|
انتهاكات لا حدود لها لحقوق الإنسان الفلسطيني
تعد الممارسات الصهيونية بحق الفلسطينيين شعباً وأفراداً خرقاً فاضحاً لحقوق الإنسان التي تضمنها الإعلان العالمي ، والذي يعتبر مصدراً أساسياً من مصادر القانون الدولي ، مما يؤكد استهتار إسرائيل بالمواثيق والقوانين الدولية ، وخرقها الدائم لها ، شعوراً منها أنها ستكون بمأمن من المساءلة .
قبل أيام قليلة مرت الذكرى الخامسة والخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ( 10/ 12/ 1948) ولا ندري أن كان من باب المصادفة أن يكون هو العام نفسه الذي شهد النكبة التي ألمت بالشعب الفلسطيني على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلية ، تلك النكبة التي حدثت في ظل موازين قوى أفرزتها الحرب العالمية الثانية، مكنت المشروع الصهيوني من الخروج من مرحلته النظرية والتمهيدية إلى مرحلته التنفيذية وقيام ما يعرف بدولة إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية تلك الأرض التي عرفت أكبر عملية ترانسفير في تاريخها الطويل حين قامت سلطات الاحتلال بممارسة الضغوط الهادفة إلى تفريغ الأرض من أصحابها بمختلف الطرق والأساليب ، وتم تشريد مئات الألوف من سكانها الأصليين بفعل المجازر الدموية مثل مجزرة دير ياسين التي تعد أنموذجاً صارخاً على النازية الصهيونية التي مازالت فصول جرائمها تتالى تباعاً إلى يومنا هذا .
إن الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني تعد خرقاً فاضحاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان تلك الحقوق التي من المفترض أن تكون متأصلة في الطبيعة الإنسانية والتي لا يتسنى لنا بغيرها أن نحيا حياة البشر ، إلا إن تلك الحقوق الغير قابلة للتصرف أو الانتهاك في عرف الشرعة الدولية تشهد يومياً نزفاً حاداً وخطيراً في الحق المدني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي ، عندما تحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب الإغلاق المستمر ومنع التجول والحصار المفروض على المدن والقرى إلى أكبر معتقل نزلائه شعب بأكمله تعداده (3,7 ) مليون نسمه حسب إحصاءات عام (2001 ) ، يعيشون في ظروف مأساوية تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان ، وفي حين يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكل فرد الحق في الحياة حيث لا يجوز حرمان إنسان ، ذكراً أو أنثى من حياته تعسفاً ، نجد إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد آلت على نفسها التعرض لحياة كل فلسطيني مستخدمة شتى صنوف الأسلحة كالطائرات الحربية من نوع أف (16) والمروحيات والدبابات ، حتى الأسلحة المحرمة دولياً لم تتوانى عن استخدامها ليبلغ عدد الشهداء (3000) شهيد تقريباً خلال ثلاثة أعوام من عمر انتفاضة الأقصى ، عدا عن الذين أصيبوا بجروح خطيرة تسببت بإحداث إعاقات دائمة لهم وقد بلغ عددهم الآلاف .
وفي حين ينص العهد الدولي على عدم جواز توقيف أو اعتقال أحد تعسفاً وإخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ،نجد أنه يقبع الآن في السجون الإسرائيلية آلاف المعتقلين والأسرى في ظروف اعتقال لا إنسانية حيث أكدت الكثير من لجان حقوق الإنسان الدولية إن الاحتلال الإسرائيلي يمارس وسائل محرمة في الاحتجاز والاعتقال والتعذيب مثل العزل الانفرادي والحرمان من النوم والضرب المبرح والشبح من اليدين والصعق بالكهرباء وتعريض المعتقلين للموسيقى الصاخبة جداً ويقوم بالممارسات البذيئة المهينة بحق الإنسان والنفس البشرية ، ويقوم بتمديد فترات الحجز والاعتقال دون محاكمة ويجيز ويمارس الاحتجاز الإداري الممنوع والمحرم دولياً ، وهو قانون صدر في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين عام (1945) نتيجة تنامي الشعور الوطني والقومي المطالب بالحرية والاستقلال وليمنح ذلك الانتداب قوة قمعيه إضافية ضمن إطار قانوني ، ويعمل الاحتلال وفق القانون المذكور منذ سنوات بعيدة وهو سيف مسلط بيده على الرقاب حيث يستطيع أن يحتجز أياً كان مدى الحياة إذا أراد ذلك . كما أنه يمنع ذوي المعتقلين من زيارتهم ويقوم بنقلهم من سجن إلى أخر دون إبلاغ محاميهم . وقد بلغت حالات الاعتقال منذ عام (1967) حتى الآن (863) ألف حالة اعتقال . كذلك يقوم الاحتلال الإسرائيلي بإبعاد المناضلين والمعتقلين الفلسطينيين خارج الأرض المحتلة ، وهو خرق واضح للمادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي لا تجيز النفي أو الأبعاد القسري ، حيث أبعد سابقاً مئات المناضلين خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة ، إلى مرج الزهور في لبنان ليواجهوا هناك ظروف قاسية جداً عاشوا خلالها بالعراء وتحت برد الشتاء القارس ، كما أبعد ثلاثة عشر مناضلاً إلى الخارج بعد حصاره لكنيسة المهد ، كما قام بنفي كثيرين داخلياً إلى قطاع غزة .
