|
منذ مجيئه إلى السلطة، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش خير نموذج للرجل الكاوبوي في سياساته وفيما طرحه من متغيرات على الساحة الدولية، فقد جاء هو نفسه خلال هذه الحقبة متفردًا على الساحة، وما يهمنا هنا هو علاقة جورج بوش بالقضية الفلسطينية التي كان من سبقه من الرؤساء يضعونها في مقدمة الأولويات، من وجهة نظر صهيونية بالطبع، وربما هذا ما دعى الملايين للاستبشار بأنه سيكون أفضل من غيره، لاسيما بعد أن صرح في خطبة استلام الحكم بأقوال ونداءات رأي فيها العرب إيجابية لم يروها من سبقه ومما صرحه أيامها إعلانه أنه لن يهتم بالشؤون الدولية وكل همه سينصب على الشؤون التجارية والاقتصادية والاجتماعية.
لقد أعجبت هذه الأفكار الكثيرين، وحسب المستبشرون أيضـًا أن التفاهم مع بوش سيكون أسهل لأنه ومن منطلق عدم اهتمامه بالسياسة الدولية فسوف ينظر إلى القضية العربية من وجهة نظر مستقلة لأنه لن يكون بحاجة إلى نفوذ يهودي كمثل حاجته لو كان مهتمـًا بالسياسة الخارجية.
وبدأت أولى التراجعات عن هذا الخط السياسي على إثر بدء الرئيس بوش في اختيار إدارته، وكان غالبيتهم بالطبع من منظمة "إيباك" اليهودية حتى أنه قد قام باختيار أمريكيين/ إسرائيليين تم تعيين عدد منهم في مناصب في غاية الحساسية وهم لم يحصلوا على جنسيتهم الأمريكية إلا منذ مدة قصيرة.
وهكذا دخل اليهود الإدارة الأمريكية دون المرور على "حاجب" ليحتلوا أكثر المناصب حساسية.. الأمن القومي، الدفاع، الخارجية، وهنا تفتقت "ذاكرة" الإدارة الأمريكية اليهودية عن فكرة تشكيل سد في وجه التحديد مع السيد ياسر عرفات تحسبـًا من إقامة أية علاقة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.
ولم يقتصر الأمر على قيام عرفات بطلب الزيارة ورفضها، بل شمل أي نوع من أنواع العلاقة بل يمكن الادعاء أن علاقة عرفات مع البيت الأبيض قد انقطعت قبل أن تبدأ ولا شك أن هذا الأمر قد لعب دورًا كبيرًا في تطور الأحداث على الساحة الفلسطينية حتى هذه اللحظة.
ورغم كل الأحداث الدامية التي شهدتها الأراضي المحتلة في فلسطين، فقد ظلت الإدارة الأمريكية بعيدة عن إقامة أي شكل من أشكال العلاقات مع أي من القيادات الفلسطينية وكان هذا شأن القيادات الإسرائيلية أيضـًا التي رفضت أي تعامل أو لقاء مع عرفات، وكان هذا أقرب إلى التـنسيق لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وحدها التي تعاملت مع أرييل شارون بل أن الرئيس جورج بوش كان يعامله في كل مرة يلتقيه معاملة الصديق ورجل الدولة وبهذا تم تأسيس محور واشنطن- تل أبيب، بل وصل الأمر ذات يوم، وكانت الطائرات الإسرائيلية تعربد وتدمر وتقصف إلى إعلان جورج بوش أنه يبرر النشاطات العسكرية للجيش الإسرائيلي ولم يمض يومان أو ثلاثة حتى خرج بتصريح يقول أنه يعتبر أرييل شارون رجل سلام في المنطقة.
وهكذا تحولت سياسة جورج بوش مئة وستين درجة حيث نكث بما قاله حول عدم اهتمامه بالسياسة الخارجية ورأينا ورأى العالم كيف تحولت كل السياسة الإسرائيلية المدعومة أمريكيـًا إلى اختيار الصراع وسيلة للسلام، وهذا صلب القضية الفلسطينية.. ولقد كان الجانب الفلسطيني أكثر الأطراف إذعانـًا وأكثر الأطراف ضعفـًا.
عندما أطل الرئيس الأمريكي جورج بوش على قاعة الصحفيين في مقر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير.. لم يكن المرء بحاجة إلى كثير جهد ليدرك أن محاولة الخروج من الفخ الذي تورط فيه جورج بوش ووقع فيه توني بلير هي في غاية الصعوبة، فقد أحيطا بأمواج من البشر الذين تواردوا إلى لندن وغطى تواجدهم الشوارع والطرقات بالآلاف من البشر الذين خرجوا ليقولوا لجورج بوش أنه غير مرغوب فيه في لندن، وقد تغيرت خارطة المسيرة والتظاهرات متواكبة مع الهتافات واللافتات المطالبة بعودة بوش إلى بلاده.
وخلافـًا لأي زيارة رسمية لم يقضي الرئيس الأمريكي بوش أكثر من ساعات قليلة في العاصمة لندن حيث توجه إلى الريف البريطاني ليتـناول وجبة غداء شعبية، وقد طلب من مرافقيه التوقف في قرية صغيرة حيث هرع إليه الناس لتحيته وقد علق أحد منظمي المظاهرات على ذلك بقوله أن من صافح الرئيس هم أناس تم اختيارهم بعناية من قبل الأجهزة الأمنية.
