|
يأتي حوار القاهرة الثاني بعد ان عقد الاول في يناير 2003 وتمخض عن توقف لفعاليات المقاومة ضد اسرائيل دامت اكثر من شهرين انتهت عاجلا نتاج التلاعب الاسرائيلي بظروف استمرارها او التجاوب حتى مع بعض شروطها .. مما ادى الى انفراط عقدها وتاكيد اعمال المقاومة في عملية ضخمة في " القدس " ، بعد تطور العدوان الاسرائيلي باستهداف القيادات السياسية لحركات المقاومة ، وهكذا بقيت فعاليات المقاومة مستمرة بين كر و فر ، وصلت اوجها في عملية نوعية في تل ابيب ، تلاها رد اسرائيلي تاريخي استهداف موقعا في قلب دولة سوريا المحاذية ، وبين هذه التطورات كان المسرح الداخلي الفلسطيني يشهد تحولات متاثرة بكل ذلك .. تمثلت باستقالة حكومة محمود عباس وتولي ابوعلاء قريع حكومة طوارىء فحكومة موسعة ، ... بين كل هذه الظروف و غيرها ، اتى حوار القاهرة الثاني محاولا بشكل رئيس التوصل الىهدنة جديدة ، وهذا ما سنحاول معالجته بقياس المفاعيل الفلسطينية والاسرائيلية والاقليمية والدولية ...
أطراف الحوار ومصالحها
1- الاطراف المباشرة : وهي الاطراف المعنية بالحوار: أ- الحركات الاسلامية (حركة المقاومة الاسلامية حماس وحركة الجهاد الاسلامي). ب- القوى اليسارية (الجبهة الشعبية ، والجبهة الديمقراطية). ت- السلطة الفلسطينية والمشكلين لها (حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ، حزب الشعب ، حزب فدا، جبهة النضال الشعبي). ث- قوى وطنية اخرى (جبهة التحرير العربية، وجبهة التحرير الفلسطينية، والجبهة العربية الفلسطينية والجبهة الشعبية – القيادة العامة أحمد جبريل، والصاعقة) لكن دون شك سيكون لموقف حركات المقاومة وتحديدا الاسلامية وممثلي السلطة الفلسطينية - الاكثر انسجاما هذه المرة - الدور البارز في حسم اجندة الحوار سلبا او ايجابا ، كونهما يملكان الرصيد الشعبي والتاثير السياسي الاكبر . - وتحاول حركات المقاومة الفلسطينية من خلال هذه الهدنة الى تاكيد شرعية مقاومتها وتخفيف الضغوط عنها واعادة ترتيب اوراقها وتنظيم صفوفها . - بينما تحرص السلطة من خلال هذه الهدنة على تاكيد شرعية وجودها وتعزيز قوتها وتحسين صورتها لدى الاطراف الدولية وتحديدا الاميركية ، وهي تامل كذلك من خلال هذه الهدنة ان تحرج شارون وتقوي اليسار الصهيوني .
2- الاطراف غير المباشرة : وهي الاطراف التي تحاول التاثير على الحوار : أ- ويقف على راسها الدور المصري الذي يحاول التاثيرعلى مسار الاحداث ، وتاكيد دورها الاقليمي وتحسين مصالحه و وضعيته الدولية . ب- تاليا يقف الدور الاوروبي الساعي الى تاكيد مسار التسوية ومواجهة المحاولات الاسرائيلية لفرض وقائع احادية ، كما ان هذا الدور يخشى من منطق المقاومة الفلسطيني بفرض نفسه شموليا . ت- الادوار الاسرائيلية والاميركية رغم استفادتها المباشرة من هذا الحوار الا انها لاتزال مهتمة بتفكيك بنى المقاومة ، وتقبل بمضض الهدنة الفلسطينة .
أجندة الحوار
1- البرنامج السياسي المشترك . 2- القيادة الفلسطينة الموحدة . 3- الهدنة.
