|
تعتمد نظريات التسويق الجديدة التي أفرزتها العولمة وأقتصاد السوق على التهييج بشتى أنواعه , وملاحقة المستهلك أينما كان كي يشتري السلعة ( aggressive marketing ) وأقناعة من خلال التوجه اليه من القلب الى القلب أو شخصيا من خلال رسالة الى البيت بواسطة البريد العادي أو الألكتروني أو الجرائد والفضائيات ( intimate marketing ) , هكذا الأمر بالنسبة لتسويق الشخصيات أو البرامج السياسية والتي ينطبق عليها تماما خليط من نظريات التسويق المختلفة سواء كان التسويق الهجومي أو العاطفي الشخصي والكل وفق قانون الاساس في الاقتصاد العرض والطلب , يسأل المستهلك نفسه قبل شراء أي سلعة عن حاجته بها , لذلك تراه يفحص ثمن وفائدة أي سلعة يشتريها , اذا قوانين التسويق خاضعة للعرض والطلب , للثمن والفائدة , مما يجعل المسوّقون يبحثون عن طرق لأختراق قانون الشراء والبيع من خلال وكلاء يبيعون السلعة أو يعرضوا بضاعتهم على المستهلكين في الاسواق لتشتري السلعة ( انتبهوا هناك سلع تباع من خلال الاقناع وهناك سلع تشترى لأن الناس بحاجة اليها مثل الخبز والماء والكهرباء والوقود , تخيلوا لو أن اصحاب المخابز يخوضون تسابق في البيع من خلال حملة جوائز داخل أرغفة الخبز مثلا مع المعذرة لدريد لحام , في اسرائيل يخوض أصحاب شركات الوقود معركة على المستهلكين بسبب التسعيرة الحكومية من خلال حملات مختلفة مثل "أملأ عندنا وخذ جريدة " . كان لا بدّ من هذة المقدمة التي عرضت بعجالة كي ندخل في مشهد تسويق سلعة "السلام" التي تدخل به كل القوانين التي ذكرتها أعلاه , وما حفلة "أطلاق السلعة" الجديدة في جنيف واطلاق الألعاب النارية والموسيقى واستضافة الوكلاء في اضخم الفنادق سوى محفز لزيادة الانتاج production ونقصد بيع السلعة طبعا وهي تذكرنا بحفلات "اطلاق سلع" لشركات سيارات أو تلفونات خليوية التي تخصص ميزانيات هائلة لانجاع مشروع بيع سلعة عبر المحفزات للوكلاء والاعلام والاعلانات في الجرائد والشوارع والفضائيات .
عاد الوكلاء ونشروا وثيقة جنيف في كل مكان ووزعوها في المكاتب والمرافق الحيوية والحكومية التي يصلها الناس مثل البريد والبنوك ومحطات الاتوبيس والمستشفيات وكتبوا على الوثيقة "أرسلت لكل بيت في أسرائيل " مع ملاحظة "شخصية" في الصفحة الاولى تقول "نرجو منكم ان تقرأوا النص الكامل لوثيقة جنيف لا تعتمدوا على المحلل الفلاني أو الاصدقاء " .
لقد عمم اصحاب الوثيقة فيلما تسجيليا عن الجلسات والنقاش الدائر بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني تذكرنا بلقاءات طلاب المدارس العربية واليهودية في اسرائيل وكيف أن الاطراف أتفقت في النهاية فيما بينها تخللت التصفيق واحتضان وتقبيل بعضهم البعض كأن الأمر واقعيا .
لقد تجنّد كل الاعلام كأن السلام قد تحقق مع أن أصحاب السلعة يبيعون مشروعا وهميا لأن الاطراف ليست رسمية أو لنقلها بلغة الشارع " ان البضاعة لم تصل لأصحابها " بمعنى أن يوسي بيلين لا يستطيع أن يصبح رئيسا للحكومة الاسرائيلية لأن حزب العمل غارق حتى أذنيه .
