|
أعلن رئيس وزراء إسرائيل العنصري والمتطرف أرييل شارون، أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بقيادته وزعامته تخطط لإقامة جدار فصل جديد على الجانب الغربي من نهر الأردن، أي شرق الضفة الغربية، وأكد شارون أن هذا الجدار سيقام على بعد عدة كيلومترات من النهر، وسيضم عدة مستوطنات، أقيمت في غور الأردن، إلى إسرائيل بصورة عملية وفعلية.. وسيكون طول هذا الجدار حوالي مئتي كيلومتر.
أثار هذا الإعلان ردود فعل عديدة وتساؤلات كثيرة، واستغراب الجميع لإعلانه في الوقت الحاضر، وعلامات استفهام حول أهداف إقامة جدار فصل جديد على شرقي الضفة الغربية؟ وهل هي حقـًا أهداف أمنية أم أنها سياسية؟ وقبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من الإشارة إلى هاتين الحقيقتين:
أولا: أن الحدود الإسرائيلية مع نهر الأردن لم تشهد أي اختراق أمني لأي فلسطيني، لأن الأردن مسيطر سيطرة كاملة على حدوده، وكذلك الجيش الإسرائيلي يقيم وبشكل مكثف على هذه الحدود.
ثانيـًا: ليس هناك تواجد سكاني مكثف للفلسطينيين في تلك المنطقة ليشكل أي خطر على الحدود، أو على المستوطنات المحصنة جدًا.
ولهذا يمكن القول وبكل وضوح أن هذا الجدار لا ضرورة له، ولكن حكومة شارون تعتبره جدارًا أمنيـًا ضروريـًا من زاوية واحدة، وهي أن هذا الجدار سيشكل مع الجدار الذي يقام على الجانب الغربي من الضفة، أي بين الضفة وإسرائيل على خط الرابع من حزيران 1967م ولكن داخل أراضي الضفة، سورًا ضخمـًا محيطـًا بكامل الضفة من شرقها وغربها لتصبح كلها داخل معتقل كبير لا يستطيع أحد أن ينـتقل منها وإليها إلا بموافقة إسرائيل.. وإن أقيم في هذه المنطقة أي كيان فلسطيني فسيكون محدودًا في إمكانياته، ومحاصرًا وغير قابل على التوسع مهما كانت الظروف والأوضاع.. وتكون أيضـًا مساحة أرض هذا الكيان محدودة جدًا جدًا.. بعد أن التهم الجداران العنصريان الشرقيان والغربيان أكثر من خمسي مساحة أراضي الضفة الغربية.
وإذا تم التعمق أكثر في أهداف إقامة هذا الجدار العنصري الجديد فإنه يمكن تلخيصها بالآتي:
1- رسم الحدود الإسرائيلية مع الكيان الإسرائيلية من ناحية إسرائيل ومن ناحية الأردن.. وهذا يعني لا انسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الرابع من حزيران 1967م، وسيكون الانسحاب إلى الحدود المرسومة من قبل إسرائيل.. وكذلك فإن غور الأردن حيوي لإسرائيل، ولا يمكن التـنازل عنه أو الانسحاب منه.. وسيكون نهر الأردن هو الحدود "الآمنة" مع إسرائيل.. أي أن الكيان الفلسطيني القادم لن يستطيع أن يكون مسؤولا عن حدوده على نهر الأردن.
2- عزل الدول الفلسطينية المقامة على أرض الضفة الغربية ومنعها من أي اتحاد جغرافي أو سياسي مع الأردن، وستكون إسرائيل قد وضعت حاجزًا تمنع هذا الاتحاد.. وهذا يعني أيضـًا عزل الدولة الفلسطينية عن عمقها الاستراتيجي في الوطن العربي.. حتى تبقى دولة هزيلة ضعيفة تعتمد في تـنفسها على إسرائيل، وعبر هذا الجدار ستسيطر إسرائيل على أي نشاط اقتصادي ما بين العالم العربي والدولة الفلسطينية عبر الأردن.. وستكون الضفة الغربية بأكملها تحت رحمة السيادة الأمنية الإسرائيلية.
3- تحديد شكل الحل المطروح من الجانب الإسرائيلي.. وإعطاء رسالة واضحة للفلسطينيين أن سقف مطالبكم لذلك عال جدًا!! يجب عدم التفكير بطموحات كبيرة أو تقديم مطالب كثيرة.. وعليكم التـنازل عن حقوقكم المشروعة كلها.
4- مصادرة مساحات شاسعة من الضفة الغربية بحجة الأمن ليست صحيحة.. وبحجة الحفاظ على المستوطنات ليست هي كل الأهداف.. ولكن بهدف واحد مهم وهو مصادرة حق العودة للفلسطينيين حتى إلى "الدولة الفلسطينية" وليس إسرائيل.