وفيما تنص المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لكل إنسان في كل زمان الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية . نجد أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دأبت ومنذ زمن بعيد على المحاولات المتكررة من أجل تجريد الفلسطيني من هويته وجنسيته الفلسطينية فمنحت العرب الفلسطينيين المقيمين داخل الخط الأخضر ـ تلك التسمية التي تطلق على المناطق المحتلة عام (1948) ـ الجنسية والهوية الإسرائيلية بهدف القضاء على أي وجود عربي فلسطيني له الحق التمتع بهويته الوطنية وبشخصيته القانونية، وفي إطار سياستها الرامية إلى تهويد القدس تلك المدينة العربية والإسلامية ، تقوم سلطات الاحتلال بتفريغ المدينة من سكانها المقدسيين فعلياً من خلال سحب الهويات وإلغاء ترخيص الإقامة الدائمة وعدم السماح لنسائها المتزوجات من غير سكان القدس بالإقامة عند أزواجهن ، كما لا يحق للمرأة المقدسيه منح الإقامة لأطفالها ، ويتم رفض تسجيل المواليد الفلسطينيين الجدد في سجلات السكان بحجة أن آبائهم فقدوا حق المواطنة مما يحرم هؤلاء الأطفال من أبسط حقوقهم الإنسانية في الرعاية والضمان الصحي والاجتماعي .
وتشير المادة (26 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لكل شخص الحق في التعليم مجاناً على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ويكون التعليم العالي متاحاً للجميع تبعاً لكفاءتهم . وفي المقابل نجد أن الطلاب الفلسطينيين يدفعون ثمناً فادحاً جراء ممارسات الاحتلال التي تحول بينهم وبين التوجه إلى مدارسهم بسبب الحصار وتأجيل موعد الامتحانات بسبب حظر التجول الذي يفرض على المدن والقرى الفلسطينية لفترات طويلة ، وتظهر نتائج الامتحانات السلبية في المدارس وحالات التسرب والغياب المتكرر من قبل الطلاب بسبب الظروف القاهرة التي يعيشوها مقدار الأزمة الموجودة في القطاع التعليمي ، فيما وصل عدد الكادر التعليمي الذي يشرف على سير العملية التعليمية في المدارس إلى حدوده الدنيا بسبب الأوضاع المأساوية التي تمر بها الأراضي الفلسطينية المحتلة والذي يعطي بدورة مؤشراً على الأزمة المركبة التي يتعرض لها الطلاب والمعلمين على حد سواء ، هذا عدا عن المدارس التي حولتها قوات الاحتلال إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقال.
إن ما تقدم هو جزءاً يسيراً يسمح به هذا الحيز لرصد بعض الانتهاكات الإسرائيلية التي لا تنتهي لحقوق الإنسان الفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل بشكل يومي حيث تظهر انعكاسات خطيرة جراءه على جميع الشرائح الاجتماعية وكافة الفئات العمرية وعلى وجه الخصوص الأطفال اللذين هم مستقبل الأمة وأملها ، إذ تظهر لديهم أعراض نفسية خطيرة جراء ما يتعرضون له وما يشاهدونه بأم أعينهم من تدمير لمنازلهم وتشريد لأسرهم واقتلاع لمزروعاتهم وقتل واعتقال لذويهم ومهانتهم على الحواجز العسكرية أو المداهمات الليلية المتكررة التي تترك أثرها حتى على أحلامهم وهم نيام، وحالة العصبية وأشكال العنف التي تظهر من خلال سلوكهم وتصرفاتهم .
إن مصطلح حقوق الإنسان يعني أنه يشمل كل البشر الذين يتمتعوا بهذه الحقوق التي ليست منحة أو منةً من أحد ولا يؤذن بها من قبل أية دولة لأنها معترف بها كحقوق معلنة ومقررة في القانون الدولي وما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من تعسف وظلم وانتهاك لحقوقه التي كفلتها له الشرعة الدولية أسوة بغيرة من بني البشر يعد أنموذجاً واضحاً على استهتار إسرائيل الكامل بكل المواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية وخرقها المتكرر لها، حيث يسود لديها حق القوة ويعلو صوت المدفع على صوت الحق وقوته . التعرض لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية لا يعد مجرد مأساة فردية أو شخصية بل هي مأساة عامة على العالم أن يتحمل مسئوليته اتجاهها حتى لا تبقى القواعد والنصوص القانونية مجرد قواعد نظرية وأخلاقية طالما لم تجد القوة اللازمة التي تدافع عنها وتعمل على تطبيقها لوضعها حيــــز التنفيذ. |