|
المواقف والمحاذير
لا أدري هل تستحق وثيقة جنيف كل هذا الجدل الدائر حولها، أم ستبقى حبرا على ورق لن يشهد لها أي تأثير على واقع الحياة السياسية الفلسطينية، أو لربما ستشكل منعطفا سياسيا في الرؤى والمواقف والتوجهات لدى الجانب الفلسطيني الرسمي وستكون منطلقا لتحرك سياسي فلسطيني قادم، وربما يمكن القول أن هذا الجدل الحامي هو أمر صحي وضروري داخل النسيج المجتمعي الفلسطيني، وبعيداً عن منطق التكفير والتخوين وتكميم الأفواه لا بد من عملية مراجعة ونقاش جدية محايدة لقضية اللاجئين وللمواقف حولها ومنها، لدى أصحاب الوثيقة والمبادرات الجديدة وأيضا لدى القوى السياسية والثقافية والاجتماعية الفاعلة في أوساط اللاجئين والمخيمات.
مواقف أصحاب وثيقة جنيف
يبدأ أصحاب جنيف رؤيتهم لحل قضية اللاجئين من إقرارهم بالمنطق القائل باستحالة العودة الفعلية للأراضي التي طرد منها اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، على اعتبار أن هذا الأمر يشكل انتحارا جماعيا لدولة إسرائيل، وهم يوافقون على أن حق العودة لملايين من اللاجئين هو أمر صعب بل مستحيل التحقيق، وبالتأكيد سيفشل ويعطل أي تسوية سياسية مع الجانب الإسرائيلي، وفي ذات السياق يسعى أصحاب الوثيقة لإيجاد حلول أكثر التصاقا بواقعيتهم السياسية بالدعوة الى أن يكون هناك عودة رمزية داخل " إسرائيل " وعودة فعلية للدولة الفلسطينية التي ستقام مستقبلا، وهناك من يقول بأن الفلسطينيين يفضلون العودة للدولة الفلسطينية حفاظا على الهوية الوطنية الفلسطينية، ويذهب بعضهم الى اعتبار أن فكرة تبادلية الأراضي المستوحاة من وثائق طابا تمثل حلاً إبداعيا لمسألة العودة، فحسب هذه الوثائق سيعود اللاجئون الى أراضي التبادل في "إسرائيل"(التي ستنتقل للدولة الفلسطينية) والتي سيتم مبادلتها مع الأراضي المقامة عليها تجمعات المستوطنات (التي ستنتقل لإسرائيل)، وتعطي وثيقة جنيف تفسيراً واحداً للقرار 194 سيطبق على عموم اللاجئين وهو التعويض، وعدم النظر للعودة والتعويض كحقين متلازمين.
ويرى دعاة الوثيقة أن تغييب الفرصة المتاحة بهذا الاتفاق غير الرسمي سيكون مضرا على المستوى التاريخي، لأن إسرائيل ماضية بسياسة فرض الأمر الواقع وفرض حقائق سياسية وجغرافية جديدة على الأرض، ويشددون على أن أهمية الوثيقة تمثل اختراقاً للمجتمع الإسرائيلي، وأهميتها كما يقول بعضهم " بغض النظر عن التفاصيل" بما ستحدثه داخل المجتمع الإسرائيلي من مطالبات جدية لإيجاد تسوية سياسية مع الشريك الذي بدأ يطرح مبادرات سياسية ،على عكس ما يدعي شارون بأنه: لا وجود لشريك فلسطيني في عملية السلام وبأن مقولته الأمنية " دع الجيش ينتصر" هي التي ستنجح في النهاية، من هنا تأتي الوثيقة لتؤكد على وجود الشريك الفلسطيني الذي لديه رؤية واقعية للحل.
وهناك من يرى بان هذه الوثيقة تسعى جاهدة لإسقاط شارون عبر إحراجه سياسيا، وهي تمهد الأجواء من أجل إعادة النفوذ والحضور ل" قوى السلام " داخل المجتمع الإسرائيلي.
