاً من حريات عامة ،وقليل من سيادة للقانون ،لأن الأخير سيف مسلّط على الولايات المتحدة نفسها التي رسمت قانون الطواريء بعد أحداث الحادي عشر من أيلول باعتباره شرعياً طالما أنها في حالة حرب، في الوقت الذي تحرمه على بقية الدول(نظرياً) وتستفيد منه(أمنياً) على المستوى العملي.
والحقيقة أن تبادل السلطة باعتباره(نظرياً) هو اللعبة التي يرى فيها إيديولوجيو المحافظين الجدد فرصة لفرز الأنظمة وإبعادها عن أسلحة الدمار الشامل وتماهيها بالنظام الغربي الأمريكي حصراً، يبدو ساذجاً في اللعبة الإيديولوجية لهؤلاء(إياهم)، إلا أنه(المسكوت عنه) فعلياً في ضغوطات الولايات المتحدة على الأنظمة الحليفة لها، باعتبار أن فتح هذه الملف قد يعني(بل سيعني) صعود أنظمة متشددة لن تكون عنصر استقرار من ناحية، ولن تغفر للولايات المتحدة سجلها الحافل بالأذى المادي والمعنوي من منطق انعدام العدالة من خلال سذاجة وترفيه الإيديولوجيا(المحافظة- الثورية تروتسكيا) التي تقول بتجريب التبادل الديمقراطي لتحقيق التوحد في هوية المُنتصر في الحرب العالمية الثالثة(أي الولايات المتحدة) من ناحية أخرى، الأمر الذي يفسح في المجال أمام التراكم –لاحقاً- وهو ما يقع في الدرجة الثانية بالنسبة للإيديولوجيين الذين لا همّ لهم إلا التوحد مع هوية(المنتصر!).
وبين الإيديولوجيا الساذجة، كأيديولوجياتنا التي عانينا منها قبل أن نتعلم السياسة كفن للممكن و(كاستراتيجية) للجغرافيا السياسية و(كحكم)...، وبين طبيعة حقائق الفعل السياسي الخارجي الأمريكي، ثمة مرحلة من الضياع والتخبط يسير على منوالها مثقفون عرب(بالجملة) وقادة(بالمفرق) باعتبارهم(مفعولاً به)، اعتادوا دائماً على أن يكونوا(رجع الصدى) لحركة الفكر والسياسة في العالم الغربي، أقله منذ عصر النهضة... ولا يزالون.
لكن اللافت –فعلاً- أن بأيدينا نحن نزع هذا السيف المسلط على دولنا وأنظمتنا وشعوبنا. نقول عن هؤلاء جميعاً لأن(الإيديولوجيا) الأمريكية وحدّت بينهم؛ فعندما تسقط الأنظمة تنهار الدول وتتميع قيمة الشعوب؛ لأنها تصبح أداة أو مجرد حشرات تُقتل أو تصاغ لها أنظمة و(مجالس حكم انتقالي)، على أمل أنها ستجد الديمقراطية والدولة الحديثة غداً، فتجد نفسها أمام استحقاق خطير، وهو أن مجالس حكمها المعينّة ليست شعبية وليست(بأغلبية أعضائها) نزيهة، كما أن البديل أمامها هو الانقسام المجتمعي أو ديمقراطية الطوائف أو جيش العشائر والميليشيات والطوائف... أي بكلمة اللا دولة أو اللا حداثة أو اللا استقرار... فلا الدول باقية ولا الأنظمة... ولا حتى الشعوب مع أوهام الإيديولوجية الديمقراطية الأمريكية المسوّقة والمعممّة على بلداننا.
وعلى هذا يتعين على الجميع قادة وشعوباً، أنظمة ومعارضة أن يفهموا أن السيف مسلط على الجميع، وأن لعبة لافتة الديمقراطية الأمريكية ستنحل إلى لائحات وشعارات لا تختلف عن لائحات وشعارات العدالة الاجتماعية والحريات الاقتصادية والثورة وإلغاء التمايز الطبقي... فهي كلها نتاج إيديولوجيات وليست نتاجاً للواقع. المسألة المُلّحة هنا هي الحريات العامة وسيادة القانون، وبها نستطيع أن ننزع كل آليات اللعبة الأمريكية الإيديولوجية ، وهي لعبة مشروطة اليوم بنفوذ المحافظين الجدد ، لكنها ستستمر بعدهم (بقوة العطالة).
ولا نعتقد أن من مصلحة السلطات والدول ،كما الشعوب، أن يتغيب عنها اليوم مشهد الحريات العامة، وهي بالفعل قد فتحت أفاقها في عدد من الدول، لكن المهم تكريسها بأمرين: القانون والطقس التراكمي في الممارسة.