ومهما قيل عن حوادث التفجيرات في تركيا، أثناء زيارة الرئيس بوش إلى بريطانيا، فإن آثارها السلبية كانت في غاية الوضوح حتى لو لم يكن هناك أي ترابط بين عمليات التفجير وزيارة الرئيس بوش ورغم ذلك فقد ساد الوجوم وجهي المضيف والضيف في المؤتمر الصحفي الذي عقداه وحاولا خلاله أن يبدوا طبيعيين، ولكن لم يتمكنوا من ذلك، وقد تجلى هذا في حادثة رددها العديد من الصحفيين الذين غطوا المؤتمر، فقد سألوه عن رأيه فيما يكتب عن كراهية الناس له، ولما يخافه الكثير من البريطانيين، فأحمر وجه الرئيس وتلعثم في الإجابة دون أن يتمكن من تركيب الجملة التي أراد الرد عليها.
الغاية الأساسية من هذه الزيارة أراد منها توني بلير منذ أن فكر بدعوة جورج بوش أن تكون كحملة علاقات عامة تحاول دعمه في الانتخابات الرئاسية القادمة والحد من تمادي الكراهية للرئيس، والسبب في الواقع كما ردد أكثر من إعلامي ورجل سياسة من أن توني بلير إنما كان يؤدي الخدمة لنفسه أيضـًا ومهما كانت الأسباب فقد مني الاثنان بخيبة الأمل.
ولو راجعنا الحديث الصحفي الذي أجراه الزميل عبد الرحمن الراشد مع جورج بوش، فلسوف نصاب بالتعجب والدهشة لإجابات الرئيس الأمريكي حيث بدا وكأنه في واد وصاحب المقابلة في واد آخر.
من خلال نظرة سريعة إلى زيارة الرئيس جورج بوش إلى بريطانيا يمكن للمرء أن يتوقف قليلا عند أبعاد هذه الخطوة التي تبدو للمراقب العادي وكأنها أمر طبيعي ولكن يحار المرء في إيجاد مبرر تخلط فيه الأوراق، فنحن في حال سياسي أحادي القطب ولكن تم فيه اختلاط الخاص بالعام، وأقرب مثال إلى هذه الصورة هو تصدي زعيم سياسي في قمة السلطة للدفاع عن تصرفات وسياسات خاطئة لزعيم سياسي آخر في قمة السلطة والمأساة هنا هي أن الفشل الذي منيت به الزيارة سوف تنصب نتائجه كلها على الجانبين.
لقد تجمع كل أعداء بوش في خندق واحد، ولعل هذا ما كان وراء الفشل الذريع للزيارة، يضاف إلى ذلك أن أنباءً تواردت أثناء الزيارة عن أن توني بلير كان يرغب في أن يعاد فتح الحوار بشأن خارطة الطريق وعودة الاهتمام بها، لاسيما وأن الجانب العربي قد تمكنت بريطانيا من إقناعه في العودة إلى هذا المسار خاصة وأن بلير قد فتح نافذة لعودة الحوار، لولا فشل الزيارة التي قام بها بوش إلى المملكة المتحدة ولم يكن الحظ مع مشكلة العراق أفضل من القضية الفلسطينية، وهنا مربط الخيل حيث كلما وصلت المحاولات المبذولة من أجل العودة إلى قضية السلام في الشرق الأوسط تبرز فجأة مشكلة هنا أو هناك.
وترى صحيفة "الاندبندنت" البريطانية إلى أن البريطانيين يدفعون الآن ثمن وقوفهم مع جورج بوش في العراق والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وصار واجبـًا عليهم كما يقول النائب العمالي المفصول حاليـًا جورج جالوي إتباع سياسات أمريكية غير أخلاقية توجد المسوغات والأكاذيب "لشن حروب على الدول" أو لخدمة وتحويل حروب قامت فعلا ولم يجد من أشعلوها إمكانية لوقفها.
وقد لاحظ المراقبون منذ اليوم الأول لزيارة بوش كيف أن عنصرًا جديدًا تدخل في المواجهة العسكرية في جنوب العراق بشكل خاص وشماله.. وكيف أن بعض التصريحات البريطانية ما لبثت أن تـناقلتها الأنباء ووصفها الصحفي روبرت فسك بقوله أن تحالف بلاده مع جورج بوش كان هو السبب في تعرض المصالح البريطانية للهجمات في تركيا.
إن واقعـًا جديدًا يحاول أن يجد لنفسه الطريق في وعورة القضية العراقية عبر حرب بدأت ولم يستطع فاعلوها إطفاءها بعد، وهنا ستكون الأطراف محاصرة من كل جانب، ولعل هذا ما دفع قوات الاحتلال الأمريكية لأن توازن بين ما هو معقول وبين ما هو ممكن وكل هذا يدفعنا للتساؤل عن ما هو الخيار المقبل لأطراف الصراع.
الأمريكيون خلال أقل من عام تورطوا في أكثر من صيغة، وكانت النتيجة الواضحة عجزهم عن الاستمرار بالشكل الذي هم عليه الآن، وهنا لم يعد من بد لإعلان شكل جديد من الخيار الأمريكي فإن فشلت واشنطن بذلك على المدى الذي فسوف يتحول ذلك إلى محرض يجر العالم جرًا إلى حرب أكبر وأقسى وأشد صعوبة.
فشل زيارة جورج بوش الرسمية إلى بريطانيا ليس فشلا سياسيـًا عاديـًا، إنه مؤثر له أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمر لن يكون وقتها مجرد أزمة لجورج بوش وورطة لتوني بلير. |