مواقف اللاجئين وحركتهم
ينظر العاملين في مجال الدفاع عن حق العودة لوثيقة جنيف باعتبارها مساسا بالمقدسات والثوابت وتهديدا للوحدة وخروجا عن الإجماع الوطني الفلسطيني المقرر في المجالس الوطنية والمجلس المركزي، وهي وان كانت وسيلة للضغط على شارون فهي مكلفة جداً ، وتحريف لتعريف القرارات الدولية وخصوصا القرارين 242و 194، وهي تحط من السقف التفاوضي الفلسطيني وتعزز الموقف التفاوضي الإسرائيلي، ترى القوى الفاعلة في إطار اللاجئين والمخيمات بأن موضوع اللاجئين يمثل جوهر الصراع الدائر على أرض فلسطين التاريخية،وينطلقون من مسلمات أساسية تنادي بإلقاء مسؤولية وجود مشكلة اللاجئين على إسرائيل التي عمدت الى اقتلاعهم من أراضيهم وبيوتهم ومصادر رزقهم تحت قوة الإرهاب والقتل والتهديد والخوف الذي قامت به العصابات الصهيونية، محدثةُ عملية اقتلاع لشعب وإحلال شعب آخر مكانه، ولهذا فهناك إصرار على تطبيق حق العودة كما هو مبين في القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة ، ومحاربة كافة أشكال التوطين باعتبارها من المحرمات، وكذلك رفض النظرية الإسرائيلية حول التبادل السكاني (مقايضة اليهود القادمين من الدول العربية باللاجئين الفلسطينيين ) أو تبادلية الأراضي كحلول لعودة اللاجئين.
ويستمد اللاجئون قوة الحق في العودة من الروافد القانونية التي تدعم هذا الحق فهو حق من حقوق الإنسان كحق التعليم والحق بالعيش بكرامة ، وهو مدعم من قبل القانون الدولي وخصوصا القرار 194 الذي اعتبر موافقة إسرائيل على القرار 194 شرطا لوجودها، وهو حق تاريخي فعلى هذه الأرض أقام الشعب العربي الفلسطيني وأبدع شخصيته الوطنية وثقافة وهويته.
وينادي المنادون بحق العودة بتلازم هذا الحق مع حق التعويض، وفقا للقرار 194، وبالتالي لا يمكن طرح التعويض كبديل للعودة بل هو عن الأضرار التي لحقت باللاجئين نتيجة طردهم من أراضيهم وبيوتهم ومصادر رزقهم ، وعن المعاناة والألم واللجوء ، وعن فوائد الأرض التي لم تستغل طيلة فترة اللجوء وعن وسائل الإنتاج إن كان مصنعا أو ورشة ، والتعويض يمتد ليشمل الأضرار النفسية ، وهو يشمل أيضا "الفرصة الضائعة " .
محاذير وتساؤلات لأصحاب الوثيقة
هناك جملة من الأسئلة والإشكاليات والمشاكل العالقة بخصوص موضوع اللاجئين والتي تحتاج الى إعادة قراءة من قبل من ساهموا في صياغة الوثيقة والتي يمكن إجمالها على النحو التالي:
- مسألة التفويض: من أين استمد أصحاب الوثيقة تفويضهم للبت بمسألة تعتبر حق فردي، و بالنسبة لممتلكات اللاجئين داخل أراضي 48 كالأراضي والبيوت ووسائل الإنتاج والاستهلاك كملكيات خاصة من سيعوضهم عنها، وهل يمكن أن يكون التعويض عنها قسرا للذين لا يرغبون بالتعويض، وما هو مصير أولئك الذين يصرون على تطبيق حقوقهم بالعودة والتعويض ويرفضون تحديد خياراتهم بسقف زمني، وهل طرحت المدد الزمنية للمطالبات القانونية بالممتلكات وما مدى هذه المدد الزمنية.
- مدى قدرة الأراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية على استيعاب ملايين اللاجئين في حال انتقالهم لها، هل كانت صياغة الوثيقة بناءً على احتساب علمي واقعي قابل للتطبيق بقضايا تتعلق بالقدرة الاستيعابية والبنية التحتية من صحة وتعليم وكهرباء وشبكة مواصلات وقدرة على إحداث تنمية حقيقية وخلق فرص عمل وإنتاج، أم أن الحديث يجري عن انتقال أعداد كمكسب عددي دون أي رؤية تنموية الأمر الذي يعني خلق مشاكل جديدة داخل للمجتمع الفلسطيني ستكون حلولها في غاية التعقيد والاستحالة، وأيضا قبول فكرة تبادلية الأراضي يعني أن الجانب الفلسطيني أقر بأن المستوطنات أو جزء كبير منها أصبح أمرا واقعا رغم أن عدد الساكنين في هذه المستوطنات بضعة ألوف، فهل تم النظر للاجئين من قبل الإسرائيلي بنفس المستوى أم تم النظر لهم كأعداد يمكن حل مشكلتهم بالتعويض أو التوطين، وهل حقا أن الأراضي التي سيتم مبادلتها هي أراضي صحراوية في النقب مقابل أراضي بمنتهى الأهمية والجودة الاقتصادية والمائية والاجتماعية، وهل هذه الأراضي الصحراوية القاحلة ستشجع الشباب الفلسطيني على الانتقال لها، بالتالي مدى ارتباط الحل الدائم بخطط تنموية قادرة على النهوض بالمجتمع الفلسطيني أم أننا نسير بدون أي رؤى تنموية.