وهذه هي النقاط عينها التي تمت مناقشتها في حوار القاهرة الاول ، والذي انتهى دون أن ينجح المجتمعون بالتوصل إلى أي قواسم سياسية مشتركة يمكن معها إصدار بيان مشترك ... وبراينا ان المسألة التي سيجري التركيز عليها هي التوصل الى هدنة جديدة او الحصول على تعهد من حركات المقاومة الفلسطينية تمنتع بموجبه عن فعاليات المقاومة لمدة معينة بضمانات دولية او باشتراطات متبادلة مع اسرائيل او حتى بدونهما ، اما الحديث عن انجاز برامج او اليات فلسطينية موحدة او قيادة مشتركة... فهي من المسائل المعقدة التي من شبه الاستحالة حسمها في زمن قياسي نتاج الخلافات الجذرية بين حركات المقاومة وتحديدا الاسلامية والسلطة الفلسطينية تجاه النظرة للصراع والارض والتسوية .. وعليه فحتى لو صدر بيان مشترك فانه سيكون مزينا بالكثير من العموميات ، والنقطة التي سيجري التركيز عليها وقف فعاليات المقاومة (زمنا وشكلا) .
تجربة الهدنة الماضية
كان من الواضح ان حركات المقاومة اعلنت تحت ضغط الواقع الداخلي المهدد بالاقتتال ، (مبادرة احادية) بقصد الاثبات للمجتمع الدولي وللشعب الفلسطيني ان مفاعيل المقاومة لا علاقة لها بالعدوان الاسرائيلي او حتى تملصه من اداء استحقاقات التسوية ، ولكن هدنة حركات المقاومة لفها بعض الاشكاليات من الجدير ذكرها في اطار تقييم كلي للموقف :
أ- الهدنة لم تكن متبادلة بين المقاومة واسرائيل ، مثل (تفاهم نيسان اللبناني) ، حتى تكون جدية في بلورة هدنة تحترم شروط حركات المقاومة الفلسطينية ، اما اطلاق مبادرة وانجازها مع طرف السلطة بشهادة عربية وعلم اميركي واسرائيلي ، فلن يكون كافيا لانجاز شيء او الزام احد بشيء وبالتالي اطلاق تسمية هدنة عليها .
ب- لقد انجزت الهدنة كتفاعل حوار مورس من قبل حركات المقاومة مع السلطة بمستويات مختلفة ، وكان من الواضح ان من اشتراطاته عدم المس بسلاح المقاومة او المقاومين ، ولكن كان ينقصه ايضا التوصل لمعايير تقييم مشتركة تصل بالطرفين الى استنتاجات محددة ، بدل تعويم ذلك ، الامر الذي سيمكن من اختلافات في التفسير بين شد السلطة في بقاء الهدنة ، وجذب المقاومة الوقوف لتطبيق شروطها وليس شكلها .
ج- لم يكن هناك توافق شامل بين جميع القوى الفلسطينية على اعلان الهدنة في ضوء محاولات فريق السلطة ادخال فقرة في البيان " تجعل من الهدنة كجزء من استحقاقات خارطة الطريق "، وهذا مايدلل على تباين الرؤى الفلسطينية .. فبينما تراها الحركات الاسلامية كمبادرة احادية واحراج لاسرائيل ، رأته اطراف السلطة وبعض اطراف فتح كجزء من خارطة الطريق ، ولعل التباين في الاعلان ومدة الهدنة عكس ذلك بجلاء .
ح- لم تحصل حركات المقاومة على ضمانات كافية لاحترام شروطها لا من وسطاء السلطة او العرب عن اسرائيل او حتى من الاميركان ، رغم ان الوسطاء كان همهم انجاز تلك التهدئة ، والتهدئة لا تكون من اجل التهدئة والهدنة لا يمكن استمرارها دون مقابل . ان انجاز هدنة جديدة لا تعالج هذه الاشكاليات يبقى منطق الهدنة اعلاميا ووقتيا ودون جدوى تناسب حجم الدم الفلسطيني او حتى تحافظ على كرامة ومصالح المقاومة الفلسطينية ومشروع التحرير الفلسطيني ككل .