ويمكن توضيح هذا الموضوع من خلال القول أن جهات فلسطينية عديدة تـنادي بممارسة حق العودة إلى الدولة الفلسطينية فقط وليس إلى دولة إسرائيل.. وهذا يعني تغيير مسرى هذا الحق.. وهذا يفرح إسرائيل التي تصر على عدم منح هذا الحق لأي فلسطيني.. فهي ترفض منحه لمهجرين من قريتي أقرت وبرعم في الجليل والذي يقيمون داخل إسرائيل ويحملون جواز سفرها فكيف لها أن تسمح بعودة الفلسطينيين إلى إسرائيل.
وأما حول حق العودة إلى دولة فلسطين فهي تضع له شروطـًا لأنها تخاف من كثافة سكانية في الضفة الغربية ستشكل خطرًا على إسرائيل مستقبلا، ولهذا تعمل على تعطيل تـنفيذ هذا الحلم عبر القول والإثبات أن لا مساحة أرض كافية لعودة جميع الفلسطينيين إلى الضفة الغربية/ الدولة الفلسطينية، وبخاصة بعد مصادرة حوالي 40 بالمئة من أراضي الضفة الغربية.
ويجب الإشارة هنا إلى حقيقة أن بناء جدار الفصل العنصري في منطقة الغور ستمنع أية مخططات لإقامة تجمعات سكانية فلسطينية مستقبلا إذ أن التوجه العام ومنذ سنوات، على إقامة مشاريع إسكان عديدة في غور الأردن لاستيعاب حوالي نصف مليون نسمة من اللاجئين الفلسطينيين، وإسرائيل تحول دون ذلك الآن.. لأنها تخشى من كثافة سكانية على الحدود الأردنية مع فلسطينيين، وكذلك تخشى من كثافة سكانية على الخط الأخضر.. الفاصل بين الضفة وإسرائيل، ولهذا أقامت الجدار العنصري الفاصل بين الضفة وإسرائيل، وبمعنى أكثر دقة ووضوحـًا فإن الجدارين الفاصلين أو العازلين المقامين حول الضفة الغربية يحققان الكثير من الأهداف السياسية لدولة إسرائيل وأكثر من الأهداف الأمنية المعلنة التي هي ذرائع أكثر مما هي حقائق ووقائع، واختارت إسرائيل الوقت المناسب لإقامة هذين الجدارين حول الضفة الغربية إذ أن الإدارة الأمريكية تدعم إسرائيل بصورة كبيرة لا متـناهية.. وترفض هذه الإدارة أي إدانة دولية لإقامة هذه الجدر حول الضفة والقدس ورفح.. رغم الإعراب عن عدم رضاها عن مثل هذه التصرفات الإسرائيلية.
أمريكا بحاجة لإسرائيل لأنها تغوص في مستـنقع خطير في العراق.. وبحاجة إلى دعم اللوبي الصهيوني الأمريكي حتى يعاد انتخاب جورج بوش الابن لولاية رئاسية ثانية.. ولم تكن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية بهذا المستوى من التعاون الاستراتيجي وغير الاستراتيجي منذ إنشاء هذه الدولة العبرية، ولهذا تمضي إسرائيل قدمـًا في رسم معالم الحلول القادمة، وفي إقامة ما تريد إقامته من عوائق أمام إقامة دولة فلسطينية، فإن أقيمت فستكون ضعيفة وتحت رحمة أطراف عديدة وفي مقدمتها إسرائيل.
ولا بد من التذكير بأن حق العودة إلى الدولة الفلسطينية يشمل العودة إلى قطاع غزة الذي سيكون الجزء الأساسي من الدولة الفلسطينية في الحلول المطروحة والمقترحة والمطلوبة، ولكن الكثافة السكانية في غزة عالية جدًا جدًا، وليست هناك إمكانية لهذا القطاع استيعاب المزيد من المواطنين، ولهذا تركز إسرائيل جل اهتمامها على أراضي الضفة لأنها عشرة أضعاف مساحة قطاع غزة، وهناك أراض غير مستغلة في الأغوار وفي بعض الجبال ويمكن استغلالها عبر إقامة مشاريع إسكانية عليها.
ويمكن الاستـنتاج أن إقامة الجدارين الفاصلين العنصريين الجديدين على شرقي الضفة الغربية وغربي النهر يحققان العديد من الأهداف الإسرائيلية، وأن الوقت مناسب لإسرائيل كي تفعل ما تريد ما دام العالم كله ينـتقد ويستـنكر ويشجب ولا يفعل شيئـًا، وما دام العالم كله يخاف من الدولة العظمى "أمريكا" التي هي الحليف الأول لإسرائيل، وتلبي ما يرغبه قادتها.
قد تكون ردود الفعل قوية ضد إقامة هذا الجدار الثاني حول الضفة، ولكن لن تمنع هذه الردود من تطبيق مخططاتها ومآربها.. فإسرائيل لا تأبه لأحد في العالم سوى لمصالحها التي هي بخير ما دام جزء كبير من العالم العربي يوفر الحماية لها، ويحافظ عليها أكثر من حفاظه على مصالحه الوطنية.. |