نشرت هآرتس يوم الجمعة 5-12-2003 أعلانا على صفحة كاملة لكتلة السلام (غوششالوم ) بعنوان "اتفاق سلام : ثلاثة مقترحات" تعرض فيه مسودة أتفاق سلام بين اسرائيل وفلسطين منذ 2001 مقارنة مع أعلان مبادئ أيلون نسيبة 2002 ووثيقة جنيف 2003 وقد عرضت المقترحات لمقارنة الافضل على طريقة تسويق شركات التأمين الصحي او السيارات أو التلفونات الخليوية لسلعها لأختيار السلعة المفضلة .
يقول اصحاب سلعة "غوش شالوم" في موضوع حق العودة "ان اسرائيل تعترف مبدئيا بحق العودة كحق انساني واساسي " وتحت باب عدد العائدين تقول غوش شالوم ان " يعود لأسرائيل عدد معين يتفق عليه بين الأطراف , وتستوعب اسرائيل نسبه سنوية معقولة في فترة زمنية لا تزيد عن عشر سنوات " , وبخصوص موضوع "اسرائيل والشعب اليهودي" لا تتطرق ورقتهم مع هذا الموضوع , أما ورقة نسيبة ايلون فتقول حسب الاعلان في موضوع حق العودة " يعود لاجئون فلسطينيون للدولة الفلسطينية ويعود يهود لدولة اسرائيل فقط " وتحت باب عدد العائدين تقول ورقة ايلون نسيبة "لا عودة " , أما عن اسرائيل فهي تعتبرها الدولة الوحيدة للشعب اليهودي أما وثيقة جنيف لا يوجد ذكر لحق العودة مع أن المادة 7 فيها تتحدث عن اللاجئين وعدد العائدين الخاضع للقرار السيادي لدولة اسرائيل وحق الاختيار المصادر اصلا في البند 4 وعنوانه اختيار المكان الدائم للأقامة من المادة 7 وتعترف الوثيقة "بحق الشعب اليهودي بدولة " . هناك الكثير من الملاحظات على الوثيقة عن حدود 67 وعدم تفكيك المستوطنات المحاذية للحدود "كألفي منشه" و"معالي ادوميم" و"مودعين عيليت" "جفعات زئيف" "غوش عتسيون" أما بخصوص القدس فيكون "لكل طرف عاصمته في مناطق القدس" !!!.
لا نعرف حتى الآن تأثير الوثيقة التي سوّقت بشكل مدروس في الشارع الاسرائيلي , هل ستخرج حزب العمل من ورطته مع أن حزب العمل لا يتبنى الوثيقة رسميا , هل نراهن على هذا الحزب لأحداث التغيير في اسرائيل أم أن اسرائيل بحاجة الى طريق ثالثة , على كل هذة هي وثيقة اليسار الصهيوني وهو مختلف فيما بينه كما يشير الاعلان في هآرتس . ولا ننسى أن هناك بعض العرب من مواطني الدولة العبرية يساند هذا اليسار فقد أعلنوا تأييدهم للوثيقة الوهمية وتباكوا على صفحات الجرائد العبرية وعاتبوا اصحاب الوثيقة لعدم ضمهم للوفود وأخص بالذكر مراسل جريدة الشرق الأوسط في اسرائيل الذي عاتب بيلين قائلا في هآرتس 5-12-2003 "لماذا لم تاخذوني معكم " .
سيتضح لنا بعد حين , أن الشعب الفلسطيني هو الخاسر من هذه الوثيقة كما خسر في المرات السابقة , لأن المجتمع الأسرائيلي ما زال غارقا في بحر العداء للعرب ولم يسلّم الا أمام برنامج الثوابت الفلسطينية الذي يحظى باجماع الشعب بعد تنظيم صفوفه وتحقيق الوحدة الوطنية الصادقة , ولن تجد كل مشاهد تسويق البرامج السياسية المفترضة نفعا على طريقة " قف معنا وخذ دولة " أو "املأ عندنا وقودا وخذ جريدة أو وثيقة جنيف " . |