المواقف الاسرائيلية
1- الموقف الرسمي (اليمين الصهيوني) ..الذي يعاني زعيمه شارون من تاكل في شعبيته وملاحقات قضائية لعائلته واصوات داخلية احتجاجية على انعدام افقه السياسي وفشله آلته العسكرية في الحسم ، متكاملا معها احتجاجات اميركية على بناء الجدار الفاصل وقرارات دولية صادرة عن مجلس الامن تجبره على الالتزام بخارطة الطريق ممثلا بقرار (1515) ، جملة هذه التحولات المستجدة تضغط على شارون للانحناء قليلا ومسايرة الجهود الدولية ومحاولة التهدئة الميدانية ... ولكن هذا لايعني ان شارون سيقدم على تنازلات جدية ، بل هو يمارس ادارة علاقات عامة يحاول من خلالها البقاء في الحكم والحفاظ علىائتلافه .
- ولذا فهو اما ان ينحي كما سبق وتقدم ويرضى بالتوافق جزئيا مع شروط الهدنة ، وهذا سيتطلب منه ضم حزب العمل الى ائتلافه الحاكم. - او كسب الوقت لحين تحسن وضعيته الداخلية (أي اطلاق التصريحات دون دفع الاثمان). - او الاندفاع نحو الامام وتوتير الظروف الاقليمية بضرب مواقع في سوريا او لبنان حال حدوث عمليات فلسطينية نوعية ، وبذلك ينقل التوتر الى خصمه ليصدر ازماته الداخلية وفشله الامني ومحنته الاقتصادية.
2- الموقف المعارض (اليسار الصهيوني ) ، نشهد له اليوم محاولته للخروج من مازقه الداخلي واثار هزيمته النكراء ويحاول التاثير على مسار الحكومة السياسي مدركا ان شارون يمر باضعف حالاته ، ولذا بادر اقطاب من اليسار الى التوافق مع قيادات فلسطينية رسمية لاجمال تفاهمات طابا في اتفاقية اطلق عليها (سويسرا ) ... ودعم ذلك في مبادرة صدرت مؤخرا عن اللجنة السياسية في حزب العمل تصب في توجه اتفاقية سويسرا ، كل هذه التحركات تضعف شارون وائتلافه وتدعم جهود الهدنة وتكسب اليسار زخما شعبيا وحضورا سياسيا .
الموقف الأميركي
لايمكن الحديث عن جدية اميركية تجاه حوار القاهرة في الضغط على اسرائيل بالالتزام باشتراطاتها او تقديم ضمانات لاستمرارها ، ولو كان ذلك ممكنا لرأينا ذلك في قدرة الاميركان على وقف اسرائيل عن استكمال الجدار شرقا في قلب الاراضي الفلسطينية بل انها استخدمت الفيتو في مجلس الامن لمنع قرار ضده وحاولت تجميل الموقف باقتطاعات مالية عديمة الجدوى والتاثير، وهذا يدلل على ضعف امكانيات الضغط الاميركي على اسرائيل في ضوء اقتراب الانتخابات الاميركية وتزايد ورطة الاميركان في العراق .. كل ذلك يجعل الموقف الاميركي اقرب الى الابتعاد والحفاظ على مسافة مع ما يجري أي دون فاعلية ، وهذا سينعكس سلبا على أي هدنة قادمة .
