|
من أبنية البغي والعدوان
في تصريح تعوزه اللياقة والكياسة لسكرتير الأمم المتحدة السيد كوفي عنان أعلن معارضته قيام إسرائيل ببناء الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية، ولكنه، وكعادة الأمم المتحدة التي دأبت على ترك الأبواب مفتوحة أمام خيارات العدوان الإسرائيلي، استدرك قائلا إن هذا لا يمنع إسرائيل من اتخاذ الإجراءات اللازمة لأمنها وسلامتها، وكأنه بذلك يوميء لإباحة التدمير والهدم والتقتيل والتعذيب والضرب الذي يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني يوميا على أيدي القوات الإسرائيلية، ناسيا أن السلام يبدأ بالإنسان لا ببناء الجدران.
اشتهرت عبر التاريخ عدة أسوار أو جدران تميزت في تاريخ البشرية بالدور الذي أنشئت من أجله، فما استهدف منها حياة الإنسان وسلامته دون بغي أو افتئات استمر وبقى شاهدا على هذا الهدف النبيل، وما استهدف منها البغي والعدوان والافتئات على حقوق العباد تهدم على رأس بانيه وداسته الأحذية.
ومن أشهر الأسوار التي بنيت لحماية الإنسان وسلامته سور الصين العظيم وخط ماجينو في فرنسا، فسور الصين العظيم الذي يعد أحد عجائب الدنيا السبع يقال أنه بني بيد الأسكندر ذي القرنين ليمنع يأجوج ومأجوج وهم أقوام مفسدون في الأرض حسب نص القرآن الكريم من الاعتداء على تلك البلاد، فبقي إلى اليوم شاهدا على أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، أما خط ماجينو فقد أنشأه وزير الدفاع الفرنسي ماجينو خارج باريس من جهة ألمانيا ليمنع القوات النازية التي اجتاحت أوروبا في ذلك الوقت، من أن تعيث في الأرض فسادا ومن أن تهلك الحرث وانسل والبلاد والعباد، ورغم الغاية النبيلة التي أنشئ من أجلها، إلا أن الاعتماد على ذلك الخط في صد العدوان النازي كان حماقة كبرى لأنه كان نكبة على فرنسا حيث اجتاح الألمان فرنسا من جهة بلجيكا فكان الخط وبالا على القوات الفرنسية التي تحصنت أمامه لصد هجوم الألمان.
أما أسوار البغي والعدوان فأهمها سور برلين وخط بارليف، فأما سور برلين فقد شرعت ألمانيا الشرقية (الشيوعية) في بنائه بطول 46 كيلومترا في أغسطس من عام 1961م لمنع المواطنين الألمان من اجتياز الخط الفاصل هربا من جحيم الشيوعية والالتحاق بأهليهم في ألمانيا الغربية، وظل السور لأكثر من ربع قرن شاهدا على القهر والذل والاستعباد ومصادرة حريات الشعوب وتشتيت الأسر وقتل من يجرؤ على الاقتراب من ذلك البناء المقيت، وقد لقي أكثر من ألف شخص حتفهم على عتبات ذلك الرمز المقيت خلاف من جرحوا أو من نجحوا في عبوره، إلى أن كتب الله له السقوط تحت أقدام إرادة الشعوب، ففي عام 1989 انحنى البناء أمام إرادة المتظاهرين ولم تقم له بعدها قائمة ولم يصمد للزمن كما صمد سور الصين العظيم فشتان بين سور بني لحماية حياة الإنسان وكرامته وسور بني فوق أشلاء الإنسان وأهدر كرامته وفرق شمل الأسر وأقام الظلم والقهر.
أما خط بارليف، وهو النسخة القديمة من السور العازل الذي تبنيه إسرائيل حاليا في الضفة الغربية، فبعد عدوان 1967، الذي كان للأمم المتحدة بقيادة يوثانت دورا إيجابيا فيه لا يختلف كثيرا عن الدور الذي تؤديه حاليا بقيادة كوفي عنان، بعد عدوان 1967 أقامت إسرائيل سورا أو خطا منيعا على الضفة الشرقية لقناة السويس وهي أرض مصرية مغتصبة ليس لإسرائيل مجرد حق البقاء على ترابها، وبالتالي ليس لها حق إنشاء مثل هذا الخط عليها، ورغم صمود خط بارليف لضربات حرب الاستنزاف المركزة إلا أنه سقط بالكامل سقوط البسكويت في كوب الشاي بعد ست سنوات من الاحتلال أمام إرادة الشعب وصلابة الإنسان لاسترداد كرامته وحرية أرضه. وأما السور الذي تبنيه إسرائيل حاليا في الضفة الغربية فوق أرض مغتصبة فهو نموذج صارخ للبغي والعدوان وإهدار حقوق الإنسان في العيش الكريم على أرضه، أما تصريح السيد عنان الباهت فهو نموذج أيضا في الانحياز والكيل بمكيالين وممالأة الكيان الصهيوني، فرغم أن ظاهره رحمة باستنكار بناء الجدار إلا أن باطنه العذاب باستطراده أن من حق إسرائيل اتخاذ الإجراءات اللازمة لأمنها وسلامتها.
واليوم يا سيد عنان، وبعد أن ثبت بالدليل والبرهان أن البنيان لا يقيم السلام ولا يضمن الأمن للإنسان، هل تسمع نصيحتي وتدعو أحبابك في إسرائيل لاحترام الإنسان بدلا من أن تعارضهم في إنشاء السور وتومئ بحقهم في قتل وضرب ولطم وسحل وسجن الأبرياء وسفك دمائهم ضمانا لسلامة إسرائيل وأمنها، فتصريحك هذا لا يخلو من رحمة تشبه رحمة أخي يوسف الذي قال "لا تقتلوا يوسف" ثم استطرد قائلا "وألقوه في غيابة الجب". |