|
مع ما يحدث حالياً بشأن إيران من ضغوط أمريكية ورغبة بتصعيد الموقف بخصوص البرنامج النووي الإيراني ، لاتكفي عبارات من قبيل العنجهية الأمريكية والصلف والرغبة بالتدخل في العالم والتوجه نحو ضرب الدول العربية والإسلامية لتوصيف الموقف ؛ إذ ثمة استراتيجية مُعلنة تعتبر أن الخطر الأكبر على الولايات المتحدة يكمن في تلك البرامج ولابأس في الخطاب الرسمي للرئيس الأمريكي أن يُغلف ذلك بحمولة أخلاقية وإيديولوجية كقوله في ويست بوينت، بنيويورك، أول حزيران/ يونيو،2002 :"يكمن الخطر الأكبر على الحرية عند مفترقي طرق الراديكالية والتكنولوجيا. فعندما تنتشر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، سوية مع تكنولوجيا الصواريخ البالستية، تستطيع حتى الدول الضعيفة ومجموعات صغيرة امتلاك قوى مدمرة لضرب الدول الكبرى.وهم سيسعون لامتلاك القدرة على ابتزازنا، أو إلحاق الأذى بنا، أو إلحاق الأذى بأصدقائنا- وسوف نقاومهم بكل ما لدينا من قوة".
وعليه فإن الاستراتيجية الأمريكية المرسومة والمعلنة ترى أن طبيعة التهديد الذي مثلته الحرب الباردة من الولايات المتحدة قد تطلبت التركيز على ردع استخدام العدو للقوة، مما أنتج استراتيجية مروعة من الدمار المتبادل المؤكد. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، شهدت البيئة الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية تحولات عميقة؛ فعبر علاقات الأخيرة مع روسيا،أصبحت المكاسب الناتجة عن ذلك جلية ممثلة : بانتهاء ما تدعوه واشنطن "توازن الإرهاب" الذي فرقهما ، وبخفض تاريخي في ترسانات الأسلحة النووية لدى الجانبين، والتعاون في مجالات مثل محاربة الإرهاب والدفاع بواسطة الصواريخ.
لكن التحديات الجديدة توصف في تلك الاستراتيجية بأنها مميتة وأنها قد برزت من الدول المارقة والإرهابيين. صحيح أنها لا توازي القوة التدميرية التي كانت موجهة من الاتحاد السوفياتي، إلاّ أن طبيعة الأعداء الجدد ودوافعهم، و تصميمهم على امتلاك قوى تدميرية لم تكن متوافرة حتى اليوم للدول الأقوى في العالم، كذلك الأمر بالنسبة للاحتمال الأكبر بأنهم سيستخدمون أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة، يجعل بيئتهاالأمنية –حسب التوصيف ذاته- اليوم أكثر تعقيداً وخطورة.
ويذهب التوصيف بعيداً في تحديد مواصفات تلك الدول المارقة التي برزت في الستعينات من القرن المنصرم،و التي تتشاطر عدداً من الصفات، رغم كونها تختلف فيما بينها بطرق مهمة، ومن هذه الصفان أنها: 1. تمارس العنف على أفراد شعوبها وتبذر مواردهم القومية لمصلحة الكسب الشخصي لحكامها. 2. لا تظهر أي اعتبار للقانون الدولي، وتهدد جيرانها، وتنتهك بصلافة المعاهدات الدولية التي وقعت عليها. 3. تصمم على حيازة أسلحة الدمار الشامل، سوية مع غيرها من التكنولوجيات العسكرية المتطورة غيرها لاستخدامها للتهديد أو للعدوان بغرض تحقيق المخططات العدائية لهذه الأنظمة. 4. ترعى الإرهاب حول العالم. 5. ترفض القيم الإنسانية الأساسية وتبغض الولايات المتحدة وكل ما تمثله.
والبينة في تلك الاستراتيجية تسوقها من خلال حرب الخليج، مدعية أنها انطوت على إثباتات لا يمكن دحضها بأن مخططات العراق لم تكن محددة بالأسلحة الكيميائية التي استخدمتها ضد إيران وضد شعبها نفسه، بل امتدت للحصول على أسلحة نووية وعوامل بيولوجية، كذلك فقد أصبحت كرويا الشمالية المزود الرئيس في العالم للصواريخ البالستية، وأجرت تجارب متزايدة على صواريخ بالستية أكبر قدرة،سوية مع تطوير ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل. تسعى أنظمة مارقة أخرى الحصول على أسلحة نووية، وبيولوجية، وكيميائية، لتنتهي بعد ذلك إلى أن كل ذلك قد شكل تهديداً متزايداً لكافة الدول.
وعليه ترسم الولايات المتحدة استراتيجية العمل الوقائي بما فيها الضربات الوقائية بذريعة الاستعداد لوضع حد للدول المارقة وعملائها من الإرهابيين قبل أن يتمكنوا من تهديد /أو استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها بالاستفادة من التحالفات الُمعززة، و إقامة شراكات جديدة مع أعداء سابقين، ومن ابتكار أساليب متجددة في استخدام القوة العسكرية والتكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك تطوير نظام دفاعي صاروخي فعال، وزيادة التركيز على جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها. واستراتيجيتها الشاملة لمقاومة أسلحة الدمار الشامل تتضمن:
1. جهود فاعلة ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ بردع التهديد قبل إطلاقه، والتأكد من أن القدرات الرئيسية- وسائل الكشف والدفاعات السلبية والإيجابية وقدرات القوة المضادة- متكاملة في أنظمة أمنها الداخلي، بإدماج الإجراءات المضادة لانتشار الأسلحة أيضاً مع العقيدة القتالية لقواتها ولقوات التحالف، وكذلك الأمر ترتيب وتجهيز قواتها وقوات حلفائها لضمان التفوق في أي نزاع مع أعداء مسلحين بأسلحة دمار شامل.
2. تقوية جهود الحد من انتشار الأسلحة لمنع الدول المارقة والإرهابيين من الحصول على المواد، والتكنولوجيات، والخبرات اللازمة لأسلحة الدمار الشامل، وذلك عبر تعزيز الجهود الدبلوماسية، وإجراءات مراقبة التسلح، ومراقبة التصدير المتعددة الأطراف، والمساعدة في خفض التهديدات مما يعيق عمل الدول والإرهابيين الساعين إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بما فيها منع تصدير التكنولوجيات والمواد المعززة لتلك القدرات و بناء تحالفات لدعم هذه الجهود، وتشجيع زيادة مساندتها اقتصادياً ومالياً لمنع انتشار الأسلحة وبرامج خفض التهديدات، حيث شكل الاتفاق الأخير بين الدول الصناعية الثماني الكبرى، الذي يقضي بتخصيص مبلغ يصل إلى 20 بليون دولار أمريكي إلى قيام شركة عالمية ضد انتشار الأسلحة، خطوة رئيسية إلى الأمام.
3. إدارة العواقب بفاعلية للرد على التأثيرات الناجمة عن استخدام أسلحة الدمار الشامل، سواء من قبل إرهابيين أو دول معادية، حيث أن تخفيف تأثيرات استخدام هذه الأسلحة ضد شعبنا سيساعد في ردع أولئك الذين يملكون هذه الأسلحة ويقنع الذين يسعون إليها بأنهم لن يحققوا أهدافهم المنشودة، على أن الولايات المتحدة أيضاً أن تكون مستعدة للرد على عواقب استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد قواتها في الخارج، وأن تساعد الأصدقاء والحلفاء إذا ما تعرضوا لهجوم. |