السيناريوهات
في ضوء ما تقدم من اعتبارات داخلية واقليمية وخارجية ، فان السيناريوهات المستقبلية ستعتمد اساسا على التصرف الاسرائيلي والضغط الاميركي :
أولا : تحسين الهدنة الفلسطينية :
مع تذكر ان انجاز الهدنة مع تكرار الظروف السابقة غير ممكن ، والا اصبحت السلطة وحركات المقاومة الفلسطينية تكرر اخطائها .. لان اسرائيل تريد تهدئة بدون ثمن ، والسلطة تريد تهدئة لتحصيل مكاسب تفاوضية لم تحصلها ، والولايات المتحدة تريد تهدئة مع اثمان اسرائيلية هامشية ، بينما حركات المقاومة تريد هدنة تحترم شروطها وتحيد أي مس بسلاحها ، واذا ما قبلت اسرائيل بهدنة بضمانات واشتراطات على قاعدة المماثلة وبازمنة محددة فان الهدنة الجديدة ستحيا وتستمر والعكس صحيح .
ثانيا : بقاء اسرائيل في دائرة التكتيك والضغط (المتراجع الى الدفاع او المندفع الى الامام) ... وهذا الخيار يفترض مايلي :
أ- استمرار العدوان الاسرائيلي وتصاعده تجاه القيادات السياسية ، وهنا من الوارد ان تقوم اسرائيل بضربات صغيرة اخرى لسوريا . ب- الضغط لسحب الصلاحيات من عرفات ، وخاصة الملف الامني والتفاوضي بعد سحب الملف المالي كشرط للتعامل بجدية مع الحكومة الفلسطينية الجديدة . ت- الاستمرار في دفع السلطة لضرب الحركات المقاومة بدل التهادن معها ، وجعل أي تنازلات هامشية بمثابة اختبار فقط لقدرتها وليس كانجاز سياسي . وهذه الحالة تتنقل من التكتيك الدفاعي الى الهجومي حسب مفاعيل المقاومة وشدتها ، لكن هذا التكتيك يفقد ميزته مع الزمن ويتحول الى اجراءات روتينة تفتقد للمبادرة والفجائية ، وكلما استمرت المقاومة ومفاعليها تشعر المؤسسة الامنية الاسرائيلية بالعجز ، والبحث عن حلول اخرى لمشكلتها بالهروب الى الامام واستخدام المزيد من القوة ضد الفلسطينين وخلط الاوراق اقليميا بضرب مواقع في سوريا او لبنان .
الأفق
حوار القاهرة الثاني الجديد لن ينجح بحقيق هدنة بالمفهوم الدارج لان الهدنة تفترض وجود ضمانات حافظة واشتراطات متبادلة ، ورغم ان الحوار الجديد قد يفضي مرة اخرى الى كسب امتناع جديد عن فعاليات المقاومة الا انه سرعان ما سينهار ، لان هدف شارون هو كسب الوقت ومسايرة الضغوط والاستمرار في بناء الجدار منتظرا الوقت المناسب الذي يستطيع فيه خلط الاوراق وتعزيز حكمه وشعبيته ... لكن كل ذلك يسير به نحو الانهيار ، ولعل هذا يحسب للمقاومة ومفاعيلها التي استطاعت خلق تراكم في الوعي الاسرائيلي الشعبي والامني انها حالة قوية لايمكن كسرها اوسحقها ، وهنا تاتي المبادرات الاسرائيلية السياسية المتلاحقة ومنها (اتفاقية سويسرا) ، في محاولة اسرائيلية للالتفاف على انجازات المقاومة والتخفيف من مفاعيلها عبر تقديم تنازلات هامشية وانسحابات من هنا وهناك ، وبذلك تنقل اسرائيل الكرة الى ملعب الفلسطينين لمواجهة المقاومين وتقوية الجدل الداخلي مرة اخرى حول مشروع التسوية وتقبله او القبول به ، ويزيد من شدة تعقد الموقف فلسطينينا ان المشاركة الفلسطينية الرسمية في التوقيع على ( اتفاقية سويسرا )، وهذا يعني نقض لكل اسس الحوار لانه فعل احادي يصيغ المستقبل الفلسطيني دون حوار وطني وحدوي كما يتطلع حوار القاهرة او يريد ..الا اذا كان قصد الحوار فقط ان يكون الفلسطينين شركاء في الدم والبندقية ولاعلاقة لهم بشراكة القرار والمستقبل . |