- أصحاب الأراضي التي سيتم مصادرتها 6%من سيقوم بتعويضهم عن خسرانهم لممتلكاتهم الخاصة من أرض وبيوت وهل تم أخذ موافقتهم، والأراضي المطروحة للتأجير2% هل وافق أصحاب هذه الأراضي على تأجيرها.
- هل تم التفكير بأن على إسرائيل أن تقدم اعتذارا تاريخيا للشعب الفلسطيني عما حل به نتيجة لنكبة عام 1948، ولتحملها مسؤولية هذه المأساة.
- الوثيقة حددت السقف التفاوضي الفلسطيني لأن الطرف الفلسطيني فيها تقريبا شبه رسمي، في حين أن الطرف الإسرائيلي بقي بدون تحديد لسقفه التفاوضي فماذا سيكون عليه الحال لو تم التفاوض مع اليمين الذي من الممكن أن يعاد انتخابه مجدداً .
- هل تم أو سيتم حقاً تثقيف اللاجئين حول حقوقهم والخيارات المطروحة أمامهم أم سيتم الاعتماد على حالة الإحباط التي يعيشها الشارع الفلسطيني لتمرير حل والقبول بأي شيء .
- ماذا لو لم تقم دولة فلسطينية بعد سنه أو سنتين أو عشرين سنه ، ما هي الخيارات الاستراتيجية المطروحة لدى أصحاب الوثيقة.
محاذير وملاحظات لحركة اللاجئين
في الوقت الذي بدأ طرح مبادرات ووثائق وأفكار لحل موضوع اللاجئين من زاوية القبول بالأمر الواقع والتعاطي الواقعي، بدأ اللاجئون الفلسطينيون عبر قواهم ومؤسساتهم بالعمل بوتيرة أعلى للتصدي لكافة المبادرات التي اعتبرت خارجة عن الإجماع ولا تلبي حقوق اللاجئين ولكن يبقى هناك العديد من التساؤلات والمحاذير حول حركة اللاجئين والتي يمكن الإتيان عليها كما يلي:
- أيوجد حقاً لدى اللاجئين المؤسسات القادرة على حماية وصيانة حق العودة والدفاع عنه وتشديد المطالبة به، وخصوصا المؤسسات القانونية التي من شأنها إحداث حالة من الوعي داخل أوساط اللاجئين حول حقوقهم الإنسانية والقانونية والسياسية، وهل لدى اللاجئين الوعي اللازم حول دورهم في تقرر مستقبلهم ومصيرهم أم أن العمل داخل أوساط اللاجئين هو مجرد عمل نخبوي منفصل عن الجماهير.
-مسألة العودة التي يتم التشديد عليها أين هي الدراسات الواقعية والعملية التي توضح وتفصل آليات العودة أم أن العودة كمفهوم لم يخرج عن كونه شعار سياسي. - كيف تتعاطى مؤسسات اللاجئين مع فكرة طرح البدائل والحلول وطرق النضال لمنع توقيع واعتماد بنود وثيقة جنيف كأساس لحل دائم، وما هو التصور في حال التوقيع على اتفاقية مطابقة بشكل رسمي من قبل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
- مسألة الخيارات المطروحة للنضال ضمن الدولتين أو الدولة الواحدة كيف يتم نقاشها داخل أوساط اللاجئين، وما هو الخيار الأسلم للنضال عبر وجود دولة واحدة لشعبين أم دولتين أم أن فكرة الدولة الواحدة أصبحت في عداد الأموات.
- هل ضمن الرؤية الواقعية هناك إمكانية لإعادة عقارب الساعة للوراء وبالتالي القدرة على إنتاج المجتمع الفلسطيني التقليدي من جديد في حال العودة، أم أن الحق شي والتنفيذ مسألة مختلفة تماماً.
- ما هو المطلوب ضمن التصورات المطروحة حقا: الحق والأرض أم الحق والتنمية أم كلها مجتمعة.
وأخيرا
يبدو أن وثيقة جنيف بدلاً من أن تحدث اختراقا داخل المجتمع الإسرائيلي كما كان مأمول فلسطينيا فقد أحدثت ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عنها اختراقا وانقساماً داخل الموقف الفلسطيني، فأصبحنا نتحدث عن موقف رسمي فلسطيني وأخر شبه رسمي وثالث شعبي، وانتقلت ساحة التناقض بين موقفين متضاربين أحدهما إسرائيلي والآخر فلسطيني الى تناقضات فلسطينية فلسطينية، وأيضا لا يمكن النظر للوثيقة إلا كمساس بالقرارات الدولية المتعلقة بالصراع وتراجعا في تفسيرها وتراجعا عن فكرة اقامت دولة فلسطينية في جميع الأراضي التي احتلت عام 67، وأبقت المفاوض الفلسطيني بدون أي سقف استراتيجي للتفاوض. |