|
يتعرض المواطن الفلسطيني لموجة شديدة من الهجوم السريع لأفكار ومبادرات تعصف بعقله ووجدانه أيضا.
فمن لم يسمع بوثيقة جنيف أصابت أذناه مبادرة اليمين الإسرائيلي المتطرف بلسان المستوطنون الذين اعتبروا الأراضي الفلسطينية كلها أرض إسرائيل، والأردن دولة مشتركة للفلسطينيين والأردنيين، فيما سمحوا لمن يرغب من الفلسطينيين بالبقاء أن يصنف مقيماً في دولة لإسرائيل بقليل من العطف السياسي ولمسات من حقوق متدنية لإنسان مكسور.
اللطيف أن اليسار الإسرائيلي المفتت والمهشم أطلق مبادرة ضد اليمين واليسار الإسرائيلي الأكثر يساراً منه (يوسي بيلين وجماعته الصغيرة) ليعلن أن هناك يساراً غير يسار بيلين، وأن هناك حزب عمل يعمل على استنهاض نفسه.
لكن فرحة بيريس لم تتم !؟ فعاجله زعيم حزب العمل السابق فؤاد بن أليعيزر ليذكره بأن حزب العمل منقسم إلى أحزاب صغيرة في شكل مراكز قوى يمثل إحداها هو وأخرى يمثله بيريس وغيرها يمثلها ران كوهين، وبالطبع هناك غيرهم من يحاول إثبات نفسه ويتخذ مواقف أخرى، فكان موقف الحزب منقسم إلى أقسام لحظة إطلاق مبادرته.
تومي لبيد هو الآخر لم يتمالك حقيقة بهتان صورته أمام وسائل الإعلام وامام الجمهور الإسرائيلي فأطلق مبادرة، لايتذكر بنودها أحد سواه، تدعو إلى إخلاء مستوطنة نتساريم من قطاع غزة بعد أشهر من استباب الهدوء والأمن !! أي أنه ينتظر يحتاج إلى اتفاق بين الأطراف يسبق إمكانية الاستماع إلى مبادرته العجيبة.
ولم تمض ثمان وأربعون ساعة حتى كان شارون (رجل السلام والأمن والإزدهار الاقتصادي الإسرائيلي !! ) يعاجل الجمهور الإسرائيلي بمبادرة تدعو في مبتغاها إلى لفت النظر إليه مرة أخرى وتؤكد على أن لا وجود لقوة سياسية في الدولة الإسرائيلية غيره هو ومجموعته المتطرفة المتآلفة المتوالفة.
ورغم محاولة كل المبادرات الإسرائيلية أن تثبت على السطح السياسي، لم يثبت ويرسخ إلا نكرانهم للحقوق الفلسطينية الشرعية وخاصة حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى الديار والبيوت التي هجر أهليها منها منذ عقود من الزمن، وثبتت المبادرات أيضا أن الدولة الفلسطينية التي يؤمنون بها هي مجرد حبر على ورق ولا تتجاوز كونها إحدى أقاليم الدولة الإسرائيلية الواسعة على أرض فلسطين وجوارها في حال قيامها.
وفيما عكفت وسائل الإعلام من صحف وتلفزيونات وإذاعات تطرح وتناقش وتحلل وثيقة جنيف التي تحولت إلى مبادرة، نجد أنها قد استحوذت على وقت في التناول يزيد عن أهميتها، بل نجد ان أهميتها الحقيقية تقف عند حدود الجغرافيا التي تشغلها عقول الشعب الإسرائيلي فتطرح فكرة أن هناك اتجاه آخر يمكن لمن يرغب من القيادة السياسية الإسرائيلية أن يسلكه، وتذكر الجمهور الإسرائيلي بالسلام الذي ذهب، فيما نصر نحن على ان هذا الجمهور قد ذهب أكثر يمينية وتطرفاً من قيادته المتطرفة يمينا ويساراً. وهي الحدود الراسخة التي يجب أن تقف عندها أهمية المبادرة.
أما عن أهميتها الفلسطينية لدى الجمهور والمؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية فهي إجبارها للجمهور الفلسطيني على اتخاذ موقفه من محاولات البعض المتكررة بين وقت وآخر في طرح أفكار تطال مستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، فكان طرح مبادرة جنيف بهذا الشكل البارز محفزاً آخر لأن تتخذ الجماهير الفلسطينية مواقفها ... فأبرز الجمهور تأييده أوتأنيبه للأفكار المطروحة والشخصيات التي تمثلتها والتي تنشط منذ فترة في محاولة لأن تحصد ثمار انتفاضة شعب بأكمله بإظهار قدراتهم على (المرونة والليونة السياسية) التي لم تطقها شرائح واعة جداً من الجمهور الفلسطيني.
القيمة الحقيقية الجديدة، والتي لم تكن بحسبان أحد، لإطلاق مبادرة جنيف هي إعادة تثبيت الثوابت الوطنية لشعب فلسطين في أذهان ووجدان الجيل الجديد، فلا تنازل عن حق العودة، ولا تنازل عن القدس والأقصى فوق سطح الأرض وتحت سطح الأرض، ولا تنازل عن السيادة الفلسطينية الكاملة على الدولة الفلسطينية المستقلة أرضا وبحرا وسماءاً، ولا تنازل عن ثبيت الثقافة الفلسطينية المتوارثة بأن المقاومة للإحتلال والعدوان هي حق مشروع بأمر القانون والشرع والتشريع و الشرائع الدنيوية والسماوية، وأن أساس المبادرات السليمة يبدأ من زوال الاحتلال عن الأرض والنفس والإرادة والعقل الفلسطيني. |