فالقانون لا يقلل من السلطة ، فنحن نقر بأهمية السلطة التي هي تفويض نظرياً، وضبط(أفضل) عملياً. بل يجب أن ُيحض على المزيد من قدرة السلطة تحت سقف القانون، وهو أمر مضينا فيه فعلاً، فالقانون يرسيه(الحق). وسيادة القانون تعزيز للدولة وللسلطة، وحماية للشعوب من التغرير ببعضها فتصبح حقوقها رهن بأوهام أن تأتي على حاملة دبابات(ناقلِ الديموقراطية) الذي لا تختلف إيديولوجيا تسويقهِ عن إيديولوجيا الاستعمار في القرون الماضية، الذي كان يدّعي ينقل الحضارة والمدنية والعلم ويحضّر الشعوب ،كما سوّق لنفسهِ ولم نصدّقه(رغم أن ماركس نفسه سوّق له في الجزائر فسقط في المركزية الأوروبية).
القانون يحمي الدولة ويقوّي السلطة(باعتبارها تفويضاَauthority ) ويحمي الشعوب من أعدائها ويصون وحدتها الداخلية ويرفع (الحق) إلى مرتبةِ لاحمٍ للبنى الاجتماعية المختلفة، ويساهم في بناء مفهوم المواطنية... وهذا ليس بعيداً عن توجهات بلدان أرادت أن تفتح أمام الإصلاح طريقاً... ومنها سورية، وكل ما يلزم هو الوقت وآليات إصلاح المؤسسة القضائية؛ إذ حفل أول خطاب للرئيس الأسد بإشارة ذات مغزى إلى أهمية تعزيز القضاء الصالح والكفؤ،فضلاً عن ضرورة أن نخطو معه بالتأكيد والأزر على الإرادة العليا لديه لإتمام الأمر، في وقت كان هو بالذات من أطلق الحريات العامة واستوعب هنّاتها التي هي جزء من التعلم ، و لم ينسَ أن يذكرّ دائماً أنه (أي حتى التعلم ) محكوم بالقانون.
وعلينا أن نعترف أننا خطونا خطوات رائدة في هذا المجال ولابد أن نكمل الطريق، طالما أن الرئيس ذاته يؤكد أن الطموح أكبر من الذي تحقق.
أما الطقس فهو الأداء الذي هو ضرب من(التمرن) على الحرية، و(التمدن) بها معاً. فضلاً عن التعلم الممارساتي لها، باعتبارها ليست منفلتة من عقالها وأن سقفها القانون وقرارها الواقع؛ أي واقع كل بلد من حيث تراكمات تاريخه الاجتماعي والسياسي والثقافي ومن حيث قيمه وضوابطه الاجتماعية والأخلاقية... على أن يكون الطقس المُمارساتي هو التعلم بأقل قدر ممكن من الفوضى والعدوانية والوتر والانتقامية...
وليس من قبيل (التأمل السياسي) القول أننا نستطيع بتعميق الأداء الطقسي(الرصين) و التعمق في صيانة الحقوق بالقانون وإصلاح القائمين عليه، وبالكثير من الإعلام الذي يُظهر ما تم إنجازه وبلغة العالم نفسه، أن ننزع سيفاً مسلطاً( ومرة أخرى) على الأنظمة والدول والشعوب... بما لا يؤدي إلى العبث بالتاريخ، الذي هو تاريخنا المشترك الذي يجب أن ُنسأل عنه جميعاً.
سبق لنا أن قلنا أكثر من مرة – ولم نكن نخترع أو نُزايد- أن سورية هي الدولة الوحيدة التي تجسد مقولة أن السلطة فيها معارضة، فالمعارضة هي نقد للأخطاء وبرنامج للعمل، وأداة للعمل. ووحدها السلطة(النقدية) التي أطلقها الرئيس بشار الأسد تمتلك هذا الثالوث، وبالتالي فهي تحمل في داخلها جنين الحريات العامة والقانون، وهي لا تحتاج إلا إلى إكمال فترة الحمل وحدوث الوضع بسلامة ، وتقليل آلام الولادة.
وليس لأحد براءة اختراع تدعى (الحريات العامة)، ولكن من المؤكد أنها أتت في سوريا بإرادة رئاسية عليا، وليس نتيجة مطلبية ضاغطة أو نفوذ خارجي،ولا يجب لأحد منا أن يدّعي ذلك لأنه سيكون عدواً -عملياً- لها، مهما تداعت نرجسيته لتصوير ذلك، وهي (أي الحريات العامة) تريد أن تتعزز و واجبنا جميعاً أن ندفع مع هذا الاتجاه، وأن نظهرها كمساحة تجمعنا جميعاً وتعزز لحمتنا الوطنية، وتقطع الطريق على ما يحاك لنا وترفع ذلك السيف المسلط. |